أيقن المتابعون للشؤون الاقتصادية والمالية العالمية والعاملون في مواقع المسؤولية في المنظمات والمؤسسات الاقتصادية والمالية حول العالم.
ومنذ اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008 أن النظام المالي العالمي يعاني حالة من التراخي الشديد في القواعد والإجراءات الرقابية وأن غياب الدور الرقابي لهذه المؤسسات هو الذي سمح للمؤسسات المالية والمصرفية الأميركية بالإفراط في منح قروض التمويل العقاري، محطمة بذلك قواعد الاستقرار المالي والنقدي.
وكان اندلاع الأزمة بهذه الكيفية سبباً في قيام العديد من المطالبات الدولية بمراجعة قواعد الرقابة ونظمها في النظام المالي العالمي، وفرضت القضية نفسها على أجندات التجمعات والفعاليات الدولية الكبرى في أكثر من مناسبة، كما حدث في قمة مجموعة العشرين.
ومرت مسيرة الاقتصاد العالمي خلال الفترات الأخيرة بمحطتين مهمتين، كشفتا عن عدم كفاية تلك التحركات، وتمثّلت المحطة الأولى في أزمة المديونية الحكومية التي ظهرت بوادرها في الولايات المتحدة واليابان، ومن ثم انتقلت عدواها إلى منطقة اليورو.
وكشف مرور الاقتصاد العالمي بهذه المحطة عن جانب آخر من جوانب الضعف الشديد في الدور الرقابي في النظام المالي العالمي، وعن أن المؤسسات الرقابية غير قادرة على الوصول إلى حقيقة الممارسات المالية للحكومات بما يضمن التزامها معايير الاستقرار المالي والنقدي المعتمدة دولياً.
وهو ما أعطى الفرصة لتلك الحكومات في الدول المتعثرة في الإفراط في الاقتراض لتمويل نفقاتها العامة، فتضخمت مديونياتها إلى مستويات لا يمكن لاقتصاداتها الوطنية تحملها، حتى اقترب عدد غير قليل منها، خصوصاً في منطقة اليورو، من شفا الإفلاس، وهو التهديد الذي لم تنسحب آثاره السلبية على الاقتصادات الوطنية فقط، بل طال لهيبه الاقتصاد العالمي كله.
أما المحطة الثانية فقد مر الاقتصاد العالمي بها عندما انكشف أمر التلاعب في أسعار الفائدة بين البنوك في بريطانيا خلال الأيام الأخيرة، وهو ما أضاء من جديد ضوءاً أحمر على الجانب الرقابي الضعيف في النظام المالي العالمي.
ومرور الاقتصاد العالمي بهاتين المحطتين أبرز مدى الحاجة الماسّة إلى تحركات دولية جديدة في إطار عمل دولي منسق ومتكامل، من أجل وضع منظومة متكاملة للرقابة المالية، يتم فيها إعادة مراجعة القواعد والإجراءات الرقابية، وإعادة النظر في معايير الاستقرار المالي والنقدي المعمول بها، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية على المستويات الوطنية للدول.
