سلّطت دراسة حديثة لغرفة دبي الضوء على توجهات النمو والتحديات والإجراءات المقترحة لتعزيز قطاع الاقتصاد الإسلامي في جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، وذلك في خطوة توفر من خلالها الغرفة لمجتمع الأعمال معلومات محدثة عن القطاعات الواعدة وفرص الاستثمار وآفاق التوسع للشركات الإماراتية في القارة الأفريقية من خلال هذا القطاع الحيوي.

وبيّنت الدراسة التي أطلقتها غرفة دبي، بمناسبة الاستعداد لتنظيم المنتدى العالمي الأفريقي للأعمال، الذي سينطلق غدا في فندق أتلانتس دبي، أن الصكوك تشكل أداةً جاذبة لتمويل مشاريع البنية التحتية الأفريقية، حيث تواجه القارة السمراء عجزاً في ميزانيات الحكومات لتمويل مشاريع البنية التحتية نتيجة عوامل عدّة أبرزها انخفاض أسعار السلع.

وأظهرت الدراسة أن الصكوك استخدمت في 5 دول أفريقية لجمع التمويل، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً في مجال إصدار الصكوك بسبب وجود تحديات تقنية وقانونية، مبينةً وجود معرفة محدودة بأدوات التمويل الإسلامي بين المستخدمين وصنّاع السياسة في القارة الأفريقية، ما يفتح المجال أمام تطوير التعاون في هذا المجال بين دبي وأسواق القارة السمراء.

21 دولة

وأشارت الدراسة التي ركّزت على أسواق جنوب وشرق وغرب القارة الأفريقية، إلى أن التمويل الإسلامي منتشر في 21 دولة أفريقية، ويتنوع وجوده بين أنظمة قائمة مثل السودان، وأسواق ناشئة وجديدة مثل اوغندا. كما تحدثت عن أنّ جنوب أفريقيا خطت خطوات رائدة في هذا المجال منذ العام 2011، إضافة إلى نيجيريا والسنغال وكينيا، فيما لا تزال أسواق دول مثل إثيوبيا وأوغندا وزامبيا وموزمبيق في مرحلة الاستكشاف لقطاع التمويل الإسلامي.

وكشفت الدراسة أن الاقتصاد الإسلامي لا يعتمد على الكثافة السكانية الأفريقية المسلمة، حيث إن حكومات الدول غير المسلمة بدأت بتحديد القدرات الاقتصادية في قطاعات الحلال والصكوك، وهناك توجه لتبني الممارسات الاقتصادية الإسلامية في عدد من القطاعات.

ولفتت الدراسة إلى ضعف انتشار التمويل الإسلامي والخدمات المصرفية الإسلامية وأدواتها في غرب أفريقيا، مثل غانا وساحل العاج، في حين أن النيجر التي يشكل المسلمون 94% من سكانها، تشكل الحسابات المصرفية الإسلامية 3% فقط من إجمالي أصولها، وكذلك الأمر في مالي التي يتخطى عدد سكانها من المسلمين 90%.

ركيزتان

وقال حمد بوعميم، مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي، إنّ القارة الأفريقية والاقتصاد الإسلامي هما ركيزتان في استراتيجية الغرفة للمرحلة المقبلة، وإنّ دبي باتت بالفعل عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي وبوابة استراتيجية للاستثمارات من وإلى أفريقيا.

حرص

وأضاف أن توفير المعلومات لم يعد عائقاً أمام التوسع في الأسواق الأفريقية. ونحن حريصون في غرفة دبي على أن نكون في صدارة المستفيدين من الفرص التي تتيحها القارة السمراء، وذلك انسجاماً مع جهود إمارة دبي لتعزيز مكانتها كوجهة عالمية للأعمال.

وجهة المستقبل

وختم بقوله إن أفريقيا هي وجهة الاستثمارات المستقبلية، وقطاعات الاقتصاد الإسلامي في القارّة لا تزال في طور النمو، وبالتالي فإنّ الشركات الإماراتية مدعوّة لأن تصنع مستقبلها وتضع بصمتها على هذه الأسواق لتكون لها الريّادة والتميّز في هذا المجال. وغرفة دبي سوف تواصل العمل على تعزيز تنافسية أعضائها في الأسواق النامية والقطاعات الواعدة، وهنا تكمن أهمّية هذه الدراسة، حيث إنّها تسهم في تحقيق هذه الأهداف عبر التعريف بفرص محدّدة في قطاعات الاقتصاد الإسلامي وفي أسواق تستهدفها الغرفة في القارّة السمراء.

قطاعات

ومن بين قطاعات الاقتصاد الإسلامي المختلفة، حدّدت الدراسة التمويل الإسلامي والأغذية الحلال والسفر الحلال مجالات لم تستغل بالقدر الكافي في أفريقيا، رغم توافر فرص كبيرة في هذه المجالات للمستثمرين الإماراتيين الراغبين في التوسع في القارة السمراء.

ونوّهت الدراسة بتنامي الطلب على منتجات التمويل الإسلامي في كل من كينيا وأثيوبيا وجنوب أفريقيا، مع هيمنة واضحة للصيرفة الإسلامية والصكوك على قطاع التمويل الإسلامي ووجود آفاق واسعة في قطاعات إدارة الأصول والتكافل.

جنوب أفريقيا

تناولت الدراسة جنوب أفريقيا التي يبلغ تعداد المسلمين فيها 1.3 مليون نسمة، وهم يساهمون بأكثر من 10% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، بينما تشير بعض التقديرات إلى أنّ ما بين 10 و15% من هؤلاء فقط يستخدمون التمويل الإسلامي.

وأتاحت جنوب أفريقيا في سبتمبر من العام 2014 إمكانية تقديم قروض متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وذلك في خطوة كانت الأولى من نوعها في القارة الأفريقية. وقد باتت جنوب أفريقيا بذلك ثالث دولة غير إسلامية، بعد هونغ كونغ والمملكة المتحدة، توفّر هذه القروض.

وقد ذكرت الدراسة أنّ مبيعات الصكوك وصلت إلى 500 مليون دولار بترتيب مشترك بين بنك باريبا وبيت التمويل الكويتي وبنك ستاندرد في جنوب أفريقيا، وبلغت قيمة التغطية أربعة أضعاف، حيث أتى المستثمرون من دول الخليج ليستحوذوا على حصة تجاوزت نصف عدد المشتركين.

وتعتبر هذه السندات التي يستحق سدادها في يونيو 2020، جزءاً من الأهداف الوطنية لوزارة المالية الجنوب أفريقية في تنويع مصادر التمويل والمستثمرين، علماً أنّ الوزارة تعمل أيضاً على إصدار أول صكوك بعملة الرند المحلية من أجل تنويع التمويل وتوسيع التمويل الإسلامي إلى مجالات أبعد من القطاع المصرفي.

زامبيا

من جهة أخرى، تعمل زامبيا على تهيئة الأرضية الملائمة للمصارف الإسلامية إلى جانب البنوك التقليدية، خصوصاً مع إمكانية استخدام أدوات التمويل الإسلامية في تمويل البنية التحتية ومشاريع الزراعة والصناعة، ما أوجب خلق أرضية تشريعية تتلاءم مع الاحتياجات المصرفية الإسلامية للدولة.

البنك الإسلامي للتنمية

وتعد موزمبيق، العضو الوحيد في البنك الإسلامي للتنمية في جنوب القارة السمراء، وحصلت منه على 300 مليون دولار للاستثمار، وذلك منذ انضمامها إليه في العام 1995. ويجري حالياً تمويل وتنفيذ 22 مشروعاً من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة إجمالية تزيد على 160 مليون دولار.

ورغم أنّ المسلمين يشكّلون 33% من إجمالي عدد السكان في كينيا، أي نحو 14.5 مليون نسمة، يستحوذ التمويل الإسلامي على حصّة نسبتها 2% فقط من السوق بسبب عدم توفر كفاءات بشرية مؤهلة ومنتجات تمويلية إسلامية كافية.

وفي إطار خطتها الأساسية لرأس المال، اعتمدت كينيا على رؤية راسخة لتطوير أسواق رأس المال الإسلامية، وأبرمت اتفاقاً مع الحكومة القطرية لبناء القدرات وتطوير الإطار القانوني والتنظيمي للسماح بإصدار الصكوك وإدارة الأصول الإسلامية وغيرها من المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. وحصل بنك دبي الإسلامي أخيراً على موافقة مبدئية من الجهات التنظيمية في كينيا لإنشاء فرع له هناك، ومن المتوقع افتتاحه نهاية هذا العام.

أوغندا

ووافقت حكومة أوغندا من جهتها في يونيو على تعديلات مشروع قانون المؤسسات المالية، لتمهد بذلك الطريق أمام المصارف الإسلامية والتمويل الإسلامي. ولكونها تحظى بعضوية البنك الإسلامي للتنمية، تستقطب أوغندا اهتمام المؤسسات المالية الأجنبية والمحلية لتقديم خدمات متوافقة مع أحكام الشريعة. وقد تقدّمت المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص، الذراع التمويلية للقطاع الخاص التابع للبنك الإسلامي للتنمية، بطلب لإنشاء مصرف إسلامي في كمبالا.

اثيوبيا

وفي أثيوبيا، لا يزال التمويل الإسلامي في طور النمو رغم أن ثلث السكان من المسلمين، وذلك بسبب الحاجة إلى بيئة تشريعية تحفز المنتجات المصرفية الإسلامية، في حين يعتبر سوق التكافل في السودان السوق الأهم في أفريقيا، وهو ثالث أكبر سوق عالمياً بعد دول الخليج وماليزيا.

منتجات حلال

من جانب آخر، أشارت الدراسة إلى أنّ دول جنوب الصحراء الكبرى أنفقت على المنتجات الحلال نحو 114 مليار دولار في العام 2013، وفق بيانات تومسون رويترز، حيث أسهم النمو الاقتصادي القوي للقارّة الأفريقية مدفوعاً بارتفاع الدخل الفردي، في ارتفاع الطلب على مختلف المنتجات الحلال، ما عزز نسب الاستهلاك وخلق فرصاً تجارية عالمية لهذه المنتجات. وفيما تركّز الطلب على اللحوم بشكل أساسي، شهدت السنوات القليلة الماضية توجهاً كذلك نحو الشركات الحلال والوجبات الجاهزة والمعلبة والمجلدة والأطعمة سريعة التحضير.

وقد حلّت جنوب أفريقيا بين أكبر خمس دول منتجة للمنتجات الحلال عالمياً، وذلك رغم قلّة عدد السكان المسلمين فيها نسبياً. ويعزى ذلك إلى موقعها وسهولة وصولها إلى أسواق الدول الأخرى في القارّة ووجود برنامج متقدّم للحصول على شهادة المنتج الحلال، حيث يحمل ما نسبته 60% من منتجات تجار التجزئة شهادة «حلال»، بقيمة تصل إلى 71.7 مليون دولار وفقاً لهيئة تنمية التجارة الخارجية الماليزية. وتأمل جنوب أفريقيا في زيادة قيمة صادرات الحلال لتصل إلى 31 مليار دولار في العام 2020، وتعزيز مكانتها كبوابة عبور إلى سوق التغذية والمشروبات الحلال في القارة السمراء.

تمويل

جاء في دراسة غرفة دبي أنّ أفريقيا تحتاج حالياً إلى حوالي 98 مليار دولار سنوياً لتمويل احتياجاتها من البنية التحتية، وقد لعبت الصكوك دوراً ملحوظاً في تضييق فجوة التمويل للقطاع في أفريقيا.

إمكانات واعدة لقطاع السياحة الحلال

أشارت دراسة غرفة دبي إلى أنّ السياحة الحلال قطاع واعد أيضاً، لكنّ لا يزال في مراحله الأولية. فإذا تمّ تسويقه بشكل جيّد، يمكن للسفر الحلال في القارّة أن ينافس وجهات أكثر قوّة وعراقة. وتقود هذا التوجه كل من تنزانيا وزنجبار وجنوب أفريقيا.

إنفاق

وخلصت الدراسة إلى أنّ إنفاق المسلمين في العالم على السفر من المتوقّع له أن يصل إلى 238 مليار دولار بحلول العام 2019، في حين أنّ حصّة أفريقيا حالياً من سوق السفر الحلال متدنية ولا تتخطى 5% من إجمالي السوق العالمي، حسب بيانات «دينار ستاندرد»، بينما تبلغ حصة القارة الأوروبية 51%، ما يفتح المجال أمام فرص للنمو والتطور بالنسبة للقارة الأفريقية في هذا المجال.

توصيات

وتركّزت توصيات الدراسة على ضرورة تطوير آلية ومعايير للخدمات الإسلامية تغطي جميع الجهات والهيئات المالية وفق المعايير المعتمدة عالمياً، إضافة إلى أهمّية تأسيس علاقات مع مؤسسات ومراكز تمويل إسلامية في ماليزيا ودبي ولندن وإنشاء مجلس رقابة مستقل للإشراف على تطبيق المعايير الإسلامية المتوافقة مع الشريعة، وأخيراً تعزيز التعاون مع مموّلين لمنتجات التمويل الإسلامي مثل الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.