لاحظنا خلال الأشهر الماضية اهتمامًا كبيرًا من المستأجرين والمستثمرين في القطاع الصناعي لسوق العقارات بدبي وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام. ويُعزى هذا الاهتمام إلى عوامل من بينها النمو المستمر للتدفقات التجارية والتغيرات التي طرأت على عملية اختيار المواقع من قِبل المصنِّعين والمنتجين الذين يفكرون في إعادة رسم أنماطهم التجارية.

وكان ارتفاع مستويات التدفقات التجارية أحد أهم الأسباب وراء ما سجله إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في الإمارات من نسبة نمو بلغت 3% عام 2011. وهناك تنبؤات بأن يشهد مستوى التدفقات زيادة أخرى خلال عام 2012 نظرًا لوجود توقعات بأن تتراوح نسبة النمو بين 4% و5%.

ويمر معظم هذا التدفق التجاري الكبير عبر ميناء جبل علي، حيث أعلنت شركة دبي العالمية للموانئ مؤخرًا عن زيادة في التدفقات التجارية خلال الربع الأول من عام 2012 بلغت نسبتها 8,5%، بحيث تجاوز عدد الحاويات التي تمر عبر ميناء جبل على 3,2 ملايين حاوية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2012.

ومن المتوقع أن تؤثر ثلاثة عوامل أساسية على قرارات اختيار المواقع من قِبل المصنِّعين خلال السنوات المقبلة. وتشمل تلك العوامل ارتفاع تكاليف الطاقة حيث تبلغ نسبة الإنفاق على عملية النقل 50% من تكلفة التشغيل التي يتحملها المصنِّع، ومن ثم يلعب عنصر النقل دورًا كبيرًا في تحديد الموقع.

وقد ارتفع متوسط أسعار النفط ليصبح 72 دولارًا خلال الأعوام الخمسة الماضية بعد أن كان 30 دولارًا في مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، بحيث زادت الأسعار الآن على 120 دولارًا للبرميل. وهذا يعني باختصار أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى تفكير المصنعين ومقدمي الخدمات اللوجستية في مواقع جديدة، ونظرًا لما يتمتع به الشرق الأوسط من موقع إستراتيجي فهو يجذب اهتمامًا كبيرًا لتسهيل العمليات الصناعية والتخزين في المنطقة.

أما العامل الثاني فيتمثل في إعادة التوازن مع الصين حيث ظلت الصين على مدار العقود الماضية مقصدًا للمصنِّعين على مستوى العالم. إلا أن النمو الاقتصادي المدهش الذي شهدته الصين مؤخرًا أدى إلى ارتفاع تكاليف العمالة والإنتاج، في محاولة لتحصيل مقابل للميزات المالية التي يتمتع بها من يستخدم الصين كمصدر للإنتاج. علاوة على ذلك، ونظرًا لارتفاع تكاليف الطاقة والضغط المتزايد الذي يُمارس على الشركات للالتزام بمعايير بيئية واجتماعية، تحولت الأنظار نحو بلدان أخرى يمكن اعتمادها لممارسة النشاط التجاري لا تتعدى للصين فقط.

ويتمثل العامل الثالث في أهمية الاستدامة فالتركيز المستمر على الاستدامة لا يمثل اتجاهًا عابرًا، بل يؤكد على أهميته كحركة شعبية ذات جذور عميقة تؤثر على الحكومات والمؤسسات التجارية على حد السواء. الاستدامة باقية سواء أكنت مدفوعًا بمخاوف فعلية على البيئة أم مدفوعًا بأمل تحقيق انخفاض في التكلفة أم مضطرًا للالتزام بتشريعات حكومية.

ونستطيع القول بإيجاز إن الإمارات العربية المتحدة تعد مكانًا مثاليًا للاستفادة من العوامل الثلاثة سالفة الذكر والتي من المتوقع أن يكون لها تأثيرها على المشهد الصناعي.