دعا الدكتور عبد الحق حميش من كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة في قطر، إلى ضرورة الإسراع إلى إنشاء وتكوين مجمع عالمي لفقهاء التمويل والمصارف الإسلامية ، حيث يعد موضوع التمويل والمصارف الإسلامية من أهم المواضيع المطروحة على الساحة الاقتصادية اليوم، بسبب تأثيره الكبير في اقتصادات الدول في العالم الإسلامي، وبسبب الجدل الواسع حوله من قبل علماء المسلمين الذين انقسموا ما بين محلل لمعاملاتها ومحرم لها، أو متوقف عن الفتوى، لعدم اتضاح الصورة أمامه، كما طالب بوضع الضوابط والشروط اللازمة في أعضاء هذا المجمع، آملاً أن تكون هذه الفكرة محركة لهمم المهتمين والمتخصصين والباحثين في هذا المجال، لتعميقها وبلورتها، كي يحسن تنفيذها والاستفادة منها على أرض الواقع.

مكونات مهمة

وقال حميش إنه من الطبيعي أن تحتضن دبي هذا المجمع العالمي، لأنها أصبحت منذ السنة الماضية عاصمة للاقتصاد الإسلامي في العالم كله، ولتوفرها على البنية التحتية التشريعية والشرعية والقانونية والبشرية، وللدور الكبير الذي بإمكانها القيام به في تطوير هذا القطاع، ووضع معايير شرعية جديدة، ووضع الأسس الملائمة للرقابة الشرعية والمالية الإسلامية، من خلال سلسلة المشاريع والبرامج الاستراتيجية التي طرحتها المبادرة في هذا المجال..

إن دبي قد اتخذت خطوات إبداعية ورائدة كثيرة، كما أنها تتمتع بمنشآت وبنية تحتية متطورة، يؤهلها لتحقيق هذه الرؤية. وأن تكون دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي حاضنة ومظلة لهذا المجمع العلمي العالمي هو حاجة ملحة.. فمن خلال أنشطته وأبحاثه ومعاييره الشرعية يتم دعم وتعزيز الاقتصاد الإسلامي الذي أصبح يشكل أحد المكونات المهمة في الاقتصاد العالمي، حيث يقدر حجم قطاع الاقتصاد الإسلامي حالياً في الاقتصاد العالمي بنحو ثمانية تريليونات دولار على مستوى العالم، ويتجاوز متعاملوه نحو ربع سكان العالم، وهذا من شأنه أن يخدم الاقتصاد الإسلامي ويعزز من مكانته العالمية.

دور مطلوب

وقال حميش إن الناس يتهامسون ويتساءلون: هل تقوم الهيئات الشرعية المعنية في تلك البنوك والمؤسسات بدورها المطلوب منها في مراقبة المعاملات البنكية؟ أم أنها تستعمل كأداة دعم تستغلها تلك البنوك لتسويغ ما تقوم به البنوك التقليدية وبعض البنوك الإسلامية من معاملات محرمة تحت مسميات وصيغ شرعية؟

إنّ من أكثر الانتقادات التي وجهت وتوجه للمصرفية الإسلامية، عدم التزامها بتطبيق المعايير الدقيقة في تعاملاتها الاستثمارية لضمان خلو معاملاتها المالية من أية شبهة قد تُخرجها من نطاقها الشرعي..

ونظراً لاتساع الاجتهاد في المسائل المصرفية في الأعوام الأخيرة، بصورة لم يشهد العالم الإسلامي مثلها منذ مئات السنين، وهذا الاجتهاد قد يصحبه - أو صحبه فعلاً - بعض الخطأ..

ونظراً لتعدد المرجعيات في المؤسسات المالية الإسلامية وتضاربها في بعض الأحيان.

ولعدم الإلزام أو الالتزام بالقرارات التي تصدرها الهيئات الإسلامية والمجامع الفقهية اليوم، واجتهاد كثير من المؤسسات المالية الإسلامية بمفردها، ما أوقعها في كثير من الأخطاء والمحاذير، ومشكلة نفس الوجوه المتكررة في جميع هيئات الرقابة الشرعية في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية..

ترشيد العمل

كل ذلك وغيره، استوجب قيام مجمع عالمي موحد لفقهاء الاقتصاد والتمويل والصيرفة الإسلامية، من أجل ترشيد العمل المصرفي الإسلامي وتصحيح مساره..

من هنا، يدعو الباحث إلى إنشاء مجمع فقهي اقتصادي تتركز أنشطته وأبحاثه وندواته وملتقياته حول الصناعة المالية الإسلامية، يتكون من خبراء الفقه الإسلامي الذين لهم باع طويل في فقه المعاملات والاقتصاد الإسلامي، ومن جملة مماثلة من خبراء الاقتصاد والتمويل والتخطيط والإدارة والقانون التجاري، الذين، إضافة إلى براعتهم في تخصصهم العلمي (الوضعي) لهم خلفية كبيرة في الشريعة الإسلامية جمعوا بين التخصصين بعد طول دراسة وبحث وتمحيص...

إن المجامع الفقهية تؤدي دوراً حيوياً مهماً لا غنى عنه، لكنه ما زال يحتاج إلى مزيد اجتهاد وبحث وتحقيق، وعليه، فلن يكون مقبولاً، وبأي حال، وتحت اسم الاجتهاد الفقهي وضرورة الاختلاف في الآراء، القبول باجتهادات تُبقي حقيقة الربا باستخدام آلية يراها البعض شرعية، أو أن نقبل باجتهادات تخالف مقاصد الشريعة الإسلامية في تحريم الربا، أو اجتهادات تسمح بتصرفات يكون مآلها النهائي أن تؤدي إلى حقيقة الربا وإن اختفت صورته..

الطريق القويم

إن أمور الاقتصاد والصيرفة والتمويل بالغة التعقيد، ولا بد لوضعها على منهج إسلامي سديد من مرجعية شرعية واحدة موحدة تسددها وترشدها إلى الطريق الإسلامي القويم، واشترطنا أن تكون هذه المرجعية واحدة، للأسباب التالية:

أ ـ عموم الجهل بالأحكام الشرعية الدقيقة من بعض من تسلقوا سلم الفتوى، وأصبح لهم مكانة مرموقة في المجتمع لأسباب مختلفة، ما نتج عنه ظهور فتاوى خاطئة ومتساهلة، أوقعت المسلمين في الحرام أو في شبهة.

ب ـ دقة هذه الأحكام وتشعبها وتعدد المذاهب الاجتهادية فيها، ما يثير البلبلة والتشويش ويوقع المستثمرين في الارتباك والتشكك في أمر الحلال والحرام.

أسئلة وإجابات

إن التفكير في إيجاد وتكوين هذا المجمع العلمي العالمي لفقهاء الاقتصاد والتمويل والصيرفة الإسلامية، سيجيب عن عدة أسئلة مهمة، مثل:

مدى الحاجة إلى وجود مرجعية عليا موحدة للفتوى في مجال الاقتصاد الإسلامي والصيرفة الإسلامية، وكيف السبيل للوصول إلى هذه المرجعية؟؟

هل قرارات المجامع الفقهية ملزمة للهيئات الشرعية في البنوك والمصارف الإسلامية؟

ما هي الجهة المرجعية المسؤولة عن كل ما يتعلق بالعمل المصرفي الإسلامي والوسائل اللازمة لتطويره؟

على عاتق من تقع مسؤولية رفع التحديات التي تواجه الصناعة المصرفية الإسلامية؟

هل باستطاعتنا ومقدورنا إنشاء مجمع اقتصادي يجمع الفقهاء العارفين بفقه المعاملات والاقتصاديين المتمكنين من الصناعة المصرفية والتمويلية؟

ما هي الشروط والضوابط التي يجب توفرها في أعضاء مثل هذا المجمع؟؟

وهل المجامع الفقهية المعاصرة شاملة لجميع الأطياف الفقهية، سواء كانت المدارس المقاصدية أو العقلية أو التجديدية من جهة والمدارس التقليدية من جهة أخرى، أم أنّ هذه المجمعات لم ترق بعد إلى هذه الحالة؟

كيف يمكننا النهوض بمثل هذه المجامع لتستطيع النظر ومعالجة قضايا من زوايا عديدة، كالاقتصادية والاجتماعية والطبية وغيرها من المسائل العصرية، وهل يعدّ أحد الأسباب الرئيسة في عدم دخول قراراتها الانتشار والتأثير المطلوب، وكيف يمكن لها أن تنهض بمثل هذا الجانب؟

أهداف متوقعة

تطوير وابتكار المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

توحيد الأدوات والصيغ والمنتجات، وردم هوة الاختلافات بينها، وهذا كله يتطلب إيجاد معايير شرعية موحدة.

تزويد إدارات المصارف الإسلامية بالتوجيهات والإرشادات، التي تساعد هذه الإدارات على فهم القرارات والضوابط الصادرة عن المجمع الفقهي ومتطلبات تطبيقها والالتزام بها.

الملاحظات والأخطاء الشرعية، التي يمكن أن تقع أثناء التنفيذ، بذلك تكون متضمنة للخطط التصحيحية لتلك الأخطاء.

تطوير المنتجات ومساندتها في كيفية المزج بين الضوابط الشرعية والتطبيقات المصرفية للخروج بمنتج يكون منضبطاً من الناحية الشرعية وقابلاً للتطبيق من الناحية العملية.

تولي مهام تدريب موظفي البنوك الإسلامية على الضوابط الشرعية للمنتجات المصرفية الإسلامية.

وكذلك دعم العمل المصرفي الإسلامي، من خلال عقد الندوات وورش العمل بين أعضاء الهيئات الشرعية والعملاء والموظفين، للإجابة عن استفساراتهم وزيادة وعيهم بالعمل المصرفي الإسلامي.

المجمع مرجعية

توحيد الهيئات الشرعية، وذلك بإيجاد مرجعية عليا على قمة الأجهزة المصرفية، تنظر في المعاملات المستحدثة والمنتجات الجديدة..

وضع قوانين وضوابط وأحكام وأدلة عملية للمعاملات الموجودة أصلاً من الصيغ المعروفة..

مراقبة أداء الهيئات الشرعية، وحتى تكون آراؤها نهائية وملزمة للجهاز المصرفي.

مواجهة إشكالية تعدد الفتاوى وتضاربها أحياناً في المصارف الإسلامية.

وفي الوقت نفسه، يوجد مرونة كافية لأعضاء هيئات الرقابة الشرعية للاجتهاد والفتوى التزاماً بالأحكام الشرعية والقواعد الفقهية.