شغلت أزمة الأمن الغذائي المستجدة بحسب آخر الاستطلاعات والتقارير الواردة مواقع القرار في العالم. وصار الحديث عن إيجاد رؤية موحدة تجاه الوضع في كثير من مناطق عدم الاستقرار السياسي والركود الاقتصادي أمرا ملحا يتطلب الاسراع في التباحث حول آليات تطبيق سياسات حمائية من تذبذبات الأسعار العالمية، وأيضاً التفاهم بشأن طريقة التعامل المحلي مع أزمة الغذاء خلال الفترة المقبلة.

وجاءت التحذيرات العالمية الأخيرة لترصد استعدادات كثير من المجالس الاقتصادية العليا والغرف الاقتصادية والتجارية في العالمين الغربي والعربي، بالتحضير لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء العالمي التي كشفت عنها منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة "فاو" قبل أيام بعد تراجعها في الأشهر الثلاثة الماضية، معتبرة أنها قد تشهد مزيداً من الارتفاع ما يزيد احتمال حدوث أزمة غذاء على غرار تلك التي وقعت في العام 2007 ـ 2008.

وبدأت تعلو في الأفق بعد خمس سنوات على الأزمة الأخيرة، بوادر أزمة جديدة يبشّر مطلقوها نيتهم تحميل المستهلكين زيادة الأسعار والتنبؤ بارتفاعات ومتغيرات في السلع، ما يهدد بموجة تضخم في أسعار الغذاء العالمية.

وفي آخر الاحصاءات حول عالمنا العربي، قدر المختصون حجم الفجوة الغذائية العربية بـ40 مليار دولار أميركي بلغته خلال العام الجاري. ومن المتوقع أن ترتفع إلى 48 مليار دولار أميركي في العام 2020. واعتبروا أن الحل يكمن في إجراء البحوث والدراسات في هذا الشأن، مما سيعطي فرصة أكبر لمتخذي القرار لبناء استراتيجياتهم وقراراتهم وفق أسس علمية.

ولمحاصرة الأزمة وتلافي السلبيات التي قد تنشأ من خلال أخذ الاحتياطات اللازمة والتكاتف في سبيل عدم تفشيها بحيث لا تكون عبئاً على دول تعاني في الأساس أزمات اقتصادية، لا بد لنا من تبديل سلوكياتنا وإقامة توازن غذائي بين الطبقات الاجتماعية العربية بدل الابقاء على التبذير في استهلاك الغذاء وكأننا في اقتصاد مهدور تملك فيه الطبقات العليا والمرفهة حصة غذائية كبيرة تذهب في الغالب سدى في حاويات الفضلات، بينما أكثر من ثلثي المجتمعات العربية غير قادرة على تأمين حصة غذائية كاملة.

وبرغم التوقعات التي تشير إلى أن أزمة الغذاء المتوقعة ستكون في أميركا وأوروبا، إلا أن ذلك لا يجنب عالمنا العربي الأزمة. بل على العكس هناك مخاوف باستقطاب نتائج الأزمة الغذائية الجديدة بسبب أن الكثير من دول منطقتنا تعتمد في أمنها الغذائي على مبدأ الاستيراد من الخارج.

وهذا ما يوجب إما إعادة النظر بسلوكياتنا الغذائية، وإما قبول واقع أننا مقبلون على الدخول في أزمة الأمن الغذائي من بابها العريض، وعندها كل الاحتمالات مفتوحة على أزمات مزدوجة اقتصادية ـ اجتماعية لا توفر لا غنياً ولا فقيراً.