تشغل مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظه الله، بجعل دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، مكانة القلب من أجندة عمل مركز دبي المالي العالمي، فهي أكسبت محاور تحركاته المزيد من قوة الزخم باتجاه توطيد مكانته منصة مثالية للتمويل الإسلامي، عبر البناء على سجل إنجازاته ونجاحاته في هذا القطاع الحيوي الزاخر بفرص نمو هائلة، تمــــثل رافداً من الروافد الداعمة لمكانته الإقليمية والعالمية.

ومثلما أصبح التمويل الإسلامي في قلب أجندة أعمال دبي، فإنه أصبح يشغل المكانة ذاتها في التوجهات الاستراتيجية للمركز، من خلال تكثيف اللقاءات مع العملاء القائمــين والمحتملين، عبر التواصل معهم في مكاتب ومقرات أعمالهم المنتشرة حول العالم، وتكثيف التواصل مع مزودي الخدمات المالية الإسلامية، بشأن إمكانية استخدام "دبي المالي" قاعـــدة انطلاق لعملياتهم العالمية، والعمل عن كثب مع مزودي الخدمات المساعدة، مثل الشركات الاستشارية القانونية المتخصصة في هذا المجال.

مقر عالمي للخدمات المالية الإسلامية

وتمثل التحركات المذكورة آنفاً، خطوات إضافية تكمل الشوط الكبير الذي قطعه مركز دبي المالي، والذي تعود بداياته إلى لحظات ميلاده الأولي في عام 2004، إذ إنه أعطى، منذ بدايات انطلاقة، أولوية كبيرة إلى تعزيز مكانته، بوصفه مقراً عالمياً للخدمات المالية الإسلامية، وجاء هذا الاهتمام بهذا السوق الآخذ في التنامي والتطور، بناء على إدراك مفاده أن بقاء قطاع الخدمات المالية الإسلامية موزعاً بين عواصم عالمية عديدة، لن يساعد على نمو هذا القطاع وازدهاره وتلبية احتياجات المستثمرين وتحقيق مكانة عالمية، إذ كانت الأسواق المالية الإسلامية في مختلف أنحاء العالم تقوم بتطوير نفسها بشكل مستقل عن غيرها، واضعة قوانينها ومعاييرها الخاصة، مع تطوير مجموعة واسعة من المنتجات المالية المختلفة في ما بينها، من حيث المعايير والآليات التسع،

وفرض مركز دبي المالي على ساحة التمويل الإسلامي، منذ بداية انطلاقه، واقعاً جديداً، بشغله فراغاً لم يتمكن أحد من ملئه، برغم ضربه بجذوره في عمق التاريخ، ألا وهي توفير منصة مثالية للخدمات المالية الإسلامية، وردم الهوة الموجودة بين النظام المصرفي بالمعني الغربي ونظام التمويل الإسلامي، وهو في أدائه لهذا الدور، يبرهن على أن ما يشغل بال القائمين على المركز هو عدم نسخ ما يفعله الآخرون، بل النهوض بأنشطة تمثل إضافة جديدة للتمويل الإسلامي، وهو بهذا يكمل مسيرة دبي التي استهلتها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بإطلاق بنك دبي الإسلامي في عام 1975، وهو يعتبر أول بنك إسلامي على مستوى العالم، وشكل تأسيسه حدثاً فريداً في نظام مالي عالمي، اعتاد حينذاك على النظر إلى المفاهيم المستمدة من تجارة القوافل والأدبيات الإسلامية، على أنها قد عفا عليها الزمن.

نمو مطرد

ويقع م"دبي المالي" في الوقت الراهن في قلب صناعة المال الإسلامية الآخذة في الازدهار والنمو المطـــردين، وهــو ما تتجــلى تعبيراته في المؤشـــرات التالية:

أولاً: مع النمو الضخم الذي يشهده التمويل الإسلامي، وهو ما انعكس على تسجيل إصدارات الصكوك في عام 2013 معدلات نمو كبيرة، إلى جانب بروز حاجة قوية إلى تمويل مشروعات البنية التحتية، وهو من شأنه أن أدى إلى تضاعف إصدارات الصكوك المرتبطة بهذه المشروعات لدى دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل خمس مرات.

ثانياً: تقدر قيمة الصناعة العالمية للتمويل الإسلامي بنحو تريليون دولار، والمتوقع أن تنمو بمعدل 20% خلال الفترة 2011 ــ 2015، وهو ما سوف يؤدي إلى تضاعف حجم هذه الصناعة على مدى الفترة المذكورة.

ثالثاً: يقود نمو صناعة التمويل الإسلامي الدول الواقعة في منطقتي آسيا ومجلس التعاون الخليجي، إذ تستحوذ هذه الدول على نحو نصف الصناعة العالمية للتمويل الإسلامي.

رابــعاً: تصل قيمة صناعة إدارة الصناديق الإسلامية التي تقودها دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نحو 55 مليار دولار، وتمتلك هذه الصناعة إمكانيات لأن تصل قيمتها إلى 480 مليار دولار.

منصة مثالية

ويوفر مركز دبي المالي العالمي منصة مثالية لصناعة التمويل الإسلامي، وهو يمتلك عدداً من المقومات المؤهلة لقيامه، وهو يعمل بشكل وثيق مع السلطات الاتحادية، بغرض تطوير التمويل الإسلامي عبر دبي، إذ يعمل ما يزيد على 25 لاعباً، انطلاقاً من نافذة التمويل الإسلامي الموجودة داخل مركز دبي المالي العالمي، بالنظر إلى تطور المركز، ليصبح المدينة المالية بامتياز، ومع تطور بنيانه التنظيمي، وتنوع خدماته ومنتجاته وأسواقه وتسهيلاته، صار البعض يفضلون تسميته بـ«مدينة مالية داخل مدينة عالمية».

كما يحتضن العديد من شركات الاستشارات القانونية التي تضم في حالات عديدة متخصصين عالميين في التمويل الإسلامي، إذ نجح المركز في استقطاب مجموعة من الشركات المرموقة المتخصصة في تزويد الخدمات الداعمة، وهو الأمر الذي من شأنه أن وفر منصة متكاملة لدعم العمليات التشغيلية. وهكذا، رحب المركز بقدوم المؤسسات المالية والشركات الراغبة في توافق معاملتها وأنشطتها المالية مع أحكام الشريعة الإسلامية، بأذرع مفتوحة، ولم يكن مطلوباً منها أن تفعل شيئاً سوى القيام بملء استمارة الانضمام، لكي يكون في مقدورها مباشرة أعمالها في غضون أسابيع قليلة، وهو بالضبط ما يتوقعه أي لاعب أجنبي.

احتضان شركات إعادة التكافل

يعتبر قطاع التأمين التكافلي أحد محاور التركيز الرئيسة لمركز دبي المالي العالمي، كما يعد المركز منصة للمشروعات المشتركة التي تسعى إلى تأسيس شركات تكافل قابضة، تشمل خدماتها وساطة التأمين الإسلامية والخدمات الإدارية في المنطقة، ومن المتوقع أن يسهم التكافل وإعادة التكافل بشكل كبير في النمو الشامل لقطاع التأمين.

وجاء اهتمام مركز دبي المالي العالمي بالتأمين التكافلي، بهدف خلق بيئة تساعد على تنمية وتعزيز مكانة المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في الأسواق المالية العالمية، فضلاً عن إتاحة الفرصة لهذا القطاع، لكي يستفيد من فرص النمو الهائلة التي لم يتم استغلالها بالكامل بعد، وذلك من خلال العمل على رفع مستوى الوعي بأهمية التأمين بوجه عام، والتكافل بوجه خاص.

وقد أفاد العدد الأخير من دليل شركات التأمين الإسلامية بأن إجمالي أقساط شركات التأمين التكافلي في السوق الإماراتية بلغ 1.028 مليار دولار (نحو 3.7 مليارات درهم) خلال عام 2012.

حامد علي: «ناسداك دبي» لاعب قيادي في صناعة المال الإسلامية

 

قال حامد علي، الرئيس التنفيذي لبورصة ناسداك دبي، إن البورصة غدت لاعباً قيادياً في مجال التمويل الإسلامي، فمع وصول قيمة إصدارات الأصول المُقيدة فيها إلى 20.7 مليار دولار، صارت تشغل مكانة ثالث أكبر مركز لإدراج إصدارات الصكوك في العالم، مشيراً إلى أن هذه المكانة المُتميزة قد تأكدت في نجاحها في استقطاب أول إصدار صكوك من قبل مقاطعة هونغ كونغ الصينية، إلى جانب استقطابها إصدارات صكوك البنك الإسلامي للتنمية الذي يضم في عضويته 53 دولة.

وأوضح حامد علي أن البورصة أطلقت مبادرة «منصة ناسداك دبي مرابحة»، وهي منصة للتمويل الإسلامي على درجة عالية من الكفاءة والتطور، تم تطويرها بالشركة مع بنك الإمارات الإسلامي، وقد جرى إطلاقها رسمياً في شهر أبريل من العام الجاري، تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، والراعي العام لمبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي، مشيراً إلى أن قيمة الصفقات التي تم تنفيذها، عبر هذه المنصة، وصلت إلى ما يزيد على 21 مليار درهم، كما توسعت قاعدة أعضاء هذه المنصة، بضم أعضاء يمثلون عدداً من المصارف والمؤسسات المالية في دولة الإمارات.

ولفت إلى «أن البورصة تجري في الوقت الراهن محادثات مع عدد من المؤسسات المالية في منطقة مجلس التعاون الخليجي، لكي تنضم إلى عضوية هذه المنصة، فضلاً عن قيامنا بإطلاق منصة تجريبية لتداول الصكوك والسندات التقليدية، تمهيداً لتدشينها رسمياً لتكون منصة تداول لهذه الفئة من الأوراق المالية، وهو الأمر الذي يحمل في طياته فوائد ومزايا كبيرة، على صعيد زيادة الشفافية والسيولة في الأسواق الثانوية التي ما زال يهيمن عليها عالمياً أسلوب التداول الإلكتروني».

مقصد جاذب للمُصدرين

وقال حامد علي في حديثه لـ«البيان الاقتصادي» إن البورصة نهضت بدور مهم في تطوير مركز دبي المالي العالمي، بما جعله واحداً من المراكز الدولية الكبرى في العالم، فضلاً عن شغله مكانة مرموقة، بوصفه المقصد الجاذب للشركات والمصدرين، إلى جانب تلك القادمة من دول تقع في مناطق بعيدة، كالصين، وجنوب إفريقيا، والولايات المتحدة، وتجلت تعبيرات هذه المكانة المُتميزة والمُتفردة في قيد هذه الشركات لأسهم وأوراق مالية وأدوات الدخل الثابت في بورصة ناسداك دبي.

وأضاف قائلاً: «من خلال توفيرها شاشة تداول تتمتع بمشاهدة على نطاق واسع، مدعومة بشبكة روابط تجمع المستثمرين من المنطقة والعالم على حد سواء، صارت بورصة ناسداك دبي منصة مُفضلة لرفع رؤوس الأموال وخلق الثروة، كما أصبحت لاعباً قيادياً في مجال التمويل الإسلامي، إذ غدت ثالث أكبر مركز لإدراج الصكوك في العالم، من حيث قيمة الإصدارات، إلى جانب إطلاق (منصة ناسداك دبي مرابحة)، وتجلى كذلك نجاح مبادراتها المبدعة والخلاقة في أسواق المال، في قيام شركة الإمارات ريت (سي إي آي سي)، أول صندوق ائتمان للاستثمار العقاري، وفقاً للشريعة الإسلامية، مسجل في مركز دبي المالي العالمي، بتسجيل أسهمها العادية على قائمة الأسهم الرسمية لسلطة دبي للخدمات المالية، وتداول هذه الأسهم في سوق ناسداك دبي».

أدوار ومسؤوليات

ورداً على سؤال بشأن أدوار ومسؤوليات بورصة ناسداك دبي في تقوية وتمتين موقع مركز دبي المالي العالمي كجسر يربط بين المراكز المالية في الشرق والغرب، أجاب حامد علي قائلاً: «تشغل دائماً بورصات الأسهم المزدهرة والمُنتعشة مكانة القلب في أي مركز مالي ناجح، ومركز دبي المالي العالمي، ليس استثناء عن هذه القاعدة، إذ صارت بورصة ناسداك منارة لجذب مديري الصناديق الدولية وكبار المستثمرين الآخرين، في البلدان الغربية وآسيا، نظراً إلى هيكليتها بالطريقة نفسها التي تمت بها هيكلة البورصات الرائدة الموجودة في المراكز المالية العالمية الأخرى، كهونغ كونغ ولندن ونيويورك، إذ إن الإطار التنظيمي لسلطة دبي للخدمات، وبورصة ناسداك دبي، مألوف للمستثمرين، ويساعد على منحهم الثقة للاستثمار».

وتابع قائلاً: «في الوقت ذاته، تعد بورصة ناسداك دبي أحد المكونات الرئيسة للبنية المالية في دولة الإمارات، وأسواق رأس المال الإقليمية، وهو ما يجعلها تعمل كبوابة بين المنطقة وبقية العالم، فالعديد من الشركات الغربية والآسيوية اتخذت مركز دبي المالي العالمي مقراً لعملياتها وأنشطتها، إلى جانب الشركات الإقليمية، وهؤلاء جميعاً ينشطون بقوة وكثافة في بورصة ناسداك دبي، مُصدرين ومُستثمرين، ومستشارين ماليين».

علاقات شراكة

وشرح حامد علي أوجه نجاحات بورصة ناسداك دبي في بناء سمعتها كبورصة تحظى بالتقدير والاحترام على النطاق الدولي، بقوله: «في عام 2008، بدأت بورصة ناسداك، وهي إحدى البورصات القائدة على الصعيد العالمي، علاقات شراكة متواصلة ومُستمرة مع بورصة دبي العالمية التي تغير اسمها منذ ذلك الحين، لتحمل اسم بورصة ناسداك دبي، وهو الأمر الذي عزز اندماجها الناجح في الأسواق المالية العالمية، وتجلى هذا الأمر بوضوح في نجاح البورصة في جذب معظم المصارف الاستثمارية القائدة في العالم، ضمن قاعدة أعضائها، وهو الأمر الذي عزز وضعيتها المُتفردة والمُتميزة في المنطقة، وباتت تمتلك روابط قوية مع مشغلي المكاتب الخلفية في البورصات، على غرار الحال مع شركة (يورو كلير)».

واستدرك قائلاً: «جنباً إلى جنب مع امتلاكها علاقات وروابط قوية مع المستثمرين في مختلف أنحاء العالم، وتحت مظلة هذا الإطار الشامل والجامع، غدت بورصة ناسداك دبي جزءاً من هيكلية النظام المالي الدولي».

وتحدث حامد علي عن أبرز التحديات التي واجهتها بورصة ناسداك دبي على مدى السنوات العشر الماضية بقوله: «أثرت الأزمة المالية التي تفجرت في عام 2008، بالسلب على تطور أسواق المال في دول منطقة مجلس التعاون الخليجي، وظهرت هذه التداعيات السلبية بشكل جلي في جفاف منابع الاكتتابات العامة الأولية على الخمس سنوات الماضية، ولكن هذا الوضع تغير كلياً منذ شهر أبريل من العام الجاري، مع قيام شركة الإمارات ريت (سي إي آي سي)، أول صندوق ائتمان للاستثمار العقاري، وفقاً للشريعة الإسلامية، مسجل في مركز دبي المالي العالمي، بتسجيل أسهمها العادية على قائمة الأسهم الرسمية لسلطة دبي للخدمات المالية، وتداول هذه الأسهم في سوق ناسداك دبي».

وأضاف قائلاً: «بيد أن الأزمة المالية العالمية خلّفت الكثير من التداعيات العميقة التي أثرت بالسلب في تطور أسواق المال في المنطقة، ولكن بورصة ناسداك دبي استفادت من هذه الأوقات الصعبة في تمتين وتقوية أرضية انطلاقاتها، من خلال إطلاق العديد من المبادرات التي بدأت تؤتي ثمارها أخيراً».

وحول أبرز معالم استراتيجية بورصة ناسداك دبي خلال السنوات القليلة المقبلة، قال حامد علي إن البورصة سوف تواصل التركيز على استقطاب الاكتتابات العامة الأولية، إذ تُجري في هذا الصدد مناقشات مع الشركات الناجحة في المنطقة التي تتطلع إلى إدراج أسهمها في منصة دولية، تتيح لها فرصة الوصول إلى المستثمرين الإقليميين، كما تواصل خطاها نحو توسع أسواقها من الأوراق المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، بما في ذلك الصكوك والمرابحة، فضلاً عن أنها تضع في صدارة أولوياتها دعم فئات أصول جديدة، كالصناديق المتداولة في البورصات ومشتقات الأسهم.

تقاسم الخبرات

يتطلع مركز دبي المالي دائماً إلى تقاسم الخبرات والمعارف مع المراكز التي أحرزت تطوراً مؤثراً في قطاع التمويل الإسلامي، إذ إن وقوعه في هذا الجزء من العالم الذي تعيش فيه أكبر كثافة سكانية إسلامية، يجعل منه ساحة طبيعية لنمو قطاعات الأعمال المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بشكل عام،