استقبل «مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي» في جامعة حمدان بن محمد الذكية وفداً من طلبة درجة الماجستير في كلية التمويل والاقتصاد في جامعة زينجيان الصينية، في زيارة خاصة تهدف إلى استكشاف فرص التعاون في المجالات الأكاديمية وبحوث الاقتصاد الإسلامية بين دبي والصين، التي يتوقع خبراء أن تصدر أول رخصة لمصرف إسلامي في غضون ثلاث سنوات.

وقال الدكتور منصور العور رئيس «جامعة حمدان بن محمد الذكية» ورئيس مجلس أمناء «معهد اليونسكو لتقنيات المعلومات في التعليم» إن صدى مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في تحويل دبي إلى عاصمة للاقتصاد الإسلامي وصل إلى الصين، مشيراً إلى أن حب وعطاء الإمارات لم ينحصر في شعب الإمارات فحسب، بل تجاوزه إلى خارج حدود الدولة حتى صارت الإمارات نموذجاً عالمياً لما يمكن للدول إنجازه من خلال التفاف الشعوب حول قياداتها.

وأضاف العور أن زيارة الوفد الصيني لمركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي «تأتي في إطار زيادة عدد وفود طلاب الدراسات العليا في الاقتصاد وتعريفهم بمبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي وبالمقومات التي تمتلكها دبي لريادة الاقتصاد الإسلامي في العالم».

رؤية مشتركة

وأفاد العور أن جامعة حمدان بن محمد الذكية لديها رؤية تقوم على تعزيز التواصل والعلاقات مع الصين، كحليف استراتيجي، وخصوصاً الجامعات الصينية. وأضاف: «دبي والصين تتمتعان برؤية مختلفة عن باقي العالم، وهذا عامل مهم تشترك به الإمارات والصين، فالصين تنوي استثمار 40 مليار دولار في إعادة إحياء طريق الحرير الجديد، من خلال تعزيز مقومات التجارة في الدول التي تقع على ذلك الطريق، ناهيك عن أن جزءًا كبيراً من ذلك الطريق يقع في أسواق إسلامية، ودبي التي تقع في قلب هذا الطريق الجديد ورسخت مكانتها كعاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي تريد أن تشارك العالم في علوم الاقتصاد الإسلامي، وتستفيد في الوقت ذاته من المصادر الضخمة التي تملكها الصين في مجال البحوث وغيرها.

هذا إلى جانب جوانب تعاون أخرى، كفتح فرص التمويل والاستثمار في طريق الحرير الجديد، وغيرها الكثير، وأعتقد أن ذلك التحالف الاستراتيجي هو أمر جيد بالنسبة إلى الإمارات والصين، ويمكن من خلاله استكشاف العديد من فرص التعاون بين البلدين، خصوصاً وأن النموذج الذي يقدمه التمويل الإسلامي برهن على جدارته بعد الأزمة، كما برهنت دبي على قدرتها كمركز عالمي للاقتصاد الإسلامي».

وأضاف العور أن نجاح «مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي» في جذب مجموعة من الصينيين من طلاب الدراسات العليا في إدارة الأعمال، هو مؤشر على ضرورة استمرار العلاقة مع جامعة زينجيان، وجامعات أخرى في الصين التي تضم 56 قومية مختلفة منها عشر قوميات مسلمة بالكامل.

مجالات التعاون

ولفت العور أن الوفد الصيني سيبحث مع الجامعة مجالات التعاون في توفير البرامج التدريبية لتطوير خدمات ومنتجات التمويل الإسلامي، بالإضافة إلى طرح برامج أكاديمية عليا في الصيرفة والتمويل الإسلامي، والتعاون على مستوى البحوث. وأضاف: أعتقد أن جامعة حمدان بن محمد الذكية تملك المعارف العملية والضرورية من الناحيتين الأكاديمية والبحثية، حيث أصدر «مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي» العام الماضي أول تقرير من نوعه في العالم حول استدامة الصيرفة الإسلامية وتحمل المخاطر، كما أننا بصدد إصدار تقرير حول واقع سوق التكافل في الأسواق الإسلامية.

طاولة مستديرة

وأشار العور إلى أن «مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي» سيطلق اجتماع «الطاولة المستديرة» بدءاً من مارس 2016 وعلى أساس سنوي، مشيراً إلى أنه سيكون لتلك الاجتماعات التي سيحضرها صناع القرار ورجال الأعمال أهداف استراتيجية، وسيتم من خلالها مناقشة أفكار جديدة في التمويل الإسلامي والعمل على بحوث مشتركة. وأضاف: «مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي غني بالمواد التعليمية والتدريبية، سواء كان في خدمات المصارف الإسلامية وتطوير منتجات المصارف الإسلامية، إضافة إلى أننا نهدف للتعاون مع الباحثين من أنحاء العالم، خصوصاً في مجال في بحوث التمويل والصيرفة الإسلامية».

أهمية المركز

وقدّم البروفيسور نبيل بيضون نائب رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية لشؤون الدارسين وتطوير الأعمال، عرضاً لعميد وطلاب جامعة زينجيان حول أهمية مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي في دعم مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي من خلال القيام بمهام بتطوير الموارد البشرية والبحث العلمي لتحقيق أقصى قدر من إمكانات الموارد البشرية للمؤسسات والهيئات، بما يسهم في تعزيز مكانة مدينة دبي كمركز عالمي رائد في الاقتصاد الإسلامي.

وسلّط بيضون الضوء على برنامج «ماجستير الصيرفة والتمويل الإسلامي» في المركز، والذي يهدف إلى تعليم الدّارسين من جميع أنحاء العالم وتدريبهم في مجالات أساسية مثل التمويل الإسلامي، وصناعة المال الإسلامية، وأحكام الشريعة الإسلامية ذات الصلة بالاقتصاديات الإسلامية، والمحاسبة، وإدارة المخاطر، والإدارة الرشيدة.

وألقى الدكتور شميم صديقي الأستاذ المشارك في جامعة حمدان الذكية محاضرة للوفد الصيني تناول فيها محاور عدة شملت المبادئ النظرية التي يقوم عليها النظام المصرفي والنظام المالي في الإسلام، والاختلافات بين التمويل الإسلامي والتقليدي، وتحديات تطبيق النظام المالي الإسلامي كبديل عن التقليدي، والآثار المترتبة على إنشاء النظام المالي الإسلامي. والاستقرار المالي والعدالة الاقتصادية في النظام المالي الإسلامي، ودور البنوك المركزية في إطار العمل المصرفي الإسلامي، والتحديات والفرص المتاحة في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تاريخ موجز للعمل المصرفي الإسلامي المعاصر.

استكشاف الفرص

وقال ما جيه عميد كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة زينجيان الذي رافق الطلاب إن الزيارة تهدف ضمن أهدافها لاستكشاف فرص إضافة مقرر خاص بالتمويل الإسلامي لطلاب درجة الماجستير في الاقتصاد في جامعة «زينجيان»، خصوصاً بعد إطلاق مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي.

وأضاف: «تأتي هذه الزيارة لبحث فرص التعاون في المستقبل القريب بين جامعة حمدان بن محمد وجامعة زينجيان في علوم وبحوث الاقتصاد والتمويل الإسلامي، ومن جانب آخر، فالحكومة الصينية التي أطلقت مؤخراً شعار «حزام واحد، وطريق واحد» تعمل في هذه الآونة جاهدة لإعادة إحياء طريق الحرير البحري والبري الذي يعبر في الشرق الأوسط، ، كما أن الصين كما تعلم أسست العام الماضي «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية» برأس مال أولي يبلغ 50 مليار دولار، يضم 21 دولة من بينها ماليزيا».

وأضاف: «تدخل هذه الزيارة ضمن تعزيز فرص التعاون في مجال بحوث الاقتصاد الإسلامي مع دبي التي تقع في وسط طريق الحرير البري والبحري، كما بدأت طيران العربية قبل شهور بتسيير رحلة يومياً بين «أورومكي» عاصمة إقليم زينجيان ودبي، علاوة على رحلة يومية أخرى بين المدينتين من خلال إحدى شركات الطيران الصينية، وأتوقع زيادة حجم التعاون في المجال العلمي بين الإمارات والصين في المستقبل القريب».

تعزيز التعاون

وقال علي وانج نائب مدير شركة «سي سي تي في» ومنسق الزيارة إن زيارة وفد الطلاب الصيني تأتي في إطار تعزيز التعاون بين الصين ودبي على صعيد التبادل العملي والبحثي في مجالات الاقتصاد الإسلامي، خصوصاً بعد وصول صدى مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي إلى الصين.

وأضاف وانج أن الطلاب الصينيين قدموا إلى دبي إلى دبي لأنهم مهتمون بتعزيز علاقات التعاون مع الإمارات بخصوص التبادل العلمي والتدريب والبحوث المختصة بالاقتصاد التمويل خصوصاً بعد أن تردد صدى مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي في الصين بعد أن تم تداوله في الصحف الصينية.

وأوضح وانج: «هنالك اهتمام كبير في أوساط رجال الأعمال الجامعات والبنوك والمؤسسات المالية بالتمويل الإسلامي وفرص الاستثمار المتاحة في قطاعات الاقتصاد الإسلامي لأن مبادئ الاقتصاد الإسلامي هو أمر جديد بالنسبة إليهم، لكن مبادرة الاقتصاد الإسلامي وبروز فوائد التمويل والصيرفة الإسلامية بعد الأزمة المالية الأخيرة سلط الضوء على أهمية الاقتصاد الإسلامي.

وأضاف: «العديد من الجامعات الصينية أبدت استعدادها لابتعاث طلاب إلى دبي لدراسة الاقتصاد الإسلامي وتعميق فرص البحث العلمي في علوم الاقتصاد الإسلامي، ولدينا خطط بزيادة عدد البرامج الأكاديمية للصينيين في دبي وبتسريع وتيرة تلك الزيارات والبرامج».

وأوضح وانج أنه كانت هنالك محاولة لفتح أول مصرف إسلامي في الصين قبل عامين في زينجيان، ولكن لم يكتب لتلك التجربة النجاح نظراً للظروف التي كانت سائدة.

صدى عالمي

وقالت وانغ لينغ يون إحدى الطالبات المشاركات في الزيارة إنه قبل عشر سنوات لم يكن أحد يتوقع أن تقفز دبي إلى مصاف الدول المتقدمة في العالم، مشيرة إلى أن مبادرة الاقتصاد الإسلامي سلطت الضوء على الإمكانيات الهائلة التي توفرها سوق الصكوك ودورها المهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في الدول، فالعديد من الدول في آسيا الوسطى مثل كازاخستان التي تشترك في حدود مع زينجيان تسعى لتعزيز التمويل الإسلامي فيها، ويبدو أن مستقبل سوق الصكوك يتجه نحو زيادة تمويل المشاريع والمساهمة في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي.

وأضافت أنه في حال طرحت جامعة زينجيان مقرراً في التمويل الإسلامي فإنها ستلتحق بلا شك بذلك المقرر، مشيرة إلى ازدياد رغبة رجال الأعمال والطلاب بأورومكي في تحصيل علوم التمويل الإسلامي.

جامعة زينجيان

تأسست جامعة زينجيان العريقة منذ أكثر من 50 عاماً، بمدينة «أورومكي» عاصمة إقليم «زينجيان» أكبر مقاطعة إدارية في الصين من حيث المساحة والذي يحتل سدس مساحة البلاد وغالبية سكانه من المسلمين. ويحتل إقليم زينجيان سدس مساحة الصين بمساحة تصل إلى 1.6 مليون كم مربع وله حدود مع ثماني دول بما فيها روسيا والهند وأفغانستان وباكستان.

طريق الحرير الجديد

يقوم المسؤولين الصينيون خلال الشهور الأخيرة بحملة كبيرة لدعم إعادة إحياء «طريق الحرير» من خلال ضخ 40 مليار دولار في صندوق «طريق الحرير» الاستثماري لتعزيز مقومات التجارة عبر الدول التي سيمر عبرها الطريق الذي يتألف من طريق بري، والآخر بحري للسفن التجارية، بالتزامن مع سعي الصين لعقد عقد اتفاقيات تحرير التجارة مع الدول التي تقع على الطريق الجديد، والدعوات إلى استخدام اليوان الصيني في بعض تلك الدول.

وتاريخياً كان طريق الحرير عبارة عن سلسلة من الطرق تصل بين أكبر الاقتصادات في آسيا وبين الشركاء التجاريين في أوروبا ودول البحر المتوسط. ويقول مسؤولون صينيون إن طريق الحرير البري الجديد سيمتد من آسيا الوسطى إلى شمال إيران ثم إلى العراق فسوريا فتركيا لينتهي في أوروبا.

وأما البحري فيبدأ من مضيق ملقة بين ماليزيا وإندونيسيا إلى الهند ثم كينيا لينعطف شمالاً حول القرن الإفريقي عبر البحر الأبيض المتوسط ليلتقي بطريق الحرير البري في مدينة فينيسيا الإيطالية.

ويقول خبراء إن حكام الصين القدماء بذلوا جهوداً كبيرة لحماية طريق الحرير القديم، متوقعين أن يبذل حكامها الحاليين جهوداً كبيرة لإنجاح طريق الحرير الجديد. ويتوقع خبراء أن يخلق المشروع الجديد آلاف الوظائف في الدول التي سيمر بها طريق الحرير الجديد، ويشيرون إلى أن الطريق لن يزيد حجم التبادل التجاري مع الدول فحسب، بل سيعزز من أمن الطاقة الصيني.

وتاريخياً، لم تحمل هذه الشبكات الواسعة في طياتها السلع والبضائع الثمينة فحسب، وإنما أتاحت أيضاً تناقل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل، ما أثر تأثيراً عميقاً في تاريخ شعوب المنطقة الأوروبية الآسيوية وحضاراتهم.

ولم تكن التجارة وحدها هي التي جذبت المسافرين المرتحلين على طول طرق الحرير، وإنما التلاقح الفكري والثقافي الذي كان أيضاً سائداً في المدن المحاذية لهذه الطرق، حتى إن العديد من هذه المدن تحوّل إلى مراكز للثقافة والتعلم. وشهدت المجتمعات القاطنة على امتداد هذه الطرق تبادلاً وانتشاراً للعلوم والفنون والأدب ناهيك عن الحرف اليدوية والأدوات التقنية، فما لبثت أن ازدهرت وتمازجت فيها اللغات والأديان والثقافات.