ويبدو واضحا، أن الطبقة الوسطى من السكان في مختلف هذه البلدان، أصبحت الضحية الأكبر لأزمة العام 2008 الاقتصادية العالمية. لقد انخفضت قدرتها الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار على حوامل الطاقة والمواد الخام، وكذلك نتيجة تدني الأجور وقيمة العمل.
فمنذ مطلع العام 2008، وعلى امتداد الأعوام الثلاثة الأخيرة، كان الإقبال على استجرار القروض ينمو يوما بعد يوم، وكان الناس يحصلون على قروض أكبر فأكبر، في حين كانت الحكومات تكبح رأس المال، كي تتفاقم أكثر عملية الاستقراض، ما جعل الأمور تصل إلى سعر فائدة قريب من الصفر وإلى ارتفاع منفلت للديون السيادية، وهنا تكمن المشكلة الكأداء.
وغالبا ما يحلو للحكومات طبع إصدارات جديدة للأموال، نظرا لأن هذه المهمة لا تؤخذ في الحسبان في إعداد الميزانية، ولا تتناسب مع معطيات الاعتمادات الداخلية لأي دولة، والأهم من هذا وذاك، أنها لا تخضع للجرد الحسابي العام.
وتقوم البنوك المركزية بأقذر مهمة عمليا، ألا وهي "الإدارة المالية" للأزمة الاقتصادية، أما الحكومات فتبحث عن "كبش فداء" يجعلونه المتسبب بالأزمة.
ويمكن ظهور عنصر المفاجأة في حال انعدام معرفة كيفية عمل السوق المالية العالمية، وكيف تجري العمليات الائتمانية، والأهم من ذلك، في أي الحالات يجري التدخل من قبل الحكومات.
وولت السعادة من النفوس، وحل محلها الإيمان الكاذب في أن أي تدخل شعبي في مسألة الأزمة، سيحيلها إلى الجانب الأسوأ، ما لا يمكن البوح به للمستهلك وبالأخص للإنسان الأوروبي العاطل من العمل، فهو ينظر اليوم إلى الوضع بعيون ملؤها تشاؤم أكبر مما كان إثر أزمة العام 2008، ما يشير إلى ظهور أرقام قياسية للبطالة في المنطقة الأوروبية، حيث وصلت في الأسبوع الماضي وفق الأرقام الرسمية إلى 10.7%.
واليوم، يرى الخبراء الاقتصاديون، أن الرأسمالية والأسواق الحرة تحررت من الرقابة، ولم تبق سوق واحدة تعمل وفق القواعد الاقتصادية الرأسمالية التقليدية. فالأسواق الأوروبية حافظت على وجودها نتيجة تدخل الدولة في شؤونها، ما يدل على أن حصة القطاع الحكومي بالطبع في الاقتصادات الكبرى بما فيها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين يزيد على 50% من الناتج الإجمالي المحلي.
ويعتبر النموذج الأساسي للسياسة الاقتصادية "المناهضة للأزمة" اليوم موجها نحو كسب الوقت، إلا أن ذلك لا يمكن أن يستمر مطولا، بل على العكس، سيعمق من آثارها وسيزيد من التفاوت الاجتماعي. وفي العالم المعاصر يعتبر توفر حق العمل وكسب المال مصدرا للحياة وللحصول على دخل مستقر، إذ تملك الحكومة والبنوك اليوم فقط إمكانية الوصول إلى رأس المال، وبتعبير آخر، تقضم الحكومات الجزء الأكبر من الكعكة، تاركة للمواطن الفتات.
أنباء موسكو
