قطاع التمويل الإسلامي.. بين النجاح والإخفاق

عثمان حياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

قطع التمويل الإسلامي شوطاً طويلاً، منذ تأسيس أول بنك تجاري إسلامي في دبي عام 1975، لكن المراقبين المطلعين لا يزالون يتساءلون عما إذا كان التمويل الإسلامي قد نجح أم أخفق؟

آراء متعددة

يعتبر أمين الجمل، الخبير الاقتصادي في جامعة رايس الأميركية، وأحد أبرز النقاد في هذه الصناعة، أن التمويل الإسلامي الحديث «الوسيط الشرعي»، بحيث إن ما يحظر في التمويل التقليدي يصبح جائزاً عندما يعتقد أنه «متوافق مع الشريعة الإسلامية السمحاء»، على الرغم من وجود تشابه، إن لم يكن المضمون الاقتصادي نفسه.

من ناحيته، يزعم تيمور كوران أستاذ الاقتصادي بجامعة ديوك أن العمليات المصرفية الإسلامية تعتمد على المبدأ التشغيلي (المشاركة في الربح والخسارة)، التي تعد ببساطة غير مجدية.

وبدوره يبدو البروفيسور محمد أسوتاي، من جامعة دورهام في المملكة المتحدة، أكثر قلقاً حول «الفشل الاجتماعي» للتمويل الإسلامي. ويقول إن التمويل الإسلامي لا يشاطر التطلعات والمتطلبات الأساسية لأخلاق الاقتصاد الإسلامي.

ويميل الكاتب طارق الديواني ومقره في لندن إلى انتقاد التمويل الإسلامي لعدم اعتماده على تقاسم المخاطر في الممارسة العملية للتمويل، ويعتبر أنه إذا لم يتبن التمويل الإسلامي نموذجاً إسلامياً حقيقياً «فسيتمتع بدورة حياة قصيرة كموجة للثراء السريع سرعان ما تتلاشى لتصبح مجرد ذكرى في تاريخ التمويل».

إمكانات كامنة

ورغم تعاطفه مع أفكار التمويل الإسلامي، إلا أن الخبير الاقتصادي فولكر نينهاوس يرى في سياق مقارنته التمويل الإسلامي والاستثمار المسؤول «أن التمويل الإسلامي كما تتم ممارسته اليوم لا يلقى قبولاً كبيراً في صفوف المسلمين العاديين»، لكن نينهاوس يرى بعض الإمكانات للتمويل الإسلامي في بعض المجالات، مثل توسيع نطاق الحصول على التمويل، كما يرغب من التمويل الإسلامي القيام بالمزيد تجاه قضايا الإندماج البيئي والاجتماعي والحوكمة.

ويرى إبراهيم وردي، الأستاذ في جامعة تافتس التمويل الإسلامي من منظور تاريخي وسياسي ـ اقتصادي أوسع قائلاً: «لا يزال التمويل الإسلامي في مراحله الأولى وتحف به التوترات والمشكلات»، لكن تقييم الممارسين والصحافيين لهذا النوع من التمويل يبدو أشد تفاؤلاً. ويقول المحامي أوليفر آغا إن لوم التمويل الإسلامي على تحديات المصداقية التي تواجه الملتزمين به ليس منصفاً. ويضيف آغا «لكي يتم تطبيق التمويل الإسلامي بشكل صحيح لا بد أن يعود إلى جذوره الروحية».

تحدي المفاهيم السيئة

وتعتقد الصحافية الإيطالية والمحللة السياسية لوريتا نابوليوني أن التمويل الإسلامي يمثل القوة الاقتصادية العالمية الوحيدة، التي تتحدى المفاهيم الاقتصادية السيئة، حيث لا يسمح التمويل الإسلامي بالاستثمار في المواد الإباحية والدعارة والمخدرات والتبغ والقمار. وهي مجالات تعتقد نابوليوني أنها ازدهرت في ظل اقتصاد السوق الحر المعولم.

من جانبها تدرك كاميللا هول، مراسلة صحيفة فاينانشيال تايمز أهمية نمو التمويل الإسلامي قائلة «لم يكن أحد يتوقع أن يتمتع التمويل الإسلامي المتوافق مع الشريعة الإسلامية السمحاء بهذا القدر من النمو».

وهناك الكثيرون من المتفائلين بآفاق هذه الصناعة، وعلى سبيل المثال يعتقد المستثمر مارك موبيوس أن الفرص التي يوفرها التمويل الإسلامي جيدة، كما أشادت تقارير صحيفة الإكونوميست بالتمويل الإسلامي قائلة: «بالرغم من النمو القوي الأخير لمنتجات التمويل الإسلامي، لا يزال هناك مجال للمزيد من التوسع».

المبادىء الأخلاقية

وإذا ما تمت مواجهة التمويل الإسلامي بالتشكيك فسوف تجتذب مبادئه الكامنة مجموعة متنوعة من صانعي الرأي، ففي عام 2009، نقلت وكالة بلومبيرج الإخبارية المالية عن صحيفة الفاتيكان الرسمية لوسير فاتوريه رومانو قولها: «قد تقرب المبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها التمويل الإسلامي البنوك من زبائنها ومن الروح الحقيقية التي يجب أن تتحلى بها كل خدمة مالية».

وفي سياق تعليقه على أسس التمويل الإسلامي، قال الخبير الاقتصادي فيلليم بويتر «إذا كانت المديونية المرتفعة جداً ورأس المال الضئيل يشكلان (جزءاً) من المشكلة، فإن تحويل المديونية إلى أسهم يشكل (جزءاً) من الحل».

وفي سياق اعتراضه على المديونيات المرتفعة جداً وتأييده للتمويل عبر الأسهم، قال كينيث روجوف، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد الأميركية: «ربما كان يجدر بالأكاديميين الذين يقولون إن تحريم التمويل الإسلامي للفائدة يؤدي للكثير من انعدام الكفاءة، أن يلقوا نظرة ثانية على نظام التمويل الإسلامي بحثاً عن أفكار إيجابية قد يتبناها صانعو السياسات الغربيون».

وقالت جيليان تيت من صحيفة فاينانشيال تايمز «إن المبادئ الأساسية للتمويل الإسلامي، إن لم يكن جميع ممارساتها، رائعة».

آفاق المقارنة

ورغم أنني لا أزعم أن ما ذكرته أعلاه يشكل مجموعة متكاملة من الآراء حول التمويل الإسلامي، وباستعراض تلك الآراء المختلفة يبدو أن أولئك الذين يعتبرون أن التمويل الإسلامي يمثل قصة نجاح، كثيراً ما يشيرون إلى النمو الأعلى من المتوقع، الذي حققه هذا النوع من التمويل في الماضي وآفاق تحقيقه المزيد من النمو في المستقبل، أما الذين يعتقدون أن التمويل الإسلامي قد فشل، فيشيرون إلى ميله لتفضيل الشكل الشرعي على المضمون الاقتصادي وافتقاره إلى التميز الملموس عن التمويل التقليدي، الذي كان من المفترض به أن يقدم بديلاً عنه.

والأهم من ذلك كله، أن بعض المراقبين يميزون بين مبادئ وممارسات التمويل الإسلامي، حيث يشيرون إلى أنه بينما لا تزال الممارسات تستقطب الكثير من الانتقادات الحادة يبدو أن المبادئ التي قام عليها هذا النوع من التمويل تستقطب الكثير من التأييد.

النظرية والتطبيق

ربما كان التمويل الإسلامي قد حقق نجاحاً أكبر في توفير أفق تمويلي بديل، مما حققه في توفير أسلوب تمويلي مختلف بشكل كبير حتى الآن. وتركز هذه النظرية على الضمير المجتمعي وفكرة تشاطر المخاطر وإعادة توزيع الثروة والفرص، كما تركز على جعل التمويل خادماً وليس سيداً للاقتصاد الحقيقي، وهو على ما يبدو أن الكثير من المراقبين يريدون سماعه، لكن التمويل الإسلامي واجه صعوبة في تحويل النظرية إلى حقيقة تتم ممارستها على أرض الواقع، فما هو السبب يا ترى؟ وتتراوح قائمة الأسباب بين التاريخ والقانون والسياسة والأنظمة والضرائب وسلوك المستهلكين وغيرها الكثير، إلا أن حقيقة كون التمويل الإسلامي مصمماً بصورة عامة للتكيف مع نظام التمويل التقليدي ولتقديم تنازلات في هذا السياق يعتبر من بين أبرز تلك الأسباب، لأنه يبدو أنه يخسر لهذا السبب بالذات ما يرى النقاد أنه يمثل مضمونه، إلا أنه مع استمرار تطور هذا القطاع في أعقاب الأزمة المالية العالمية، فقد تجتذب الأفكار التي يقوم عليها التمويل الإسلامي أولئك الذين يطمحون إلى إقامة نظام مالي منضبط نسبياً، ويتخوفون من التأثير الأوسع نطاقاً لقطاع التمويل التقليدي على المجتمع.

 

(*)، عضو معهد المحللين الماليين المعتمدين، مدير التمويل الإسلامي والشؤون البيئية والاجتماعية والحوكمة في معهد المحللين الماليين المعتمدين

طباعة Email