كشف تحليل صادر عن غرفة تجارة وصناعة دبي، أن إجمالي حجم الأموال ذات النفع الاجتماعي في دول العالم الإسلامي يصل إلى حوالي 500 مليار دولار سنوياً، وتشتمل هذه الأموال على قيمة الزكاة والصدقة والوقف.
يعتبر الابتكار من أهم المحركات الرئيسية لتطور الاقتصاد الإسلامي الذي أثبت قدرة عالية على امتصاص تداعيات الأزمة المالية العالمية التي اندلعت أخيراً في الولايات المتحدة الأميركية، وهذه المرونة في التعامل مع تداعيات الأزمة كانت سبباً رئيسياً في جذب انتباه الحكومات والشركات والمستثمرين نحو قطاع التمويل الإسلامي باعتباره أبرز القطاعات النامية في مجال الاقتصاد الإسلامي.
أدوات مهمة
ويأتي التزايد في الإقبال العالمي على مختلف قطاعات الاقتصاد الإسلامي الرئيسية، والتي تخدم سوقاً يصل عدد سكانه إلى حوالي 1.7 مليار نسمة، ويحقق معدلات نمو تفوق معدل النمو السكاني العالمي كسبب رئيسي في إعادة ظهور الوقف والمؤسسات العاملة فيه، باعتباره من الأدوات المهمة لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة لباقي قطاعات الاقتصاد الإسلامي، بما فيها قطاع الخدمات المالية المصرفية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، والتأمين التكافلي، وأسواق الصكوك، والسندات، وصناديق الاستثمار الإسلامية.
وقال التحليل إن إمارة دبي وفي إطار رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، الهادفة إلى تعزيز مكانة الإمارة كعاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، تقوم بدور ريادي في مجال نشر الوعي حول أهمية مشاريع الوقف المالي ودوره في تطوير التمويل الإسلامي.
تكافل المجتمع
وأشار التحليل إلى أن الوقف يعتبر ظاهرة تميزت بها الحضارة الإسلامية، ومفهوم الوقف يعزز التكافل في المجتمع ويسهم في زيادة تماسكه وتلاحمه، فهو عبارة عن بناء وتشغيل مشاريع خيرية كالمدارس والمستشفيات والمساجد والطرق والملاجئ، وغيرها من المرافق التي تحقق المصلحة العامة للمجتمع، وهذه المشاريع لا يمكن التصرف بها من خلال البيع والتوريث والتبرع. كما أن الوقف رافد مهم وداعم لعملية البناء والمشاركة في صنع الحضارة، من خلال توفير العناصر الأساسية لبنائها في ميادينها المختلفة: تربوية، واجتماعية، واقتصادية، وإنسانية، وصحية.
وأشار التحليل إلى أن الوقف يشكل إحدى الدعائم الرئيسية لنمو قطاعات الاقتصاد الإسلامي الأخرى، فهو يتيح سيولة مالية لتوفير عدة أصناف من السلع والخدمات اللازمة في المجتمع من خلال قنوات رئيسية، بما فيها الاستثمار والتمويل، حيث يتخذ شكلاً تقليدياً يتمثل في العقارات غير المنقولة، وبينما توفيره على شكل سيولة نقدية من شأنه المساهمة في خلق فرص هائلة في العديد من القطاعات الأخرى، وذلك بحسب التحليل.
تمويل واستثمار
وتناول التحليل نموذجين للوقف في التمويل والاستثمار، وهما الأوقاف المنقولة وغير المنقولة، حيث تتخذ الأوقاف المنقولة العديد من الأشكال، بما فيها التأجير في حالة المجوهرات والمعادن النفيسة، والتبادل في حال المحاصيل الزراعية والسلع، أما النموذج الثالث من الأوقاف المنقولة فهو المضاربة، وتنطبق هذه الحالة على السيولة النقدية.
أما الأوقاف غير المنقولة فهي بحسب التحليل تشتمل على الحكر وتنطبق هذه الحالة على حقوق الإجارة على المدى الطويل، والإجارة وهذه الحالة تنطبق على التأجير على دفعات متعددة.، أما النموذج الثالث فهو الاستبدال، بينما يتمثل النموذج الرابع من الأوقاف غير المنقولة في المرصد.
وقال التحليل إنه في الآونة الأخيرة بدأت العديد من الدول تبدي اهتماماً متزايداً في الأوقاف باعتبارها عنصراً مهماً في تحقيق التنمية المستدامة والشاملة، فقد ظهرت الأوقاف في شكلها المعاصر في العام 1995، وذلك مع قيام البنك الإسلامي في بنغلاديش بإصدار شهادات للوقف بهدف تمويل احتياجاته المالية عبر جمع الأموال من الأثرياء وتوزيع المكاسب على الفقراء.
وهذه الشهادات كان هدفها آنذاك تزويد المصارف وغيرها من المؤسسات المالية الأخرى بالسيولة المالية الكافية التي تتيح لها القيام بدور فعال في مسيرة التنمية الاقتصادية، كما أنها تسهم في تعزيز الادخار والتكافل بين فئات المجتمع، ولشهادات الوقف أيضاً أهداف أخرى تسعى من خلالها المؤسسات إلى تحويل المدخرات إلى رأسمال اجتماعي يسهم في الارتقاء وتطوير سوق رأس المال الاجتماعي في بلدان دول العالم الإسلامي.
كما تعد شهادات الوقف أيضاً أداة لزيادة الاستثمار الاجتماعي وتحسين مستوى الوعي بين الطبقات الثرية بمسؤولياتهم الاجتماعية، بما يسهم في تحفيز التكافل والضمان والرعاية الاجتماعية في بلدان العالم الإسلامي.
زخم إضافي
وذكر التحليل أنه استناداً إلى هذه الأهداف، تم تطوير الوقف المالي لتعزيز التكامل بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا كان سبباً رئيسياً في اكتساب هذا النوع من الوقف زخماً إضافياً في العقود الماضية. موضحاً أن الأوقاف المالية حالياً تتخذ 9 نماذج أساسية يجري تطبيقها في بلدان العالم الإسلامي، والبلدان ذات الأقليات المسلمة.
وقال التحليل لا تزال هناك إمكانيات كبيرة لمواصلة تطوير الوقف وتعزيز مساهمته في تطوير الاقتصاد الإسلامي والمجتمعات بشكل عام، حيث لا تزال هناك بعض الجوانب التي لم يجر الاستفادة منها بالشكل الأمثل، هذا في وقت تعاني فيه العديد من المؤسسات الوقفية من سوء في الإدارة والاستخدام الأمثل لمثل هذه التدفقات النقدية.
وحددت دراسة صادرة أخيراً عن المركز الدولي لتعليم التمويل الإسلامي نقاط ضعف رئيسية والتي يجب التغلب عليها من خلال الابتكار والإبداع لتحقيق أهداف الوقف وتعزيز مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها تحسين مستوى الوعي بهذا النوع من الوقف لزيادة المساهمات، إلى دراسة المشاريع ونوعيتها بدقة وتوجيه الاستثمارات على نحو أمثل للمساهمة في تعزيز إنتاجية هذه المشاريع وضمان عدم تآكل رأس المال. وأشارت إلى ضرورة وجود معايير وضوابط موحدة لإدارة صناديق الوقف وفقاً لأفضل المعايير العالمية.
نماذج مبتكرة
وتسلط القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي هذا العام الضوء على مشاريع النفع الاجتماعي في العالم الإسلامي، والنتائج الكبيرة التي حققتها مؤسسات الأوقاف في العديد من الأسواق المتقدمة والنماذج المبتكرة التي قامت بتبنيها لضمان عوائد إيجابية وتأثير اجتماعي قوي، هذا في وقت لا تزال الصناديق الخيرية الإسلامية باعتبارها أداة للتنمية الاجتماعية تواجه العديد من التحديات تتمثل في تراجع عائداتها وآثارها الضئيلة على المجتمعات رغم ارتفاع حجم الأصول التي تقوم بإدارتها.
كما تستعرض الجلسة أيضاً إمكانية الاستفادة من خبرات هذه المؤسسات، والتي تضم الصناديق الإسلامية والأوقاف وتبرعات الزكاة في دعم جهود محاربة الفقر في المجتمعات الإسلامية.
وتهدف القمة إلى تعزيز مكانة دبي كعاصمة للاقتصاد الإسلامي، وتأكيد دورها في جذب الاستثمارات العالمية وتحقيق تنمية مستدامة. وتسعى القمة التي تعد المنتدى الأول من نوعه في المنطقة إلى تقديم منصة متكاملة لصناع القرار والمختصين لمناقشة أهم القضايا والتوجهات الحالية لقطاع الاقتصاد الإسلامي في المنطقة والعالم.
وتعمل «القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي» التي تنظمها غرفة تجارة وصناعة دبي بالتعاون مع «مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي»، وشركة «تومسون رويترز» على تعزيز مكانة دبي كعاصمة للاقتصاد الإسلامي وتأكيد دورها بجذب الاستثمارات العالمية وتحقيق تنمية مستدامة من خلال إيجاد منصة مثالية تجمع تحت مظلتها خبراء عالميين من قطاعات محورية لبحث التحديات والفرص في الاقتصاد الإسلامي في المنطقة والعالم.
