خبراء: «مبادرة الاقتصاد الإسلامي» تطلب دعم القطاع بالمهارات

90% من الخبرات في التمويل الإسلامي تقليدية

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

قال خبراء في الموارد البشرية والتمويل الإسلامي إن مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي، سلّطت الأضواء من جديد على مسألة تقلق الكثير من المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي وخصوصاً التمويل الإسلامي، ألا وهي افتقار نسبة كبيرة من الممارسين الحاليين للتمويل الإسلامي في الدولة إلى القدرات اللازمة للقيام بمهامهم الحالية، على الرغم من أن عدد الجهات التي تمنح شهادات عليا ومتوسطة في الصيرفة والتمويل الإسلامي في الدولة لا يقل عن 40 جامعة ومعهداً.

وأكّد الخبراء أن نسبة أصحاب الخبرة من العاملين في التمويل الإسلامي في الدولة لا تتجاوز 10 % من إجمالي العاملين في هذا القطاع الذي بات ينمو بمعدل 20 % سنوياً، مشيرين إلى استمرار ظاهرة توظيف المصرفيين التقليديين في المصارف الإسلامية ومن ثم طلاؤهم ببعض الدراية بالتمويل الإسلامي، بذريعة وجود نقص في الكوادر المؤهلة في الدولة، مشددين في الوقت نفسه ضرورة إيجاد مصرفيين إسلاميين من غير المتأثرين بمبادئ الصيرفة الغربية.

تحقيق الأهداف

وقال الدكتور محمود سيد عبد العال الرئيس التنفيذي للشركة الإسلامية للتمويل «آفاق» إنه إذا كان نجاح البنوك الإسلامية مرهوناً بتحقيق أهدافها فإن أفراد القوى البشرية العاملة هم الوسيلة لتحقيق هذه الأهداف. وأضاف أن اغلب البنوك الإسلامية تعاني من مشكلة العاملين بها، حيث ان معظمهم من أصحاب التكوين الاقتصادي والقانوني الحديث، ولا علم لهم بقواعد الاقتصاد الإسلامي التي تعمل بها البنوك الإسلامية، ولا فقه المعاملات المالية في الإسلام.

وأضاف كشفت التجارب السابقة وجود ضعف عام في مستوى المهارات اللازمة للعمل في هذا القطاع الهام، وضعف البرامج الاكاديمية المهنية وافتقارها لربط الجانب النظري بالجانب العملي، أو تفرد الجانب العملي دون المعرفة العلمية اللازمة مما خلق فجوة كبيرة بين الطلب على الموارد البشرية المؤهلة والعرض الذي توفره الهيئات العلمية والتدريبية والمهنية.

وأضاف ان من أخطر المعوقات التي تواجه قطاع الاقتصاد الاسلامي حالياً هي أنماط التعليم السائدة في جميع المراحل الدراسية خاصة الجامعية، حيث نجد خلو مناهج التعليم من تدريس نظم المعاملات الإسلامية والمصرفية بشكل خاص.

بالإضافة إلى ذلك نجد نظم وأساليب المعاملات اليومية المبتعدة عن منهج الشريعة الإسلامية، وإذا كانت المؤسسات التعليمية والتدريبية هي الحجر الأساس في توفير العنصر البشري الملائم والمؤهل شرعياً، وفنياً، لتنفيذ وتطبيق الأساليب، والصيغ والمعاملات الجديدة والمتميزة لنظام الصيرفة الإسلامية، فإنه يجب تأسيس نظام اقتصادي اسلامي أن يؤسس قبلاً لقاعدة راسخة حجر أساسها العنصر البشري المؤهل والمتخصص في المجال الشرعي، والمصرفي معا، وخاصة فيما يتعلق بالمعاملات الاستثمارية والمصرفية والاقتصاد الإسلامي، وما يخص المصارف الإسلامية من العلوم الحديثة المتعلقة بأنشطة هذه المصارف.

ظاهرة عالمية

وقال هاريس عرفان المدير العام في بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي إن افتقار المهارات المتخصصة في التمويل الإسلامي هي في الواقع ظاهرة عالمية وليست محصورة في المنطقة العربية، حيث تلجأ المؤسسات العاملة في هذا القطاع عادة لتعويض النقص في الكوادر من خلال توظيف أشخاص من البنوك التقليدية أو من خلال تطبيق الفتاوى العامة على الصفقات والتعاملات المالية.

تقييم

وحول تقييمه للمهارات العملية للعاملين في قطاع التمويل الإسلامي في الإمارات قال عرفان طوال السنوات الـ 10-12 الماضية، تصدّرت الإمارات طليعة البلدان التي خرجت بنماذج مبتكرة من الأنظمة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

وبعد عام 2003، أخذ عدد من الفرق المتخصصة لدى أبرز البنوك الإسلامية في دبي على عاتقها مسؤولية وضع أسس لأبرز وأهم الصكوك والصفقات المالية المهيكلة والمتطورة، مثل صكوك «مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة في دبي» التي مثّلت أكبر إصدار للصكوك في العالم في حينها بقيمة 3.5 مليارات دولار وتم ادراجها في بورصة دبي العالمية. وبالعودة إلى الوراء قليلاً حتى عام 1975، كانت الإمارات موطن أول بنك اسلامي في العالم (بنك دبي الإسلامي).

ونتيجة لهذه الميزة التاريخية، تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها بوصفها مركزاً رئيسياً للخبرات في مجال التمويل الإسلامي، بالرغم من أن التوجه الحالي يبتعد تدريجياً من البنوك التقليدية العالمية لصالح المؤسسات الإقليمية المتخصصة.

فجوة

وأضاف ما يزال التمويل التقليدي الطريق الطبيعي للدخول إلى التمويل الإسلامي، حيث يعتمد اكتساب الخبرة الإدارية عادة على التجارب في مجال البنوك التقليدية. ونتيجة لذلك لا يزال هناك فجوة في فهم المنتجات الإسلامية، وافتقار لأساسيات فعّالة تشجع على استقطاب وتدريب موظفين جدد في القطاع. أعتقد أنه كخطوة أولى، يتعين على الفريق الإداري في المؤسسات الإسلامية أن يقرّ بوجود مواطن الخلل. فبدلاً من محاولة «الهندسة العكسية» للمنتجات التقليدية دون فهم أهداف النموذج الاقتصادي الإسلامي، ربما من الأولى لهؤلاء المتدربين في التمويل التقليدي أن يعالجوا ويبحثوا بداية هذا المفهوم المهم، يلي ذلك التدرب على الأطر والتقنيات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا التدريب متوفر كما هو معلوم وهو في متناول المهتمّين.

إمكانات التدريب

وأشار عرفان إلى أن المؤسسات التقليدية والإسلامية تفتقر حاليا الامكانات لتدريب موظفيها داخل المؤسسة أو القيام بالأبحاث اللازمة لتطوير تقنيات التمويل الإسلامي على حد سواء. ولهذا تلعب مراكز البحث الخارجية ومراكز التدريب أهمية كبيرة في تعزيز وتحفيز الابتكار في القطاع. وأضاف ما لم تتخذ المؤسسات المالية الإسلامية خطوات للاعتراف بالدورات التدريبية الخارجية - ربما من خلال شهادة عن هيئة وطنية للرقابة الشرعية - سيكون من الصعب على المراكز التدريبية ترسيخ مكانتها كجهة ذات مصداقية.

وفي هذه المرحلة، ربما يكون تأسيس هيئة عالمية تقوم بالإشراف على المقررات الدراسية ومصادقة الشهادات أمراً طموحاً بعض الشيء. بالإضافة لهذا، فإن انشاء هيئة واحدة مسؤولة عن اعتماد واصدار الشهادات قد يبطئ الابتكار اللازم لتطوير منتجات مالية جديدة، فقد لا يكون القطاع ناضجاً كفاية في هذه المرحلة. وبالطبع تتمتع دبي بمكانة تؤهلها لاحتضان مثل هذه الهيئة، ولكن ربما في البداية لتقديم التوجيه اللازم فقط.

طلاء الموظفين

وقال أزهر ميرزا الرئيس التنفيذي لشركة جاردين للموارد البشرية في التمويل الإسلامي إن هناك ظاهرة لا يتفق معها، ألا وهي توظيف المصرفيين التقليديين ومن ثم طلاؤهم ببعض الدراية بالتمويل الإسلامي. وأضاف ومن الأعذار التي تسمعها هو أنه ليس هناك ما يكفي من المواهب الذين يأتون فقط من خلفية التمويل الإسلامي، وهذا ليس صحيحا، بل هو ذريعة تقدمها بعض شركات التوظيف لعدم بذلهم الجهود المطلوبة الرامية إلى إيجاد المصرفيين من غير المتأثرين بمبادئ الصيرفة الغربية.

وأشار أن ندرة الكوادر المؤهلة في التمويل الإسلامي لا تقتصر على الإمارات فحسب بل هي ظاهرة عالمية، إلا أنها تبرز بوضوح في الدولة بشكل خاص. وأضاف لا أحد ينكر أن المصرفية الإسلامية يجب أن تدرك سير العمليات المصرفية التقليدية، ولكن في الوقت الحالي نسبة من يهيمن على قطاع التمويل الإسلامي في الإمارات هم مدربون في الصيرفة التقليدية، في حين تصل نسبة أصحاب الخبرة في التمويل الإسلامي إلى 10 % فقط، الإمارات بحاجة لقلب تلك النسبة.

تحديات

وأشار ميرزا إلى أن التحديات التي تواجه التوظيف في القطاع تكمن في إيجاد الكوادر المؤهلة للعمل في القطاعات الإسلامية وخصوصاً التمويل والضيافة والتعليم، إضافة إلى ضمان التزام تلك الكوادر بالعمل وفق المبادئ والأخلاق الإسلامية، حتى بعد أن تجتاز مرحلة التجربة التي تمتد إلى ستة أشهر.

وأضاف على الصعيد العالمي هناك عدم اتساق في متطلبات كل بلد ومن ثم كل بنك لديه متطلبات مختلفة. مثلاً، ومن خلال بحثي الشخصي، وجدت أن الكوادر المؤهلة في الصيرفة الإسلامية قد أكملت تعليمها في بريطانيا والهند، في حين أن البنوك السعودية تفضّل خريجي نظام الجامعة الفرنسية. كما أن ماليزيا تميل للمتعلمين داخل حدودها، وأما حين تتطلع للتعاقد الخارجي فتفضل المتعلمين في بريطانيا.

ومن وجهة نظري، لا ينبغي أن يكون هناك تحيز للمواهب من بلد معين ولكن الأمر مجرد انطباع بأن دولة ما تقدم نوعية تعليم أفضل من غيرها.

عادات سيئة

وأضاف ميرزا ان السبب في نقص في المواهب المؤهلة في المنطقة العربية، وفي الإمارات أكثر من غيرها، هو أن قطاع التمويل الإسلامي الإماراتي بحاجة لمزيد من التطور والنضوج، حتى يكون هناك كوادر مؤهلة كافية من المصرفيين الإسلاميين. وأضاف يحتاج التمويل الإسلامي أن يكون خالياً من العادات «السيئة» للصيرفة التقليدية، كالجشع والركض وراء تحقيق أرباح قصيرة المدى. وشغفي بالتمويل الإسلامي ينبع من فوائده المجتمعية، وتجنب الاستثمار في المنتجات المحرّمة والقيام بأعمال صادقة جيدة، فهذا ما يجعل التمويل الإسلامي مرغوباً فيه.

56

ألفاً حاجة الأسواق الناشئة من المتخصصين في التمويل الإسلامي على المدى المتوسط

8

آلاف عدد الشواغر في دبي خلال 2015

%88

معدل نقص المتخصصين في القطاع

40

عدد الجامعات ومعاهد التدريب في الإمارات

420

عدد مؤسسات التدريب في العالم

113

جامعة في العالم تمنح شهادات عليا

نقص القدرات

كشفت دراسة قامت بها وكالة الاعتماد المالي الماليزية العام الماضي عن أن أكثر من ثلث الممارسين الحاليين للتمويل الإسلامي لا يمتلكون القدرات اللازمة للقيام بمهامهم الحالية، حيث قال 31 % من مسؤولين تنفيذيين في مصارف ومؤسسات تمويل إسلامي في الدراسة التي شملت 297 متخصصاً في التمويل الإسلامي في أسواق ناشئة من ضمنها الإمارات، ان الموظفين الحاليين في تلك المؤسسات لا يمتلكون القدرات اللازمة للقيام بمهامهم الحالية .

التدريب ضرورة في جميع أقسام مؤسسات المال الإسلامية

 

 

قال الدكتور محمود عبد العال إن تدريب الكوادر في مؤسسات المال الإسلامية ضروري من أسفل الهرم إلى أعلاه في جميع الأقسام والإدارات متسائلاً، كيف بوسع الموظف أن يبيع منتجاً إسلامياً ما إذا لم يفهم تماماً المبادئ التي يقوم عليها ذلك المنتج؟.

وأضاف أهمية وجود كفاءات بشرية قادرة على تسيير دفة النشاط المصرفي الإسلامي في الدولة تبرز بشكل خاص في ظل تنامي الطلب المتزايد على التمويل الإسلامي. وأكّد عبد العال ضرورة وجود فئة خاصة من العاملين، مدربة على العمل المصرفي من جهة، ومزودة بما يلزم من القواعد الشرعية اللازمة للمعاملات، والعمليات الإسلامية، وناضجة بالنسبة للأهداف الاقتصادية، وملتزمة ببذل قصارى جهدها في سبيل تحقيق الأهداف المنشودة من جهة اخرى، خاصةً وأن هناك اتجاهاً عالمياً متنامياً بالبرامج التعليمية والتدريبية المتخصصة في صناعة التمويل الإسلامي من خلال تصميـم برامج تعليمية رسميـة متخصصة وتدريسهـا فـي المؤسسـات التعليميـة.

وأفاد عبد العال مع النمو الذي يشهده قطاع التمويل الإسلامي، فإنه يتوجب على مختصي القطاع المالي أن يرفعوا من مستوى معارفهم وخبراتهم ومهاراتهم لكي يبقوا في طليعة المنافسة. كما أنه لابد من زيادة التوعية والتعليم بشكل أكثر كثافة على المنتجات والخدمات الإسلامية من قبل المنظمين في السوق على حد سواء، من أجل بناء فهم أفضل لصناعة التمويل الإسلامي، حيث أصبح التدريب في المؤسسات المالية الإسلامية من المواضيع الرئيسة التي تتصدر القائمة في المؤتمرات والملتقيات العلمية التي تقام في العديد من الدول العربية والإسلامية، وهو أمر مبرر بل ومطلوب، لما للتدريب من أهمية كبيرة وأثر واضح على نجاح المؤسسات المالية وتطوير العمل المصرفي الإسلامي بصفة عامة.

ولا يخفى أن الحاجة للتدريب لا تقتصر على الموظفين المُعَيّنين حديثاً؛ بل يجب أن يكون التدريب عمليةً مستمرةً للارتقاء بمهارات الموظفين ونقل الخبرات من التطبيقات المماثلة والبناء عليها، وتجنب إعادة اختراع العجلة التي تُهدَر معها الكثير من الأوقات والطاقات والأموال.

طباعة Email