"جرافيك"

قال خبراء استثمار إسلامي إن صناعة الاستثمار الإسلامي تعاني معضلة الدجاجة والبيضة من حيث إن زيادة حجم الاستثمارات الإسلامية وتوسيع قاعدة المستثمرين شرط ضروري لتطوير منتجات استثمارية تنافسية، في حين أنه لا توجد منتجات استثمار إسلامي تنافسية تكفي لجذب المستثمرين وزيادة الأصول الإسلامية المُدارة.

وقال الخبراء في تصريحات خاصة للبيان الاقتصادي إلى أن تجاوز هذا الموقف ممكن من خلال وضع تشريعات حكومية صارمة تفضي إلى تأسيس صناديق تقاعد حكومية بخيارات إسلامية وتشجع صناديق الثروة السيادية والوحدات الحكومية على إدارة استثماراتها في أسواق المال العامة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما سيؤدي في النتيجة إلى زيادة حجم الاستثمارات الإسلامية وبالتالي تطوير منتجات استثمارية يمكن من خلالها التنافس مع المنتجات التقليدية وفي أسواق عالمية.

ولفت الخبراء إلى أن الاستثمارات الإسلامية ما زالت تفتقد لما يعرف بـ«وفورة الحجم» وهي ميزة تتحقق للبنوك والشركات كبيرة الحجم.

حيث إن كبر حجم استثماراتها يسهم في خفض متوسط التكلفة لكل وحدة منتجة، حيث إن التكاليف الثابتة يتم تقسيمها على عدد أكبر من المنتجات، وبالتالي يزيد في حجم المعروض. كما أن الشركات التي تعتمد على هذه الميزة التنافسية تستطيع أن تنافس في أسواق جغرافية مختلفة، حيث إن تكلفة إضافة سوق جديدة أقل نسبياً من التكلفة التي يمكن أن تدفعها شركة جديدة أو صغيرة.

ويتراوح حجم الطلب العالمي على صناديق التقاعد الإسلامية من 160 مليار دولار (587.6 مليار درهم) إلى 190 مليار دولار (693.5 مليار درهم) بالرغم من أن حجم العرض أقل من ذلك بكثير. وأضاف الخبراء أن التوسع العالمي وتطوير منتجات فعالة تضاف إلى الصناديق القائمة على الأسهم أو المنتجات القائمة على الودائع، وتوظيف استراتيجيات نمو تحد من تكاليف التشغيل من شأنه دفع عوائد المساهمين في المصارف الإسلامية الذي لا تتجاوز 7% بالمقارنة مع عوائد البنوك التقليدية التي تصل إلى 14%.

قاعدة المستثمرين

وأكّد جمال بن غليطة، الرئيس التنفيذي لـ «الإمارات الإسلامي» أهمية تطوير منتجات جديدة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، لتوسيع قاعدة المستثمرين وزيادة حجم الاستثمارات مشيراً إلى أن «الإمارات الإسلامي» قادر على تقديم استثمارات جديدة في المنتجات المهيكلة المرتبطة بالأسهم والعملات والسلع، مع إمكانية إجراء تغييرات غير متناهية في عملية تطوير تلك المنتجات المهيكلة لتناسب الاحتياجات الفردية للمستثمرين، بما في ذلك الأنواع المختلفة من الصكوك المتحولة ومستويات حماية رأس المال، ومدة الاستثمار في المنتجات وإمكانية تحويلها إلى سيولة نقدية.

وأضاف: هناك عدد قليل من الصناديق غير المحلية التي تلبي متطلبات العملاء في الدولة، يصل حجم العديد منها إلى ما دون الـ 10 ملايين دولار أميركي. وبالإضافة إلى ذلك، هناك الكثير من التداخل في سوق الصناديق المتاحة (الصكوك أو الأسهم الخليجية). وأشار إلى أن «أولفندس بنك» الإسباني الذي يعتبر أكبر منصة للاستثمار في الصناديق في العالم، يمتلك 50 صندوقاً استثمارياً متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ويوفر 15 صندوقاً منها فرصة الاستثمار في الصكوك.

زيادة المعروض

وقال بن غليطة أن تطوير صناديق مرتبطة بأنشطة التأجير هو خيار آخر لزيادة المعروض من المنتجات الاستثمارية الإسلامية، لا سيما وأن التأجير هو القطاع الأقل تمثيلاً في المنتجات الشرعية، وحالياً يوجد هناك عدد قليل جداً من مزودي الصناديق الذين يوفرون صناديق تتيح الاستثمار في أنشطة التأجير. ومع ذلك، يسهل تنظيم صناديق التأجير المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية والتي يمكنها أن تكون مكملة للصكوك المطروحة.

فرص المشاركة

وأضاف بن غليطة أن هناك مبادرة أخرى يمكن أن تساهم في زيادة المعروض من المنتجات الاستثمارية الإسلامية، وتتمثل بتزويد المتعاملين بفرصة المشاركة في الطروحات الخاصة على المدى القصير (التي تمتد من عام إلى عامين) والتي يتم ترتيبها في العادة لصالح المستثمرين من ذوي الخبرة. وغالباً ما يتم ترتيب هذه الطروحات في الأسواق المحلية، والسبيل الوحيد لدخول المستثمرين فيها هو عبر إبرام اتفاقيات مع البنوك المحلية.

الصكوك

وحول سبل حفز الاستثمار في الصكوك قال بن غليطة: يعتبر قطاع الصكوك صغيراً من حيث الحجم إلا أنه يزداد بشكل تدريجي، ويوجد في السوق نحو 60 إصداراً من الصكوك المقومة بالدولار الأميركي، والتي تعد قابلة للتحويل إلى سيولة ويمكن لمتعاملينا الاستثمار فيها عبر «الإمارات الإسلامي». وهذا يحد من فئة الأصول ذات الدخل الثابت. ومن جانب آخر، تعد سوق الصكوك المقومة بالعملات المحلية أكبر من حيث الحجم (لا سيما في ماليزيا وتركيا واندونيسيا وباكستان)، إلا أن دخول المستثمرين الدوليين إلى هذه الأسواق يتسم بصعوبته البالغة.

العرض والطلب

وقال الدكتور سيّد فاروق، الرئيس العالمي لأسواق رأس المال الإسلامية في تومسون رويترز إن مفتاح تعزيز المنتجات المالية الإسلامية يكمن في إطلاق سياسات حكومية موجهّة للقطاع الخاص لتشجيعه على رفع مستوى العرض، وبناء محافظ أوسع من حيث التنوع والنوعية. وأضاف: في الوقت الراهن، فإن المؤسسات المالية التي تخدم العملاء الراغبين في المنتجات الإسلامية لا تزال تركز كثيراً على أحد طرفي الطيف، إما الصناديق القائمة على الأسهم أو المنتجات القائمة على الودائع.

وفي الآونة الأخيرة، أصبحت صناديق الصكوك أكثر شعبية، ولا يوجد هناك ما يكفي من المنتجات التي تتمتع بسجل أداء قوي، كما يفتقد القطاع وجود أصول مدارة كبيرة بحيث تجذب المستثمرين. وهذا الوضع أشبه بمعضلة الدجاجة والبيضة.

وقال فاروق أن هنالك سبيلين لتعزيز قاعدة عملاء الخدمات المصرفية الإسلامية هما إما وضع تشريعات صارمة يتم من خلالها وضع خطط لتأسيس صناديق للتقاعد المحدد مع وضع خيار للاستثمارات البديلة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، أو من خلال تشجيع صناديق الثروة السيادية أو الحكومية على إدارة استثماراتهم في أسواق المال العامة بطريقة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. ونحن لم نرَ لغاية الآن أي دولة في العالم الإسلامي قامت بذلك.

وأضاف: تقوم ماليزيا المعروفة بتفكيرها المتقدم على تشجيع ذلك فمثلاً، سيقوم صندوق ادخار الموظفين قريباً بتقديم بدائل متوافقة مع الشريعة الإسلامية للمساهمين. وكذلك قام صندوق الاستثمار السيادي الماليزي «خزانة» بتشكيل فرق كبيرة لتطوير أدوات استثمارية استراتيجية متوافقة مع الشريعة الإسلامية.

قرار الاستثمار

وأشار فاروق إلى أنه في نهاية المطاف، ينبغي أن يستند قرار المستثمر الإسلامي على الأداء على المدى الطويل مقابل تحقيق مكاسب قصيرة الأجل. وأضاف: بالتأكيد، قد تعاني محفظتك على المدى القصير، ولكن إذا كانت قائمة على استراتيجية الاستثمار على المدى الطويل الصلبة والتنوع الكاف، فعندها لا يجدر القلق بشأن النتائج على المدى القصير.

وأضاف: لسنوات عديدة، اعتمدت المصارف الإسلامية على توقعات النمو ومعدلات الاختراق المنخفضة لاسترضاء المساهمين الذين لم يكونوا راضين تماماً عن عوائدهم الاستثمارية. واليوم تحتاج البنوك الإسلامية إلى طرح بعض الأسئلة الصعبة وترشيد هيكلية التشغيل الخاصة بهم لتعزيز الحجم، وخفض التكاليف التشغيلية، وزيادة الكفاءة والنمو في أسواق جديدة ذات هوامش أعلى وفرص نمو أقوى.

نصائح

ونصح فاروق المستثمرين الإسلاميين بالدخول في أسواق جديدة ذات نسبة اختراق منخفضة وتقدم المزيد من فرص النمو. وأضاف: من المهم أن تتحرك المصارف الإسلامية نحو أسواق جديدة خصوصاً مع ازدياد المنافسة في السوق الأصلي.

وتشمل تلك بلداناً في آسيا الوسطى مثل كازاخستان، وغرب وشرق أفريقيا وإندونيسيا. وقد تكون تلك الأسواق صغيرة نسبياً الآن، إلا أن هوامشها أعلى مع إمكانات قوية للنمو على المدى الطويل.

استراتيجيات

وأضاف أنه على المصارف الإسلامية تطوير تنتج هوامش عالية وذات رأس مال منخفض بما في ذلك أسواق رأس المال وترتيب وإدارة الثروات، إضافة إلى أن تقليل النفقات العامة. وأضاف: تحتاج المصارف الإسلامية إلى توظيف استراتيجيات نمو بهدف تقليل للحد من تكاليف التشغيل، فمثلاً يمكن توظيف التقنيات لدعم الصيرفة الالكترونية من دون الحاجة إلى فروع.

واقع الحجم

من جانبه قال الدكتور ألكسندر فون بوك، مدير الاستشارات المالية في مؤسسة إيه تي كيرني إن الفرق في العائد على حقوق المساهمين بين المصارف الإسلامية والتقليدية يرتبط بمعظمه مع واقع حجم البنوك الإسلامية.

وأضاف: على سبيل المثال، أصول البنوك التقليدية عبر دول مجلس التعاون الخليجي في المتوسط أكبر بـ 2-4 مرات بالمقارنة مع المصارف الإسلامية، لكن العديد من البنوك الإسلامية الكبيرة مربحة بشكل ملحوظ، مع تخطي العائد على حقوق المساهمين لـ 20٪. ما يعني أن البنوك الإسلامية الأصغر تحتاج للنمو لتصبح أكثر ربحية.

ثلاث نقاط

ولفت فون بوك إلى ضرورة النظر في ثلاث نقاط رئيسية لدعم المنتجات الاستثمارية التي تشمل عادة صناديق الاستثمار المشترك، أو صناديق الاستثمار المتداولة، أولها، حاجة المستثمرين إلى وجود مؤسسات استثمارية قادرة على توفير معروض منتجات إسلامية تتمتع بكفاءة كافية، لذا فإن استقطاب ورعاية المواهب المتميزة تمثل عنصراً رئيسياً لزيادة العرض.

وثانياً، فإن أسواق الأوراق المالية في بلدانهم من البنوك الإسلامية تكون في العادة غير ناضجة بالشكل الكافي من حيث الحجم، والعديد من الأسهم لا تتسم بالسيولة.

بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما تكون هناك قيود على المستثمرين الأجانب، لذا فإن تعزيز أسواق الأوراق المالية هذه - على سبيل المثال عن طريق توحيد البورصات - سيكون له أثر إيجابي على المعروض المنتجات الاستثمارية الإسلامية. أما المجال الثالث، فهو منافسة المنتجات الاستثمارية الإسلامية للمنتجات الاستثمارية التقليدية.

فهذه الأخيرة غالباً ما تحمل ميزات - مثل حماية رأس المال - ترتبط مع استخدام المشتقات. وسيكون لمواصلة تطوير المشتقات الإسلامية أثر إيجابي لوضعها على قدم المساواة مع المنتجات المنافسة التقليدية.

نمو قوي في حجم الودائع والتمويلات الممنوحة

قال الدكتور محمود سيد عبد العال الرئيس التنفيذي للشركة الإسلامية للتمويل «آفاق» إنه وفي ظل نتائج مؤسسات التمويل الإسلامي التي تم الاعلان عنها حتى الآن فإن قطاع التمويل الإسلامي مرشح لتحقيق نمو إيجابي ونتائج «مرضية» خلال السنوات الخمس المقبلة.

وأضاف: أعتقد أن الفرصة قوية لتحقيق معدلات نمو في أرباح القطاع المصرفي الإسلامي في 2014 وفقاً لتقديرات حجم الأعمال والنشاط الاقتصادي ومؤشرات النمو القوية في حجم الودائع والتمويل الممنوح.

ولفت عبد العال إلى أن هذا القطاع لا يزال يتشكل ويتكون مدعوماً بعوامل الطلب الكبير الذي يقابله في نفس الوقت محدودية في العرض، كما أن الازدهار الاقتصادي الذي تشهده الدولة حالياً تعد محركاً رئيسياً لنمو أعمال البنوك بشكل عام والمصارف الإسلامية بشكل أكبر بالاستناد للنمو والتفاؤل الذي يسود مجتمع الأعمال والثقة في القطاع المصرفي بشكل عام والقطاع المصرفي الإسلامي بشكل خاص.

ولفت إلى أن الناظر لمختلف قطاعات الاقتصاد الإسلامي على الصعيد العالمي أو المحلي يلحظ أن الصكوك لا تزال أبرز أدوات التمويل طويل الأجل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية للمشروعات التنموية خلال الفترة المنقضية من العام 2014.

وأضاف: أعتقد أن الإصدارات المتعددة خلال النصف الأول من العام كانت بمثابة قفزة عملاقة حيث ارتفع إجمالي قيمة الصكوك المدرجة حالياً في دبي إلى 22.23 مليار دولار أميركي (81.58 مليار درهم)، مع العلم بأن حجم الصكوك المدرجة في بورصة دبي كان يتراوح بين ثمانية وتسعة مليارات دولار.

ولفت عبد العال إلى أن صناعة التمويل الإسلامي مستمرة في النمو مدفوعة بعوامل العرض والطلب والفرص التي توفرها الجهات الحكومية على مستوى العالم، ونعتقد أن صناعة التمويل الإسلامي ستشهد تركيزاً على أربعة مجالات رئيسية في السنوات الأربع المقبلة، هي تعزيز الاستقرار المالي، والمساهمة بشكل أكبر في الاقتصاد الحقيقي، وتوسيع نطاق تقديم المنتجات والخدمات لزيادة عدد العملاء، وأخيراً تطوير الأبحاث لتحسين كفاءة هذه الصناعة.

وأضاف أن المصرف المركزي لديه رؤية بعيدة المدي ويتفاعل مع الأحداث المالية والاقتصادية بكل خبرة وحنكة، فمن خلال التعليمات الجديدة الخاصة بالتمويل العقاري وضع حماية تحول دون الوقوع في الاقراض غير المنضبط وتنظيم وترشيد العمل في هذا القطاع الهام ، وأضاف: "نعم قد يكون هناك تأثير على عمليات التمويل والرهن العقاري من الناحية المصرفية ، إلا أن ذلك لم يؤثر على القطاع نفسه الذي يشهد أرتفاعات ملموسة دعت المصرف المركزي أخيراً الى التحذير من حدوث بعض الاختلالات."

صناديق استثمارية

اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«الإمارات الإسلامي» أن إنشاء صناديق للاستثمار في الأسهم التي تركز على موضوع استثماري معين أو منطقة محددة، هو أحد أهم السبل لزيادة المعروض من المنتجات الاستثمارية الإسلامية. وأضاف جمال بن غليطة: يمكن أن تشتمل مواضيع تلك الصناديق على الاستثمار في قطاع التكنولوجيا؛ والطاقة والصادرات أو الصناديق ذات الصلة بالبنية التحتية ضمن الأسواق الناشئة.

وحالياً هناك عدد قليل جداً من الخيارات فيما يرتبط بالصناديق المتداولة في البورصة والصناديق الاستثمارية الأخرى، وعلى الرغم من ذلك فإن مؤشري داو جونز وستاندرد آند بورز للأسهم المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية يضمان حالياً ما يقرب من 3,000 سهم.