برهن الانتشار السريع لتداعيات الأزمة المالية العالمية على ترابط الاقتصاد العالمي، وأكد انه في حال الأزمات الاقتصادية العميقة لا تكون هناك دولة من الدول في مأمن منها.
وهذا الترابط هو الذي جعل أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة التي مثلت الشرارة الأولى للأزمة تنتقل عبر الحدود الدولية لتعم أقاليم العالم أجمع، لتتحول من أزمة محلية تخص اقتصادا واحدا، إلى أزمة عالمية واسعة النطاق أعادت إلى الأذهان ذكرى أزمة "الكساد الكبير"، التي ضربت الاقتصاد العالمي في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته.
وبرغم مجيء الأزمة المالية العالمية على هذا النحو، فإن الدول لم تهتم بالعمل الجماعي الحقيقي إلا مؤخرا حيث انخرطت في بادئ الأمر في العمل الانفرادي فاجتهدت كل منها في وضع الخطط والسياسات التي تساعدها على تحفيز اقتصادها الوطني في مواجهة الأزمة، .
فجاءت الخطط مشتتة. وفي الوقت الذي تبنت فيه بعض الدول سياسات مالية توسعية وجدنا دولا أخرى تتبنى سياسات مالية تقشفية، .
وفي الوقت الذي اعتمدت فيه بعض الدول على مواردها الذاتية في معالجة الأزمة وجدنا دولا أخرى تتوسع في الاقتراض. وبرغم أن بعض الدول قد تمكنت من إيجاد الطريق الصحيح فنجحت في محاصرة أزمتها فإن عدد هذه الدول ظل محدودا للغاية بالنسبة إلى إجمالي دول العالم، .
وكانت المحصلة النهائية للجهود هي المشهد الذي نراه حاليا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، الذي يتلخص في اقتصاد يعاني أزمة مديونية حكومية طاحنة، تتهدده مخاطر حقيقية للدخول في ركود عميق وطويل الأمد، وكل هذا مغلف بغمامة من عدم الثقة مسيطرة على المشهد بتفاصيله كلها.
وبرغم أنه منذ بداية الأزمة المالية العالمية كانت هناك محاولات عديدة لتنسيق المواقف وتوحيد الجهود كما حدث أكثر من مرة في اجتماعات قمة مجموعة العشرين والمواقف المتتالية التي تبنتها المنظمات الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المنظمات، فإن استمرار الأزمة واتساعها .
كما سبق الذكر والمشهد الذي يبدو عليه الاقتصاد العالمي حاليا هي جميعها أدلة على أن كل هذه الجهود لم تكن ذات طائل، وأن الفترة المقبلة تحتاج من دول العالم، خصوصا الدول الأكثر معاناة من الأزمة الحالية، إلى أن تتحرك بخطوات حقيقية في اتجاه التعاون. وهنالك أهمية للتحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة وألمانيا في الوقت الحالي، .
والتعهدات التي أعلنها وزيرا ماليتي الدولتين، في لقائهما الأخير في ألمانيا، بالتعاون من أجل استقرار الاقتصاد العالمي والتنسيق لتحسين المالية العامة وتقليص الاختلالات في أوضاع الاقتصادات الكلية العالمية، واستعادة النمو، وبذل كل ما يلزم للحفاظ على اليورو.
