خلال العام الماضي، سافرت إلى 16 دولة مختلفة. وكان الاختلاف بينها كبيراً، فأنظمتها مختلفة، ومنطلقاتها وثقافاتها مختلفة، لكنها جميعاً تعاني من المشكلة ذاتها: الافتقار إلى العدالة في الدخل والثروة. واكتشفت أن الخاسر الحقيقي منذ بدأت الأزمة المالية عام 2008 هو الطبقة الوسطى في المجتمع، فقد تضاءلت قوتها الشرائية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع أسعار السلع، وعدم وجود نظام عادل للأجور، بل تردّت الأحوال أكثر بفعل طباعة المزيد من النقود في مختلف أنحاء العالم.
ويأتي عنصر المفاجأة من عدم فهمنا لحقيقة أساسية، وهي أننا اليوم، وعلى مستوى العالم، لدينا فقط أسواق، وقروض، ونمو محكوم إلى حد كبير بتدخل الحكومات. لقد قضينا على روح المنافسة الحرة لدى القطاع الخاص واستبدلناها بفرضية خاطئة تقول أن الحكومات إن لم تتدخل في الاقتصاد فسيتردى وضع العالم أكثر. هل يمكنك أن تخدع رجل الشارع العادي أو العاطلين عن العمل في مختلف أنحاء أوروبا بهذه الفرضية العجيبة؟ فمن وجهة نظرهم، أصبح العالم في وضع أسوأ مما كان عليه عام 2008، وهو ما يؤكده الرقم الجديد لنسبة البطالة في منطقة اليورو هذا الأسبوع، حيث بلغ 10.7%.
النقاد والمحللون سيخبرونك أننا نشهد تحول الرأسمالية والأسواق الحرة إلى وحش مسعور. قد تتساءل أين يحدث هذا؟ فالحقيقة أنه لا توجد سوق واحدة في العالم تعمل وفق قواعد رأسمالية. فالأسواق الأوروبية محكومة بالتدخل الحكومي. والحكومات والقطاع العام عموماً أصبحت الآن تسيطر على أكثر من 50% من إجمالي الناتج القومي في جميع الاقتصادات العالمية الكبرى، بما في ذلك ألمانيا، والولايات المتحدة، وبالتأكيد روسيا والصين.
وتظل ردود الأفعال الرئيسية لمقرري السياسات في ظل هذه الأزمة في إطار كسب الوقت. لكن مثل هذا الحل لن يستمر على أي حال، بل إن من شأنه فقط أن يفاقم مشكلة اختلال العدالة الاجتماعية. فالعدالة في الدخل والثروة مصدرها المساواة في حق الحصول على رأس المال وفي حق العمل. وحالياً، الأطراف الوحيدة التي تتمتع بحرية الوصول إلى رأس المال هي الحكومات والبنوك المثقلة بالديون. وبعبارة مختصرة، فالحكومات تستمر في التهام جزء يتزايد باستمرار من الكعكة، ولا تترك خلفها إلا الفتات لرأس المال الخاص.
وللأسف، فإن الأمر لا يقتصر على منافسة رأس المال الخاص ومحاولة إخراجه من المشهد. فالحكومات لاعب رديء جداً عندما يتعلق الأمر بتوزيع الموارد والأسعار والقيم. والحقيقة أنه ليس هناك من يمكنه القيام بمهمة توزيع الاستثمارات على الوجه الأفضل سوى السوق التي تعمل بحرية. ونحن نشهد هذا الواقع الآن. ومما يستدعي السخرية أن المحللين يعتبرون الأزمة الحالية أزمة توحش للرأسمالية. ومن وجهة نظري، فإننا نشهد تحول الحكومات والسياسيين إلى وحوش.
(كبير الخبراء الاقتصاديين لدى ساكسو بنك)
