إن نظرة على أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تجعلنا نرى أننا نقترب شيئا فشيئا من المرحلة الحرجة للأزمة ، حيث أن الوضع الراهن بات لا يطاق.
وأزمة اليوم توفر الشرارة المحتومة لتفويض بالتغيير. فاليونان وإسبانيا والبرتغال ديمقراطيات فتية ولدت بين عام 1973 وعام 1975 مباشرة من دكتاتوريات سابقة. الآن باتت هذه الدول في مرحلة الانتقال من مرحلة المراهقة إلى مرحلة البلوغ، وهي مرحلة انتقالية تتطلب حِسًّا جديدا بالمسؤولية.
كانت الأمور جيدة منذ سنة 1999 عندما غذّى إدخال اليورو جزءا كبيرا من الطفرة ومن ثم بدأ يفاقم أَلَمَ إفلاس ما بعد سنة 2008.
وكانت دول نادي البحر الأبيض المتوسط تعتمد على التصنيف الائتماني الألماني الرخيص والسياسة النقدية الغير الملائمة التي انتهجها البنك المركزي الأوروبي التي تعتمد سياسة " حجم واحد يناسب الجميع ".
هذا يعني بشكل مصطنع وغير طبيعي أسعار تمويل رخيصة للحكومات التي تسرف في الإنفاق.
في المراحل المتقدمة أو المبكرة لهذا الانكماش الاقتصادي كانت الحكومة قادرة على التحفيز لأن الوضع المالي بدا نسبيا سليما (لأن التمويل كان رخيصا)- كانت البنوك وصناديق التقاعد هي الممولة الرئيسية للموجة الجديدة لإصدار الدين العام، التي كانت لديها الكثير من الأموال النقدية لمنع ارتفاع معدلات التمويل.
استمر الأمر كذلك حتى أواخر العام 2009 -على الأقل- عندما تبين أن نقطة تشبع الدين قد بُلِغَتْ وأن البنك المركزي الأوروبي لم يتمكن من تسييل الدَّيْن أو بعبارة أخرى تحويلها إلى نقود كما فعل البنك المركزي الأمريكي أو بنك انجلترا.
الآن ونحن على وشك الدخول في العام الخامس لهذه الأزمة العالمية، فإن نادي دول البحر الأبيض المتوسط (وأغلبية الدول الأخرى) باتت غير قادرة على توسيع التحفيز المالي لأنها أسرفت في الإنفاق خلال السنوات الأخيرة. سوف يتطلب الأمر التخلص من الاعتماد على الدولة والقطاع العام ليُترك المجال للاعتماد أكثر على الاقتصاد الكلي الذي يستمد قوته من القطاع الخاص، والأهم من ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتستوجب الأزمة أيضا انتعاشا على شكل الحرف V ينخفض فيه النمو في البداية بينما يُعاد ضبط كل شيء، لكن النمو يستطيع فيما بعد القفز مجددا بقوة أكبر، لأن الاقتصاد سوف يكون عندئذ أكثر توازنا.
الشيء الذي تحتاجه أوروبا فعلا لتتجاوز هذه الأزمة هو تفويض حقيقي بالتغيير-ولكن كما تعلمنا من التاريخ، فإن صناع القرار أو السياسة والسياسيين سوف يواصلون في إنكار الاعتراض والتظاهر ويعودون مجددا للإنكار في حلقة مفرغة حتى تكبر الأزمة بما يكفي للتمكين من تفويض بالتغيير.
