أكد الدكتور محمود سيد عبد العال الرئيس التنفيذي للشركة الإسلامية للتمويل »آفاق« أن انطلاق مبادرة الاقتصاد الإسلامي من دبي يمحو الكثير من مخاوف الغرب ويسهل التفاعل العالمي مع قطاعات الاقتصاد الإسلامي نظراً لما تتمتع به دبي من قدر كبير من التسامح والتعايش والذي يظهر جلياً في طريقة الحياة التي تعيشها.
وقال إن المبادرة ستسهم في حل مشكلات الاقتصاد العالمي بشكل عام. وأشار إلى أن استحداث مركز إسلامي موحّد للتحكيم في دبي من شأنه أن يمنح المستثمرين والجهات والمؤسسات المالية الثقة بوجود الجهة التي تفصل بينهم وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
وأكّد عبد العال لـ »البيان الاقتصادي« أن دبي هي الأفضل لريادة قطاع الاقتصاد الإسلامي على مستوى العالم لأنها تملك المقومات التي تمكنّها من اقتناص الفرص الكبيرة في الاقتصاد الإسلامي، وذلك بالرغم من الإسلاموبيا التي بدأت تنتشر في الغرب مؤخراً خصوصاً وأن دبي كانت وستبقى دائماً واحة للتسامح والتعايش الإنساني السلمي بين كافة شعوب الأرض، لافتاً إلى أن مبادئ الاقتصاد الإسلامي بدأت منذ الإعلان عن المبادرة في فبراير 2013 تشق طريقها بقوة في العالم الغربي، لإدراكها بأن تطبيق تلك المبادئ هي السبيل لإنقاذ الغرب من أزماته الاقتصادية المتكررة.
أهمية كبيرة
وحول أسباب اكتساب مبادئ الاقتصاد الإسلامي أهمية خاصة في العالم في أعقاب الأزمة المالية العالمية الأخيرة أوضح عبدالعال: هنالك عدة أسباب لذلك، أهمها الأزمة العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي قبل نحو أقل من خم أعوام وما تبع ذلك من تحليل مالي واقتصادي في كثير من العواصم الغربية التي جاءت خلاصتها أن النظام الرأسمالي بشكله الحالي هو أحد أهم أسباب الأزمة إن لم يكن هو السبب الرئيسي فيها، ودعا حينها الكثير من أقطاب السياسة والاقتصاد في العالم الغربي إلى ضرورة النظر والإمعان في تجربة الاقتصاد الإسلامي ومقارنة أوضاع المصارف الإسلامية أثناء الأزمة العالمية بنظيراتها من البنوك التقليدية.
وأود الإشارة هنا إلى كتاب »اقتصاد ابن آوى« للباحثة الإيطالية »لورينا نابليوني« التي ذكرت فيه أن الاقتصاد الإسلامي سوف يلعب دوراً هاماً في إنقاذ الاقتصاد الغربي، واقترحت الباحثة عدة بنود للتعاطي مع الأزمات المالية على مستوى العالم، وجاء في مقدمة تلك المقترحات تخفيض نسبة الفائدة إلى الصفر، وهو ما يتطابق تماماً مع إلغاء الربا في النظام المالي الإسلامي.
العامل الديموغرافي
وأشار عبدالعال إلى أهمية العامل الديموغرافي في انتشار الاقتصاد الإسلامي، واوضح في هذا الإطار أن عدد سكان العالم الإسلامي يقدر حالياً بحوالي 1.6 مليار نسمة والمتوقع أن يصل الى 2.2 مليار نسمة في العام 2030، وذلك وفقاً لدراسة أعدها مركز »بيو للدين والحياة العامة«، بالتالي نلحظ أن عدد المسلمين يمثلون حوالي ربع سكان العالم ويتوقع أن يصل عدد المسلمين حول العالم إلى عدد مساوٍ لتعداد الديانة المسيحية خلال العشرين عاماً القادمة، وهذا بحد ذاته يمثل قوة اقتصادية كبيرة جداً.
وعن دوافع تشجيع حكومات العالم على نشر ثقافة الاقتصاد الإسلامي قال عبدالعال: الواقع أن العالم الإسلامي هو رافد مهم لقطاع المال والأعمال في العالم، وهذا مؤداه المزيد من التعامل مع العالم الغربي الذي يتطلع إلى عالمنا الإسلامي باعتباره مصدراً كبيراً لقطاع الأعمال لديهم، فالدراسات التي لديهم والتي دعت الكثير من العواصم الغربية الى التداعي والمناداة لجعل مدنهم عواصم للاقتصاد الإسلامي وفي مقدمتها لندن وباريس تقول إن 18% من البالغين من المسلمين لديهم حسابات مصرفية.
ويرى الكثير من المحللين الماليين أن هذه السنة تعتبر من أقل النسب مقارنة بغيرها من الدول غير الإسلامية لمن يملكون حسابات مصرفية في العالم ويرجعون تدني هذه النسبة في دول العالم الإسلامي إلى المعتقدات الدينية. ويقرر البنك الدولي أن تطوير منتجات مالية متوافقة مع التربية الإسلامية من شأنه أن يؤدي إلى زيادة هذه النسبة بواقع 10% عما هو موجود حالياً من المتعاملين مع القطاع المصرفي.
مرجع عالمي
ويؤكد عبدلالعال أن دبي بما تملكه من مقومات قادرة على أن تلعب هذا الدور الهام يكفي دبي فخراً بأنها كانت منارة لإطلاق بنك دبي الإسلامي الذي تم تأسيسه عام 1975 كأول بنك إسلامي متكامل الخدمات، ليصبح بعدها البنك الرائد في مجال الخدمات والمنتجات المصرفية الإسلامية، وهو يرسي المعايير في هذا المجال مع زيادة الطلب على المنتجات والخدمات المصرفية الإسلامية في المنطقة والعالم.
وأضاف: منصة الانطلاق مهيأة تماماً لدبي باعتبارات العوامل التاريخية المتمثلة في نشأة بنك دبي الإسلامي، بالإضافة الى التطورات الكبيرة التي تشهدها دبي في مجال إصدار التشريعات المنظمة لبيئة الأعمال والمال، والتي كان آخرها ما أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، بإنشاء اللجنة العليا للتشريعات في دبي لتنفرد بجميع المسائل التشريعية، بما يضفي المزيد من الطمأنينة والشفافية للاستثمارات المالية القائمة، أو المحتملة، أضف إلى ذلك العمل الدؤوب والكبير في مجال الصكوك التي تعتبر أبرز أدوات التمويل طويل الأجل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية للمشروعات التنموية، وهي تقابل السندات في أدوات التمويل التقليدي.
فمنذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008 تزايد الإقبال العالمي على إصدار الصكوك بشكل ملحوظ، حيث بلغ إجمالي الإصدارات العالمية منها خلال الفترة 1996 2012 حوالي 426 مليار دولار أميركي، منها 139 مليار دولار أميركي في عام 2012.
أويرى عبدالعال أن الإسلاموفوبيا المتفشِّية في الغرب تدعم السوق السياحيَّة الإسلاميَّة، فهي ستجبر مزيدًا من السياح المسلمين على البحث عن وجهاتٍ بديلة، يستطيعون فيها الاستجمام دون مضايقات، وهذا سيوفر سوقًا خصبة للمستثمرين، خصوصاً وأن السوق السياحيَّة الإسلاميَّة تشهد نموًّا لافتًا في أنحاء العالم، حيث تمثل 10% من سوق السياحة العالميَّة، وتتربع على عرش أسرع القطاعات نموًّا نتيجة تنامي الثروة من جهة، وحرص السائح المسلم على اللجوء للمرافق والمنشآت الملتزمة. ودعنا لا ننسى أن متوسط إنفاق السائح المسلم يزيد ما بين 10 إلى 50% عن إنفاق السائح العادي، في قطاعَي سياحة الأعمال والسياحة الترفيهيَّة.
وبالتالي فإن مسار السياحة العائلية الحلال الذي تبنته مبادرة الاقتصاد الإسلامي قادر على أن يجد وسائل متعددة لتحقيق الأهداف الموضوعة له بتوفير شواطئ مميزة تحترم القواعد الإسلاميَّة، ورحلات بحريَّة في الخليج العربي، وجولات لمشاهدة التراث الإماراتي بالإضافة الى الرحلات في الصحراء، خصوصاً وأن دبي كانت دائماً واحة للتسامح والتعايش الإنساني السلمي بين كافة شعوب الأرض.
سوق الصكوك
وبحسب عبدالعال فإن أحدث التوقعات المتاحة تشير إلى تنامي إصدارات الصكوك في العالم بنسبة 30% في عام 2014، و20% في عام 2015، ثم بنسبة لا تقل عن 15% سنوياً بين عامي 2016 2018.
ورغم هذه الزيادة الكبيرة، فإن التوقعات تشير إلى استمرار نمو الطلب العالمي على الصكوك بنسب يفوق كثيراً حجم الإصدارات منها، وذلك لاعتبارات عديدة يأتي في مقدمتها العائد الثابت المتحقق من المساهمة في ملكية أصول أو منافع وتوافق ذلك مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يعني استمرار وجود فجوة في الطلب على الصكوك على مدى السنوات الخمس القادمة، والتي يتوقع أن تبلغ 230 مليار دولار أميركي في عام 2014 وحوالي 187 مليار دولار أميركي في عام 2018.
فرص نمو
وفي ضوء الفرص الهائلة التي توفرها هذه التوقعات للنمو في سوق الصكوك العالمية، جاء إطلاق مبادرة »دبي مركز عالمي للصكوك« في أواخر شهر فبراير 2013، ، وذلك بهدف نقل إمارة دبي إلى طليعة المراكز الرئيسية لإصدار وإدراج وتداول الصكوك.
وجاء إطلاق هذه المبادرة بالاعتماد على ما تمتلكه مدينة دبي من رصيد وخبرة طويلة في هذا المجال، وامتلاكها لسوق مالي متطور يحظى بثقة المستثمرين، ويمثل منصة متكاملة ورائدة في العالم من الناحية التنظيمية والتشغيلية، بالإضافة إلى توفر عدد كبير من المؤسسات المصرفية والمالية، التي تتخذ من إمارة دبي مقراً لها ولأنشطتها المختلفة، فكان تجاوب المؤسسات المحلية مع إطلاق هذه المبادرة ملحوظاً، حيث قام عدد من المؤسسات والشركات الوطنية كهيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا)، وطيران الإمارات، ومصرف الشارقة الإسلامي وشركة أعمار اخيراً، بإدراج صكوكها في ناسداك دبي، البورصة العالمية للمنطقة بالإضافة الى شركة دار الأركان السعودية، وذلك دعماً منها لمبادرة »دبي مركز عالمي للصكوك«، ورغبةً منها في المساهمة بتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي.
ويشير عبدالعال إلى أن ارتفاع إجمالي قيمة الصكوك المدرجة حالياً في دبي لتحتل المرتبة الثالثة عالمياً بين مراكز إدراج الصكوك - هي طفرة يجب الوقوف عندها طويلاً، لأن هذا الارتفاع الكبير يعكس ثقة المستثمرين في أسواق الدولة عموماً وفي إمارة دبي على وجه الخصوص، ويرشح لمزيد من الإصدارات خلال الأعوام المقبلة لمحاولة سد الفجوة ما بين قوى الطلب والعرض، وأيماناً من المؤسسات والشركات المختلفة بإمكانيات وقدرة دبي لتكون عاصمة للاقتصاد الإسلامي ومركزاً دولياً لإصدارات الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
ويشدد عبدالعال على أهمية تأثير دبي كمركز للتمويل الإسلامي على باقي القطاعات، ويقول إن جعل دبي مرجعاً عالمياً ومركزاً رئيسياً للتمويل الإسلامي بجميع أدواته، يحمل بين طياته الكثير من الأهداف الفرعية والدعائم التي يمكن أن نستند عليها لتحقيق ذلك الهدف وذلك من خلال منظومة عمل متكاملة تغطي جميع أدوات التمويل الإسلامية وما تحتاجه من مؤسسات بنية تحتية وتشغيلية.
ولعل التغلب على الصعوبات والتحديات التي تواجه صناعة التمويل يأتي في أولويات هذا البند من خلال معالجة القصور الحادث في عملية التنظير والتأطير الشرعي للمنتجات القائمة أو من خلال تطوير مفهوم الهندسة المالية لابتكار العديد من المنتجات والخدمات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، أن تجربة التمويل الإسلامي خلال الأربعين عاماً الماضية أظهرت الكثير من المؤشرات الموجبة والسالبة التي يجب الوقوف عندها بالتحليل الدقيق لمعرفة كيف يجب على المبادرة أن تتعاطى وتتفاعل معها.
مجمع الصناعات الحلال يسد الفجوة الغذائية
تشير تقديرات إلى أن 80 % من تجارة الحلال العالمية يتم تصنيعها في دول غير اسلامية، فإن هذا يحمل مخاوف بشأن موثوقية وسلامة هذه المنتجات وكيفية تطبيق الضوابط الشرعية، وهنا تظهر دبي بمبادرتها الاستثنائية التي تشمل إطلاق مجمع للصناعات الحلال ، لتسد هذه الفجوة العملاقة بين جمهور المستهلكين المسلمين ومنتجي الحلال حول العالم وتعمل على مد جسور الثقة لأن دبي كاسم وكتاريخ وكمبادرة كفيل بعكس المعادلة وردم تلك الهوة السحيقة من خلال تذليل وحل الكثير من العقبات ووضع الضوابط الناظمة للعملية الإنتاجية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار النمو المتسارع لقطاع الأغذية والمنتجات الحلال في العالم مدعوماً بنمو سكاني هائل في العالم الإسلامي.
ومن الضروري إنشاء هيئة علمية وشرعية لتطوير الأبحاث وإصدار الفتاوى في هذا المجال ويكون من ضمن اختصاصاتها اعتماد المواصفات والمعايير والضوابط للمنتجات الحلال واعتماد هذه المنتجات، العامل الأهم في هذه الصناعة أنها موجهة إلى عدد مهول من المستهلكين المسلمين بالعالم سواء على مستوى الأغذية او منتجات الصيدلة ومستحضرات التجميل ، بالإضافة الى أن المنتجات الحلال صار لها الكثير من الرواج في أوساط المستهلكين غير المسلمين بعد أن وصلوا الى قناعة بالمنتجات الحلال من النواحي الصحية.
ويتيح إطلاق المجمع لدبي الاستفادة من سوق عالمية متنامية لمنتجات الحلال والتي تقدر قيمتها بنحو تريليون دولار عالمياً، بالإضافة إلى أنه من المتوقع أن تبلغ قيمة واردات الأطعمة الحلال إلى منطقة دول مجلس التعاون الخليجي 53,1 مليار دولار بحلول عام 2020.
حيث من المتوقع أن تستورد الإمارات وحدها أطعمة حلال بقيمة 4.8 مليارات دولار بحلول نهاية العقد الحالي. وما يدعم ذلك المجمع كذلك هو موقع الإمارة الاستراتيجي على بعد مسافة قصيرة من أسواق الحلال الأخرى مثل إندونيسيا وتركيا وباكستان ومصر وإيران. وسيسهم هذا المجمع في تحفيز الشركات العاملة في القطاع على تأسيس منشآت خاصة بها للتصنيع والخدمات اللوجستية بالتعاون مع مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي وهيئة الإمارات للــــمواصفات والمقاييس، وبلدية دبي. دبي البيان
تمازج وتجانس مساقات المبادرة
التمازج والتجانس الكبير بين المسارات والمساقات المختلفة للمبادرة يجسد عبقرية فذة ذات رؤىً ثاقبة تتطلع للمستقبل وتتفاعل معه ، لأنها رؤى لا لبس فيها. لأن جميع هذه الركائز تتكامل وتتقاطع مع بعضها البعض لتشكل أساساً صلباً تنطلق منه الدولة والإمارة في تحقيق تطلعاتها ولإبهار العالم من جديد في هذا التنافس كما هي أبهرته من قبل في مواقف عديدة.
كل ذلك يدعونا للتأكيد أن دبي وبما عرف عنها من قيادة راشدة استثنائية واقدام ومبادرات ونجاحات تلو النجاحات جذبت القاصي والداني قادرة على أن تنال شرف أن تكون عاصمة للاقتصاد الإسلامي ويحق لعالمنا الإسلامي والعربي التفاعل والفخر بهذه المبادرة وبهذه القيادة التي تتطلع للمركز الأول في شتى المجالات لأنها مدينة تعرف هدفها وطرق الوصول إليه بكل فاعلية من خلال تخطيط واضح وتنظيم رائع وفكر مستنير وقدرات بشرية وعقلية، فدبي كانت نقطة الانطلاق للاقتصاد الإسلامي وستكون درةً له، ولها الحق في أن ترتدي تاجه.


