قال خبراء في صناعة الحلال في أوروبا إن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في تحويل دبي لعاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي جذبت اهتمام خبراء الاقتصاد في هولندا التي تعتبر خامس أكبر اقتصاد في دول اليورو وخصوصاً في مدينة آيندهوفن الصناعية التي تعتبر أحد أهم مراكز الإبداع واستقطاب العلماء في العالم.

جاء ذلك خلال معرض الاستثمار العالمي الذي أقيم الأربعاء الماضي للعام الرابع على التوالي في مدينة آيندهوفن الهولندية التي تعرف بوادي السيليكون الأوروبي نظراً لتركيز المدينة على الصناعات عالية التقنية والدقيقة بالإضافة إلى أنها أكبر مركز لشركات الانتاج الزراعي والحيواني عالية التقنية في هولندا التي تعتبر بالرغم من صغر مساحتها من أهم ثلاث دول عالمياً من حيث الإنتاج الزراعي.

وتصدرت صناعة الحلال في العالم أحد أبرز المواضيع التي تمت مناقشتها خلال المعرض حيث عقدت ورشتا عمل على مدى يومين تناولتا الوضع الحالي لأسواق الحلال في العالم والتخطيط الاستراتيجي لاقتصاد سوق الحلال بالإضافة إلى مستقبل سوق الحلال والتمويل الإسلامي وبحضور ممثلين عن الحكومة الهولندية وصناع القرار وشركات صناعة الأغذية والزراعة بالإضافة إلى البنوك.

رغبة هولندية

وأكد كريس آلبرتس مدير المعرض خلال تصريحات للبيان الاقتصادي الصحيفة العربية الوحيدة التي غطت المؤتمر أنه لدى الحكومة الهولندية رغبة حقيقية في أن تكون هولندا منتجاً رئيسياً لصناعة منتجات الحلال عالية الجودة في أوروبا وأن تكون آيندهوفن هي المركز لذلك نظراً لخبرة المدينة الطويلة في هذا المجال ومرونتها الاقتصادية الكبيرة وانفتاح شعبها ثقافياً وفكرياً على الحضارات الأخرى.

وأضاف أن المدينة تحضّر فعلاً لتحويل قسم كبير من انتاجها الصناعي والزراعي المتضمن صناعة الأغذية والأدوية ومواد التجميل إلى حلال بالإضافة إلى نقل تلك التقنيات إلى باقي الدول الأوروبية والعالم، مشيراً إلى وجود حاجة ماسة لوجود معايير ومواصفات متكاملة لصناعة الحلال في ظل تنامي إقبال المستهلكين عالمياً وإقليمياً على منتجات الحلال.

معايير صناعة الحلال

وأضاف: "وجود معايير لصناعة الحلال هو أمر ضروري في هذه المرحلة نظراً للنمو الكبير الذي يشهده هذا السوق الذي يقّدر عالمياً بأكثر من 2 تريليون دولار".

وأشار إلى أن الكثيرين من زوار المعرض الذين بلغوا أكثر من 3000 زائر والذي ضم 62 دولة عالمية استفسروا عن وجود جناح لإمارة دبي، مستغربين عدم وجود جناح للإمارات نظراً لمكانتها الاقتصادية في الأوساط العالمية أو أي دولة عربية أو شرق أوسطية أخرى باستثناء تركيا.

من جانبه نوّه المهندس ليونارد فان نيسن مدير برنامج "مرفأ العقول" التابع لوزارة الخارجية الهولندية خلال لقاء مع البيان بمبادرة دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مشيداً برؤية سمّوه ونظرته الثاقبة في تحديد الإمكانات الاقتصادية الضخمة الكامنة في سوق الحلال الذي يخدم أكثر من ملياري نسمة في العالم، ومشيراً إلى أن دبي هي المكان الأنسب لإطلاق مثل هذه المبادرات نظراً لمكانتها الاقتصادية المرقومة وسمعتها التي جابت الآفاق شرقاً وغرباً.

وأفاد أن اختيار صناعة الحلال كأحد أبرز المواضيع الرئيسة في المعرض هو تأكيد على أهمية هذه الصناعة بالنسبة للشركات الهولندية الراغبة في انتاج الحلال في بلاده مشيراً إلى أن حجم انتاج تلك الشركات يقدّر بأكثر من 4 مليارات دولار، ولفت إلى أن دخول سوق الحلال يشكل أحد استراتيجيات مواجهة تباطؤ النمو الاقتصادي في دول اليورو بالنسبة لهولندا البالغ تعداد سكانها حوالي 17 مليون نسمة.

التعاون مع الإمارات

وأكد فان نيسن رغبة بلاده في التعاون مع الإمارات ودبي في تنشيط حركة التبادل التجاري بين البلدين وتحديداً في مجال صناعة الحلال من خلال نقل المعرفة والتقنية والخبرات الصناعية التي تتمتع بها بلاده، مشيراً إلى أن حجم التبادل التجاري غير النفطي بين دبي وهولندا بلغ أكثر من 1.8 مليار دولار، بلغت قيمة وارادت دبي منها 670 مليون دولار في حين بلغت صادرات وإعادة صادرات دبي إلى هولندا حوالي 1.2 مليار دولار بنهاية 2012، وأنه بإمكان هولندا لعب دورٍ داعمٍ وفعال لطموحات دبي في النمو خصوصاً مع ريادة هولندا لقطاعات رائدة كصناعة الأغذية والخدمات اللوجستية والطاقة والمياه. بالإضافة إلى صناعة توفير الطاقة والأدوية.

وأكد فان نيسن استعداد آيندهوفن لإقامة منطقة "مرفأ للعقول" Brainport في دبي على نمط مرفأ العقول الموجود في آيندهوفن، واستعداده للقاء المسؤولين الحكوميين في الإمارة لبحث سبل تحقيق ذلك".

وأضاف: " طالما شكلت هولندا حلقة وصل بين العالم وغرب أوروبا عبر موانئها البحرية والجوية ولعبت دوراً بارزاً في تاريخ الحضارة الإنسانية من حيث الفنون والتجارة والملاحة والاستكشافات والاختراعات. وتربطها بالعالم العربي والإسلامي علاقات تاريخية من خلال تواجدها السابق في إندونيسيا أكبر البلدان الإسلامية من حيث السكان".

استقطاب العقول والمهارات

وأشار نيسن إلى أن هولندا استطاعت بفضل سياستها القائمة على استقطاب العقول والمهارات من جميع أنحاء العالم من تجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد في التسعينات من خلال دعم شركات وجامعات المملكة بتلك العقول حتى صارت تعرف آيندهوفن "بمرفأ العقول" في أوروبا.

وأشار إلى أن تركيز المدينة انتقل من الصناعات الثقيلة التي خسرتها المدينة لصالح الصين وهنغاريا ورومانيا نظراً لرخص العمالة في تلك الدول إلى التركيز على الصناعات عالية التقنية والدقيقة لافتاً إلى أن شركة "إيه إس إم إل" التي تقوم بصناعة وتزويد شركة أنتل بآلات صناعة رقائق معالجات الكمبيوتر والذاكرة والدارات تقع في آيندهوفن.

ونّوه إلى أن تضافر ثلاثة مرتكزات أساسية في اقتصادها هي التعليم والحكومة والشركات كان السبب الرئيس وراء النهضة التي شهدتها البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة.

الحلقة الأقوى

من جانبه قال كوون براترا الذي يرأس شركة "حلال بالانسينج" التي تقدم استشارات الحلال للشركات في أوروبا ومقرها بروكسل خلال إحدى ورش العمل المرتبطة بالحلال، إن مبادرة الاقتصاد الإسلامي فتحت المجال أمام دبي لتكون بالفعل أحد روّاد صناعة الحلال في العالم من خلال توفير الحلقة الأقوى التي تفتقد إليها شركات الحلال الأوروبية ألا وهي الدعم الحكومي خصوصاً وأن المعايير المستخدمة في أوروبا حالياً باهتة ولا تناسب الكثيرين من الجاليات المسلمة في أوروبا.

وأشار أن الشركات الراغبة في دخول أسواق الشرق الأوسط تلجأ إلى هيئات تشريعية مثل "جاكيم" في ماليزيا أو "إم أو آي" في إندونيسيا، مشيراً إلى أن أوساط الاقتصاد الأوروبي تفضل أن تكون دبي هي المسؤول الرئيس عن تشريع صناعتها نظراً لتوفر الدعم الحكومي والبنية التشريعية وقرب الإمارة جغرافياً من أوروبا والعلاقات التجارية النشطة التي تربطها بالعديد من الدول الأوروبية.

طريق الحلال

وشبّه براترا صناعة الحلال بالطريق المزدحم بسيارات مختلفة الحجم والألوان من دون وجود تحديد للسرعة القصوى أي بدون سلطة تشريعية تقوم بوضع معايير تلتزم جميع الشركات المنتجة بها مع ترك الحرية للشركات باختيار "السرعة" أو الالتزام بالمعايير التي تناسبهم طالما التزمت بعدم تجاوز "السرعة" التي تحددها تلك الهيئات، في إشارة إلى أن بعض شركات انتاج اللحوم التي تصّدر إلى الخليج تفضل اللجوء إلى صعق الحيوان قبل ذبحه في حين تفضل أخرى ذبحه وهو على قيد الحياة خصوصاً وأن الصعق يؤدي في كثير من الأحيان إلى موت الحيوان قبل أن تتم عملية الذبح.

وأضاف أن شركات الأغذية الكبيرة في أوروبا تقوم هي بدور المشرع للحلال من خلال استغلال ثقة المستهلك الأوروبي بمنتجاتها، مشيراً إلى أنه على الرغم من وجود هيئات حكومية لمراقبة الأغذية مثل "هاسب HAACP" إلا أن المشرع هو الحلقة المفقودة في سلسلة توزيع الأغذية لأن الحكومة الأوروبية لا تريد التدخل في أمور تعتقد أنها "دينية"، على الرغم من الانفتاح المتزايد للمستهلك الأوروبي حتى غير المسلم على منتجات الحلال لأنها تتمتع بقيم أخلاقية إلا أنه إلى الآن لا يتم توصيل هذا الرسائل بفعّالية.

في حين أنه في الشرق الأوسط تقوم الحكومة بتوفير الغطاء اللازم وبالتالي توجد سطات رقابية للإشراف على منتجات الأغذية.

قوة شرائية

وأشار إلى أن عدد مسلمي أوروبا ازداد بنسبة 140 % ليصل عددهم اليوم إلى أكثر من 25 مليون نسمة. وأن قوة انفاق المسلمين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحدها أكثر من 25 مليار دولار. وأفاد أنه يوجد اليوم أكثر من أي وقت مضى إدراك في أوساط رجال الأعمال الأوروبيين لأهمية تأسيس عمل مرتبط بصناعة الحلال في بلدانهم والدول العربية على حد سواء.

آيندهوفن

 

تقع مدينة آيندهوفن الهولندية في ولاية "شمال برانابت" وهي خامس مدينة في هولندا من حيث عدد سكانها الذي يصل إلى حوالي 214 ألف نسمة تقريباً وهي أكبر مدينة في جنوب هولندا. وتشتهر آيندهوفن كذلك "بمدينة النور" نظراً لوجود شركة فيليبس فيها. وتقع بها جامعة آيندهوفن للتكنولوجيا.

وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة إلا أنها تعد أحد أهم محركات الاقتصاد الهولندي وتساهم بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي لهولندا الذي بلغ 830 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2012. وتنفق هولندا 40% من إجمالي استثماراتها الخاصة في البحث والتطوير في آيندهوفن. وهي مسؤولة عن أكثر من 50 % من إجمالي براءات الاختراع الممنوحة في هولندا.

 ويجتمع كل 8 أسابيع في المدينة حوالي 8500 باحث من 115 شركة عالمية في ما يعرف بـ"هاي تيك كامبس" وهو عبارة عن "ثينك تانك" أو مجمع أفكار وذلك لمناقشة تطوير سبل تطوير مختلف الصناعات في المدينة.

مديرو تطوير المنتجات الأوروبيين يؤكدون أهمية سوق الحلال

 

ذكر خبير في مجال تقديم استشارات الحلال للشركات في أوروبا أن مسحاً حديثاً شمل 300 من كبار شركات صناعة الأغذية في أوروبا أظهر أن 64 % من مديري تطوير المنتجات الجديدة الأوروبيين يرون أن سوق الحلال هو إما "مهم" أو "مهم جداً".

في حين أن استطلاعا آخر شمل 1000 مسلم في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا حول مدى أهمية الأغذية الحلال بالنسبة لهم أظهر أن 73 % منهم يرفضون المنتج إذا اعتقدوا أن المنتج فيه مكونات "حرام" مثل مشتقات الخنزير.

وأنهم أكثر اهتماماً بالمنتج إذا استطاعوا تحديد مكوناته بالضبط.

وأكد أن سوق الحلال يحظى بنمو متزايد في أوروبا في أوساط الجاليات المسلمة في أوروبا، وغير المسلمة على حد سواء خصوصاً بعد فضيحة استخدام لحم الخيول واكتشاف وجود جينات من الخنزير في العديد من المتجات الغذائية. وأن تطور صناعة الحلال إلى ما هو أبعد من الأغذية يشكل فرص نمو متواصلة وقوية.

متخصصون في فقه الاقتصاد الإسلامي يردون على تساؤلاتكم المتعلقة بالصيرفة الإسلامية، التكافل أو  صناعة الحلال عبر البريد الالكتروني: 
islamic.economy@albayan.ae