شهد سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم حفل افتتاح منتدى فقه الاقتصاد الإسلامي الذي يقام في مركز دبي التجاري العالمي ضمن مبادرة «دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي العالمي»، التي أطلقها مطلع العام 2013 صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
ويحظى المنتدى - الذي يستمر حتى غدٍ - بمشاركة كوكبة من علماء الشريعة الإسلامية ومتخصصين في مجال الاقتصاد وعدد من المفكرين البارزين يناقشون 34 بحثاً تطرح في مجملها القضايا الإشكالية للاقتصاد الإسلامي.
بدأت مراسم الحفل بعزف النشيد الوطني لدولة الإمارات تلتها قراءة عطرة من آيات الذكر الحكيم ثم عرض فيلم قصير يلخص تطور الدولة في كافة المجالات بشكل عام والجانب الاقتصادي بشكل خاص في ظل قيادة الإمارات الحكيمة إلى جانب نبذة عن المنتدى والقائمين على انعقاده.
وألقى الدكتور حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية في دبي رئيس اللجنة المنظمة للمنتدى كلمة أكد خلالها على أن دبي تملك كافة المقومات والطموحات لتكون عاصمة للاقتصاد الإسلامي، وقد أعلنت عن ذلك الطموح في عام 2013 واليوم دبي تعتبر عاصمة للعالم في جميع المجالات بفضل إنجازاتها المتتالية وبكون دبي أرضاً للفرص، وذلك الفضل يعود للقيادة الحكيمة لدولة الإمارات.

وتطرق الدكتور الشيباني أيضاً إلى المحاور الأربعة للمنتدى وثقته بالعلماء والباحثين المشاركين في الحدث .. وأشار إلى أن المنتدى سيصدر عدداً من القرارات في بيانه الختامي ونولي تلك القرارات اهتماماً كبيراً بهدف تحقيق طموحات المنتدى وسيبقى هذا المنتدى الرائد في مجاله على مستوى العالم .. مقدماً الشكر لجميع المؤسسات والشركات الداعمة للمنتدى.
وفي كلمته في المنتدى قال الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم إن دولة الإمارات سعت دائماً إلى الابتكار والاستقرار والازدهار وهذا ما تحقق عبر رؤية واضحة المعالم .. داعياً العلماء والمشاركين إلى التفكير والاجتهاد في نقطتين الأولى عن قيم الاقتصاد الإسلامي والثانية عن الاهتمام بتحديد الوسائل والأدوات لتمكين الاقتصاد الإسلامي من المنافسة.
واختتم سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم حفل الافتتاح بتكريم الشركاء ورعاة المنتدى والتقاط الصور التذكارية مع اللجنة العليا المنظمة ورؤساء اللجان الفرعية لمنتدى فقه الاقتصاد الإسلامي.
حضر الافتتاح سامي القمزي مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية بدبي والمهندس سعيد الطاير العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي وهلال المري مدير عام دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي الرئيس التنفيذي لمركز دبي التجاري العالمي وخالد الكمدة مدير عام هيئة تنمية المجتمع في دبي وأحمد محبوب مدير جمارك دبي وعدد من المسؤولين.
ركائز استراتيجية
من جانبه، قال عبد الله محمد العور، المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي:« إن البحوث والدراسات المتعلقة بفقه الاقتصاد الإسلامي وتقنين أحكامه الخاصة بالتعاملات والمنتجات المصرفية الإسلامية هي إحدى الركائز الاستراتيجية لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي.
ونحن على ثقة بأن هذا المنتدى سيشكل علامة فارقة في مسيرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي لأنه يسهم في صياغة منظومة فقهية جديدة ومتكاملة لكافة القطاعات الناشطة في هذا المجال، والتي تتوفر أمامها فرص واعدة للنمو على مستوى العالم.
إننا نعتز بقدرتنا على جمع كبار الفقهاء والمتخصصين في البحوث الإسلامية من أجل التوصل إلى بلورة القوانين والتشريعات التي تضبط التعاملات المختلفة في مختلف القطاعات والمنتجات الاقتصادية الإسلامية مما يعزز تنافسية دبي كعاصمة الاقتصاد الإسلامي بعدما أصبح هذا القطاع اليوم منظومة اقتصادية عالمية تسعى العديد من الدول إلى تبنيها.

وتم خلال اليوم الأول للمنتدى تكرّيم المنتدى الشركاء الاستراتيجيين والرعاة ممثلين في: مؤسسة دبي للإعلام، الشريك الإعلامي، ومؤسسة دبي الإسلامي الإنسانية، وشركة النابودة للسيارات.
المحور التشريعي
وخلال الجلسة الأولى للمنتدى، تم تقديم أربعة بحوث تناولت المحور التشريعي أصول الاقتصاد في الإسلام. حيث أدار الجلسة الدكتور محمد عبدالرحيم سلطان العلماء، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة الإمارات. وقدم الدكتور مطلق الجاسر خلال الجلسة بحثاً بعنوان «الاقتصاد الإسلامي وموقعه من العلوم الشرعية»، خلص فيها إلى أن الاقتصاد الإسلامي هو العلم الذي يُعنى بدراسة الأسس والمبادئ والقيم الإسلامية المتعلقة بالمال، وكيفية تطبيقها على الأنشطة الاقتصادية.
كما أنه علم ينتمي وهو علم قائم بذاته كباقي العلوم ومن صميم علوم الشريعة الإسلامية، لأنه مجموعة من العلوم الموجودة في القرآن والسنة والموثقة بأعلى درجات الموثوقية بفرعيه الأول وهو المذهب والقيم والمبادئ بالإضافة إلى الفرع الثاني وهو النظام وهو تطبيق تلك القيم.

أما البحث الثاني، فكان للأستاذ الدكتور شوقي دنيا، أستاذ الاقتصاد الإسلامي في كلية التجارة، جامعة الأزهر في مصر تحت عنوان المشكلة الاقتصادية وحقيقة الندرة النسبية وإشكالية التوفيق بين الحاجات المتشعبة والموارد المحدودة، سلط خلالها الضوء على جزئية التوازن بين الطلب والحاجة في الموضوع الاقتصادي.
أسباب الأزمة المالية
وقدم الدكتور عبد الله الشامي أستاذ الفقه المقارن والدراسات الإسلامية في المعهد البترولي في أبو ظبي بحثاً بعنوان« الاقتصاد والتمويل الإسلامي بديلان لمعالجة الأزمة الاقتصادية العالمية» عرض فيه لأسباب الأزمة المالية العالمية الأخيرة، والتي كانت المصارف الإسلامية خلالها الأقل تأثراً بالأزمة، وهو ما يثبت نجاح التمويل الإسلامي، لافتاً إلى أن العالم أدرك اليوم أهمية تطبيق المزيد من مبادئ الاقتصاد الإسلامي كنظام اقتصادي متوازن، بوفر بديلاً فعالاً عن الأنظمة الربوية.
عُمق التشريع الإسلامي
انعقدت الجلسة الثانية برئاسة الدكتور جاسم علي سالم الشامسي، عميد كلية القانون بجامعة الإمارات سابقاً، حيث استمع الحضور إلى بحث مقدم من الدكتور عبدالسميع الأنيس، تحدث فيه عن أدوات التمويل وموجهاته في الحديث النبوي، كما قدم الدكتور عبدالكريم أحمد قندوز قراءة اقتصادية مستفيضة من وحي الشريعة الإسلامية ببحثٍ تحت عنوان، «التحوط في التمويل الإسلامي : حماية للمال ودافع للتنمية». واستعرض الشيخ شاه جيهان نقاب ببحثه «أصول الاقتصاد الإسلامي بين الإعمال والإهمال»، أكد فيه على عُمق التشريع الإسلامي في المجال الاقتصادي وضرورة تفعيله بما يؤتي أكله.

العالم يترقب تشريعات دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي
قال فقهاء وخبراء في الاقتصاد الإسلامي إن عيون العالم بأسره تتجّه اليوم إلى التوصيات والتشريعات التي سيتوصل إليها منتدى فقه الإسلامي في دبي والذي يبرز للعالم الجانب الفقهي في مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي، متوقعين أن تلقى تلك التوصيات قبولاً على مستوى العالم، وأن تشجّع توصيات منتدى الفقه الإسلامي المتوقع صدورها في ختام المنتدى على تطوير قطاعات الاقتصاد الإسلامي على مستوى العالم.
وتحدث الدكتور خالد الجناحي المستشار في مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي لـ«البيان الاقتصادي» عن أهمية المنتدى، مشيراً إلى أن هذا المنتدى الفقهي الأول بعد إطلاق مبادرة الاقتصاد الإسلامي وبالتالي فإن المنتدى يمثل نقلة مهمة وتأصيلية في الجانب التشريعي لهذه الاستراتيجية، مشيراً إلى أن المنتدى يتميز بوجود نخبة من العلماء والاقتصاديين الذين سيهتمون بتفعيل الاقتصاد الإسلامي. وأضاف: «نحن نسعى من خلال المنتدى إلى إبراز الجانب الفقهي في المبادرة.
ومن مميزات هذا المنتدى أن هنالك محاور عدة لا تقتصر على محور التمويل الإسلامي وبالتالي أتوقع أن تغطي التوصيات جميع المحاور الأساسية للاقتصاد الإسلامي، ونتوقع لتوصيات المنتدى أن تحفز وتشجع تطوير قطاعات الاقتصاد الإسلامي على مستوى العالم».
قابلية التطبيق
من جانبه قال الدكتور شوقي دنيا أستاذ الفقه الإسلامي في كلية التجارة جامعة الأزهر إن التوصيات والقرارات والتشريعات التي ستصدر عن المنتدى هي قابلة للتطبيق على مستوى المنطقة والعالم، لأنها ستمهد لأرضية فقهية مشتركة، يمكن لأي دولة الاستفادة منها من دون أن تتأثر خصوصية القرارات في أي من الدول، لأن الفقه الإسلامي غني بتنوعه، ولا مانع في وجود الاجتهادات.
وأضاف: «يجب على الضوابط أن تتفق على الخطوط العريضة للمعايير، فليس من المفيد أن توافق هيئة شرعية على إصدار صكوك في دولة ما، ولا توافق عليها هيئة شرعية في بلد آخر، فهذا يحدث البلبلة وعدم الثقة في أوساط الجمهور. فالتنسيق والتقارب مطلوبان ونتمنى أن تنعكس قرارات وتوصيات المنتدى بشكل إيجابي على الأمة العربية والإسلامية والعالم بأكمله».

وأفاد: «أتمنى من المنتدى أن يبرز البعد الصحيح في كل الاقتصاد الإسلامي، ويحل قضية الفقه في الاقتصاد الإسلامي من دون أن ينحرف عن الصيغ أو الأساليب أو الإجراءات أو التمويل بحسب الشريعة الإسلامية».
وثّمن دنيا دور دبي في ريادة تطوير نشاطات الاقتصاد الإسلامي، التي قال إن حجمها يبلغ حوالي 10 % من النشاط الاقتصادي العالمي، مشيراً إلى أن دبي مرشحة لتكون عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي بفضل العديد من العوامل الداعمة ومنها تجربتها الطويلة في العمل المصرفي الإسلامي متمثلاً ببنك دبي الإسلامي وكونها مقراً للعديد من المؤسسات والشركات الإسلامية والأهم من ذلك عزيمة وإصرار أصحاب السمو حكام الإمارات على تطوير هذا القطاع المهم وابتكار منتجات في الاقتصاد الإسلامي.
وأضاف: «الاقتصاد الوضعي السائد الذي يمثله الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الإسلامي على حد سواء يتناولان موضوعاً واحداً وهو التعامل مع الأموال كسباً وإنفاقاً. ولكنهما يختلفان في الكثير من الجوانب. من بينها الاختلاف في المرجعية أو الأصول، فمرجعية الاقتصاد الإسلامي مرجعية إلهية، بينما مرجعية الاقتصاد الوضعي مرجعية بشرية. والاختلاف في الأهداف والغايات. فغاية الاقتصاد الوضعي هو تحقيق الرفاه المادي الدنيوي، في حين أن أهداف الاقتصاد الإسلامي هو تحقيق الرفاه المادي والمعنوي أو الروحي. والاختلاف في الأساليب والآليات.
جامعة الأزهر
وقال الدكتور عبد الحي عزب رئيس جامعة الأزهر أن انعقاد منتدى فقه الاقتصاد الإسلامي في دبي هو داعم لمبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي التي قدمت دبي للعالم أجمع ليست كعاصمة للاقتصاد الإسلامي فحسب بل كعاصمة للاقتصاد العالمي، مؤكداً أن الاقتصاد الإسلامي ليس في مرحلة النظرية بل هو علم قائم على المبادئ والأسس الواضحة.
وأفاد عزب أن ما يصلح للإمارات من توصيات ومقررات يصلح للعالم بأسره من حيث إنها تجربة تأخذ منها كل دولة ما يفيدها وتنطلق منها.
وأضاف: «دبي هي عاصمة الاقتصاد الإسلامي لأننا نرى أصحاب السمو يسيرون على نفس النهج الذي سار عليه المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، فقد رسم الرؤية لهذه الدولة وانطلقت من منظور الدين والأخلاق والسماحة، وكل مؤسسة تنطلق من هذا المنظور لا بد أن يكتب لها الرقي والتقدم».
وأضاف: «النظريتان الرأسمالية والاشتراكية لم تنجحا في حل مشاكل البشرية، ولتجعل الناس يؤمنون بنظام اقتصادي معين يجب أن تحل مشاكل الناس على أرض الواقع، وهو ما استطاع الاقتصاد الإسلامي تحقيقه.
وحين تأتي دبي وتعلن أنها عاصمة للاقتصاد الإسلامي في الوقت الذي يبحث العالم فيه عن رؤية جديدة لإخراج البشرية من النفق الضيق، فإن هذا دليل أن المؤتمر جاء ليرد للبشرية على الأسئلة والاستفسارات التي طلبوا استفسارات عنها منذ سنين بعيدة ومن رؤيتهم لفشل الأنظمة الاقتصادية الوضعية».

