طور الألماني بيتر شتيمرمان أسمنت خرسانة خضراء عبارة عن مزيج من الحجر الجيري والرمال واجتذب اقبالا غير مسبوق في تاريخ البشرية حتى الآن من قبل المطورين العقاريين. غير أن هذا الأسمنت الذي يصنع في إحدى المنشآت الصناعية الرائدة التابعة لمعهد "كي أي تي" الألماني للتقنية في مدينة كارلسروه لا ينتج في فرن درجة حرارته 1450 درجة مثل الأسمنت التقليدي بل في إطار طريقة جديدة لا تزيد درجة الحرارة فيها عن 200 درجة.
وقال شتيمرمان إن أسمنت "سيليتمنت" أكثر كثافة وأكثر قدرة على التحمل عن الأسمنت التقليدي مما يجعله مناسبا للتطبيقات الخاصة مثل مواسير الصرف الصحي. كما أن هذا الأسمنت يجف بشكل أسرع مما يجعله ذا أهمية خاصة في مجال الترميم. وخلافا للأسمنت التقليدي فإن أسمنت "سيليتمنت" أقل قلوية مما يجعله يفتح آفاقا جديدة أمام مخترعه شتيمرمان "فألياف النسيج مثلا لها نفس خواص الفولاذ ولكنها تتآكل بفعل الخرسانة القلوية، أي أنه من الممكن تطوير بدائل للخرسانة الحديدية باستخدام أسمنت سيليتمنت.
ويرى هورست ميشائيل لودفيج، رئيس معهد فايمار لعلوم مواد البناء في مدينة فايمار أن أسمنت "سيليتمنت" هو الأول من نوعه تماما منذ اختراع الأسمنت قبل نحو 150 سنة وأن الأسمنت والخرسانة لم يحظيا بالبحث الكافي من قبل رغم أن الأسمنت أصبح من أكثر المواد استخداما في العالم بعد الماء فالخرسانة ببساطة قصة نجاح، فسعر إنتاج الطن منه لا يتجاوز 80 يورو مما يجعله غير قابل للمنافسة.
كما أن هذا الإسمنت الجديد الذي سماه صاحبه "سيليتمنت" يصنع أيضا بكميات جير أقل ويؤدي انخفاض درجة حرارة الأفران وعدم استخدام الجير في إنتاج الأسمنت إلى خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب بظاهرة الاحتباس الحرارى بنحو 50%.
ومنذ أن طور شتيمرمان هذه الطريقة بمساعدة ثلاثة زملاء بعد أبحاث تمهيدية على مدى 15 عاما أصبحت الشركات ورجال الأعمال يتوافدون عليه من كل حدب وصوب. ومن بين هؤلاء، يوخن فلاسبارت، رئيس الهيئة الألمانية للبيئة.
وعلقت وثائق وشهادات تقدير في مدخل المصنع. ويساهم الصندوق الألماني للانتقال للطاقة المتجددة في هذا المشروع الذي يتكلف نحو خمسة ملايين يورو وذلك في ظل حقيقة أن دوارات الرياح المستخدمة في توليد الكهرباء بطاقة الرياح لا تزال تصنع باستخدام كميات كبيرة من الخرسانة.
ولم تتعرض الخرسانة للانتقاد إلا مع بدء الحديث بقوة عن التغير المناخي وتداعياته وذلك في ضوء حقيقة أن الإنتاج العالمي للأسمنت مسؤول عن 5% من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يعتبر أهم الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري المسؤولة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض. وتبلغ هذه النسبة ضعف النسبة التي يتسبب فيها الطيران الدولي.
ويرتفع الاستهلاك العالمي من الخرسانة منذ سنوات بشكل مستمر حتى وصل حاليا إلى 2.2 مليار طن في العام. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذه الكمية ستتضاعف تقريبا إلى 4.2 مليارات بحلول عام 2050 لتصبح صناعة الأسمنت مسؤولة عن 10% من الاحتباس الحراري مما يعني ضرورة البحث عن طريقة أكثر صداقة للبيئة لصناعة الأسمنت.
