تيقن العالم اليوم أن البيوع الصورية سبب رئيس في تراجع أداء الاقتصاد العالمي، وأن أحد أهم أسباب الأزمات الاقتصادية هو أن دورة المال في المجتمع لا تنتج نماءً حقيقياً، فقد طغى النشاط الاقتصادي الصوري في الآونة الأخيرة على النشاط الحقيقي ذي الناتج الحقيقي، بالتالي تباطأت عملية التطور والازدهار وتراجعت الى حدود الصفر في الكثير من الدول والمجتمعات، بسبب غياب النشاط الاقتصادي الذي يستند إلى تحقيق مقومات التنمية.

بتحديد أدق، فإن عملية التمويل الصورية لا تنتج نشاطاً اقتصادياً حقيقياً.

فالدافع لهذه العملية هو تحقيق الربح الناتج عن الدين أو القرض وليس الربح الناتج عن توظيف هذه القروض في مشاريع إنتاجية بمختلف أنواعها. صحيح أن البنوك والمؤسسات المالية قد تحقق فوائد أو أرباحاً عالية من عمليات التمويل هذه، لكن هذا النمو ليس له علاقة بتنمية المجتمع والاقتصاد ولا يساهم في زيادة طبيعية على الناتج المحلي، بل قد يؤدي في المحصلة النهائية الى تراكم التشوهات.

لقد أشارت الإحصائيات الأخيرة للأمم المتحدة المتعلقة بالدول الصناعية والنامية، إلى أن هذه الدول تعاني من وطأة الديون وفوائدها، حيث تجاوزت نسبة هذه الفوائد 74% من صادراتها التي تمثل الرافد الأهم لدخلها الوطني.

لقد ثبت على ضوء تجربة السنوات الأخيرة، أن التمويل المصرفي بمختلف مسمياته، والذي كان هدفه الوحيد تحقيق أرباح من خلال فوائد القروض، لعب دوراً أساسياً في تشكل الأزمة المالية الأخيرة وحتى في الأزمات التي سبقتها.

فالبنوك لم تدقق في أسباب منح القروض للمدينين بقدر تدقيقها في حجم الأرباح التراكمية الناجمة عن هذه القروض، مما جعل عملية الاقتراض والتمويل عملية عالية المخاطر، لأنها غير مرتبطة بتوسيع القاعدة الإنتاجية لقطاعات مثل الصناعة والتجارة والزراعة.

إنها قروض لمغامرة لا تمتلك ضمانات عينية، بل هي قائمة على عقود صورية لا تقابلها أصول عينية حقيقية. للاقتصاد الإسلامي موقف حاسم من قضية الاتجار بالديون، فهو في حقيقته اتجار بحاجة البشر الأساسية مثل البيوت والتعليم والعلاج، تتحدد نسبة الربح فيه بنسبة المخاطر القائمة من تداوله. إنه الربح الناتج عن الرهان على عجز المؤسسات والأفراد عن إيفاء ديونهم. وهذا رهان مرفوض في الاقتصاد الإسلامي جملةً وتفصيلاً.

ويجب على الدول أن تشجع طرق التمويل الشرعية الصحيحة كالسلم والاستصناع وغيرها، والتي تعتمد في صحة تطبيقها على النشاط الحقيقي المراد تمويله، فالتمويل الإسلامي الصحيح هو الذي يرتبط بالأنشطة الحقيقية، لا الوهمية.

مستشار مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي