النمو في حد ذاته ليس هدفاً في حد ذاته بطبيعة الحال. إنما هو وسيلة لتحقيق غاية ــ وهو إثراء الحياة الإنسانية، وإعلاء الكرامة الإنسانية، وتفجير الطاقات الإنسانية، وتحقيق التقدم، ولكل هذا، نحتاج إلى النمو الذي ينشر ثماره في كل مكان. وفي هذا العام الذي ازداد فيه الترابط والتلازم عن أي وقت مضى في تاريخ البشرية، ينطوي هذا على مصلحة لكل الأطراف. إنه يمثل مسؤولية مشتركة نحو مصير مشترك.

من الواضح أن الاقتصاد العالمي يحتاج اليوم إلى نمو أعلى وأفضل. ويعتمد تحقيق هذا الهدف على اختيار مزيج السياسات الملائم.

فالاختيارات الخاطئة تعرضنا لخسارة عقد كامل من النمو، وجيل كامل من الشباب، وفرصة سانحة لإيقاف الاقتصاد العالمي على قدمين راسختين. ونحن لا يسعنا أن نفشل.

إن الاقتصاد العالمي لا ينتج الآن معدلات النمو التي يحتاجها العالم. وتشير تقديرات الصندوق إلى نمو عالمي قدره 3.5% تقريبا هذا العام، وأقل من ذلك بكثير في الاقتصادات المتقدمة ــ1.5% على الأكثر، وهو معدل يأخذ في الاعتبار الركود الطفيف المتوقع في منطقة اليورو.

وفي الاقتصادات المتقدمة، لا يزال الفرق بين ما ينتجه الاقتصاد بالفعل وما يمكنه أن ينتجه ــ قريبا من 4% هذا العام في المتوسط. أما بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية فهي تحقق أداء أفضل بكثير، حيث يتوقع أن يبلغ معدل النمو فيها 5.75%.

وبالنظر إلى الجانب المالي، نجد أن الأسواق المالية في منطقة اليورو شهدت بعد الانفراج، وهو ما يرجع في جانب منه إلى السياسات الأوروبية في الآونة الأخيرة، ولكن الظروف لا تزال متقلبة.

لننظر إلى وضع العمالة. هناك 200 مليون نسمة على مستوى العالم لا يستطيعون العثور على فرصة عمل، ومنهم 75 مليون نسمة من الشباب. وفي بلدان مثل جنوب أوروبا، واحد من كل خمسة أفراد وواحد من كل اثنين من الشباب لا يستطيعون العثور على عمل. وهذا الوضع يشير إلى كارثة محتملة ــ من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

والقضية مفهومة جيدا في الاقتصادات المتقدمة، وخاصة في أوروبا، لكن اختلاف الآراء كبير من حيث سبل العلاج. فالناس تميل إلى أحد معسكرين ــ المؤيد للنمو أو المؤيد للتشقف.

ويقول المعسكر المؤيد للنمو إن على الحكومة تقديم دفعة تنشيطية أكبر لزيادة النمو. أما المعسكر المؤيد للتقشف فيقول إن الأسواق تبني أحكامها على جبال الدين العام المستحقة حاليا، وإن على الحكومات أن تقوم بالإجراءات اللازمة لتخفيض هذا الدين في أسرع وقت ممكن.

هذه المواقف كاريكاتورية إلى حد ما، ولكن الجدل الدائر ــ كما تعلمون ــ يتركز في الغالب حول التقشف في مقابل النمو.