أكدت غرفة تجارة وصناعة دبي أن الحقائق التي أنتجتها تجربة السنوات الماضية تضع الاقتصاد الإسلامي على قائمة التنافسية بين المنظومات الاقتصادية الأخرى من حيث ملاءمة أهدافه وآلياته التمويلية مع متطلبات التنمية الشاملة؛ فالتمويل الإسلامي يقوم على أساس الشراكة في العمل وليس على أساس تحقيق أرباح مقطوعة من عمليات التمويل، كما يتجه أكثر من غيره نحو تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يستفيد منها عدد كبير من القطاعات الاجتماعية.

ولا تقتصر علاقة التمويل الإسلامي مع الشركات الاستثمارية فقط، بل تشمل هذه العلاقة صلاته بالتشكيلات الاجتماعية المنتجة في تلك البلدان من حيث تأهيل وتطوير البنية التعليمية والمؤسسات الأكاديمية.

إن البعد الاجتماعي والإنساني هو أحد أهم ضوابط التمويل الإسلامي. لذا فالتمويل المسؤول من قبل الصناديق الإسلامية ومراعاة التمويل الإسلامي لأولويات الإنتاج على قاعدة توازن المصالح سيحقق الترابط العضوي بين مصالح البلدان المستثمرة والبلدان المضيفة للاستثمارات.

الاستثمار في أفريقيا

وتبدي الغرفة اهتماماً بالقارة الأفريقية، حيث عانت القارة السمراء لسنوات طويلة من سياسات الاستثمار الأجنبي ذات الاتجاه الواحد، أي الاستثمار الذي استهدف مواردها ومصادر ثرواتها الطبيعية من المعادن وغيرها. وعندما نقول: استثمار ذو اتجاه واحد، نعني بذلك الاستثمار الذي لا يوظف جزءاً من عوائده لإنجاز تنمية حقيقية في المجتمعات الأفريقية.

ومن البداهة القول هنا، إن أحد مقومات الاستثمار الناجح والمستدام، هو بنية تحتية متطورة من طرق ومواصلات وسكك حديد وموانئ ومطارات لتوفير الدعم اللوجستي للشركات المستثمرة، وبنية اجتماعية متطورة توفر حاضنة اجتماعية لتلك الاستثمارات. وهذا يتطلب توظيف جزء من عوائد الاستثمارات لدعم التنمية الاجتماعية كالمدارس والمستشفيات والجامعات، ومعدلات دخل عادلة للمواطن الأفريقي الذي يعمل في قطاع الاستثمارات الأجنبية.

ضرورات التنمية

وفي عام 2008 قارب حجم الاستثمارات الأجنبية في أفريقيا 56 مليار دولار حسب نشرة التوقعات الاقتصادية السنوية لأفريقيا، التي يصدرها البنك الأفريقي للتنمية، أما اليوم فهي لا تتجاوز 36 مليار دولار، وهذا أمر طبيعي خاصةً بعد ما سببته الأزمة المالية العالمية من آثار سلبية على حجم الاستثمار الأجنبي في البلدان النامية.

ويبقى للتوجه العالمي للاستثمار في الأسواق الأفريقية أسبابه ودوافعه التي تعتبر من أهم مقومات النهوض بالاقتصاد العالمي وإحدى ضرورات التنمية في الدول صاحبة الاستثمار.

والسبب في ضرورة هذا التوجه يتمثل في الآتي:

1. معظم بلدان القارة الأفريقية تعتبر أسواقاً جائعة للاستثمارات وأرضية خصبة للنمو بسبب الحاجة الكبيرة لدى هذه الأسواق للاستثمارات الأجنبية لتحقيق النمو الخاص بها.

2. كانت معظم البلدان الأفريقية بمنأى عن تداعيات الأزمة المالية العالمية، فآثار هذه الأزمة انتقلت إليها بشكل غير مباشر عن طريق الشركات العاملة في أسواقها، ويعود السبب الحقيقي وراء مرونة الاقتصاد الأفريقي أمام الأزمة لعدم الانخراط الكبير في أسواق المال العالمية، على عكس البلدان التي نشطت في هذه الأسواق حيث كانت النتائج السلبية للأزمة قوية ومباشرة.

3. تمتلك الأسواق الأفريقية من الميزات ما لا تملكه الكثير من الأسواق الأخرى، مثل وفرة الأيدي العاملة والمواد الخام، ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة غير المستغلة، إضافة إلى قابلية كبرى لديها للدخول في مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مما يجعلها خياراً سليماً للاستثمار من قبل الدول التي تبحث عن تحقيق أمنها الغذائي من ناحية، وعن توسيع محفظتها لتعزيز ناتجها الوطني من ناحية ثانية.

4. أثبتت كافة الدراسات أن خروج الاقتصاد العالمي من الركود وتباطؤ النمو يحتاج إلى تنشيط كافة الأسواق في كل أنحاء العالم وخصوصاً أسواق دول العالم الثالث، التي ستشكل إضافة إنتاجية واستهلاكية هامة.

لكن بالرغم من كل هذه العوامل، سجلت الاستثمارات الأجنبية في أفريقيا تراجعاً بعد عام 2009، والبعض ذهب إلى حد القول إن الاستثمارات لم تحقق نتائجها المتوقعة. فكيف يمكن إعادة الزخم الاستثماري لأفريقيا بطريقة تضمن تحقيق النتائج هذه المرة؟

تنشيط الاقتصاد

وقال حمد بوعميم، مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي: «إن الاستثمار في أفريقيا بشكل خاص وفي أسواق البلدان النامية بشكل عام، يشكل أحد أهم مقومات تنشيط الاقتصاد العالمي خلال الفترة القادمة، ولكي يتحقق هذا الهدف علينا أن ننتقل من مفهوم الاستثمار إلى مفهوم الشراكة الحقيقية مع مجتمعات تلك البلدان لمساعدتها على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فهذه التنمية حاضنة للاستثمارات الأجنبية وشرط أساسي لتحقيق الاستدامة».

وأضاف بوعميم:العالم اليوم لا يفتش على النمو وسد حاجات الدول المتقدمة، بقدر ما يسعى لتحقيق الاستدامة لهذا النمو عبر تبادل الفائدة بين المستثمر والمضيف، فأحد أهم الأسباب التي ستدفع بالاقتصاد العالمي إلى استعادة نشاطه، هو توسيع سوق الاستهلاك العالمية، الأمر الذي يعني رفع مستويات الدخل والمعيشة في البلدان النامية وتمكين سكانها من دخول أسواق التداول العالمية للتغلب على تحدي الركود الاقتصادي في البلدان المنتجة للسلع والخدمات.

من هنا كان للاستثمار الخليجي في دول أفريقيا دور كبير في تحقيق هذه الغاية؛ إذ بلغ حجم الاستثمار الخليجي في هذا القطاع خلال العقد الماضي 30 مليار دولار أميركي في مشاريع البنية التحتية فقط بحسب دراسة نشرتها غرفة تجارة وصناعة دبي في عام 2014.

ولفت بوعميم، الى ان الشركات الإماراتية مدعوة للاستثمار في قطاعات واعدة ضمن أسواق غير مكتشفة، وقد حددنا التمويل الإسلامي والأغذية الحلال والسفر الحلال قطاعات جاذبة للاستثمارات الإماراتية.

توازن المصالح

أكد حمد بوعميم أهمية توازن المصالح في الاستثمار الأجنبي، كمدخل لعصر جديد من الاستثمارات المسؤولة المستدامة في أفريقيا والعالم. ويتفق مع هذا الرأي عدد كبير من خبراء الاقتصاد حول العالم، على رأسهم المؤرخ الاقتصادي الأميركي روبرت برينر، الذي اعتبر أن نقل عمليات الإنتاج لدول العالم الثالث يجب أن تتجاوز في دوافعها مسألة تعزيز تنافسية الشركات التي تبحث عن موارد وأيدٍ عاملة رخيصة وبيئة ضريبية أكثر مرونة، لتصل إلى مستويات متطلبات تلك البلدان.