حدث في هذا التوقيت من العام المنصرم، ما فاق، في نظر الكثيرين من المراقبين، التوقعات الأكثر تفاؤلاً، وهو تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بشخصه الكريم، زمام قيادة تغيير الخارطة العالمية للاقتصاد الإسلامي، بإعلان سموه مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي.
وشكل هذا الإعلان، علامة فارقة في التاريخ الحديث للاقتصاد الإسلامي، فلم يسبق من قبل، وعلى مدار عقود من الزمان، أن حظي الاقتصادي الإسلامي برعاية رسمية بهذا الحجم الضخم من الدعم المادي والمعنوي، والذي تجسد في حشد وتعبئة موارد وطاقات وإمكانيات، تُمكن الاقتصاد الإسلامي من شغل مكانته المرجوة والمنشودة على خريطة الاقتصاد العالمي.
وفي مثل هذا التوقيت من العام المنصرم، وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أسس وركائز الرؤية المعززة لتولي دبي مهام القيادة العالمية للاقتصاد الإسلامي، وتتمثل هذه الركائز في تقديم الدعم لمنتجات الاقتصاد الإسلامي في شتى القطاعات، وتأمين إطاره الاستثماري، ضمن معايير متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حينذاك وبالحرف الواحد:
«إن ما تتمتع به إمارة دبي بوجه خاص من اقتصاد حر مرن ومفتوح قادر على استيعاب المتغيرات، وفتح آفاق جديدة ورحبة باستمرار، وتنوع اقتصادها وما تمتلكه من بنية تحتية وتقنية ولوجستية، تؤهلها لأن تستوعب إضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي إلى باقة القطاعات الاقتصادية الفاعلة في الإمارات».
مرحلة جديدة
وطفا على سطح التطورات الكثير من التساؤلات التي يتداولها المراقبون والمتتبعون لمجريات الاقتصاد الإسلامي، وفي صدارتها، البحث عن الدوافع والبواعث وراء اندفاع إمارة دبي بقوة نحو تولي مهمة القيادة العالمية للاقتصاد الإسلامي، فقد أتت المبادرة لتدشن فصل جديد ومغاير بشكل كلي عن النهج الذي كان متبعاً من قبل وارتكز هذا النهج في جوهره على إعمال آليات الاقتصاد الحر.
وبفضل هذا النهج، تمكنت إمارة دبي من إحراز نجاحات كبيرة كمنصة ذات كفاءة للمنتجات المالية والمصرفية الإسلامية، بل، وتمكنت من مزاحمة مراكز مالية عتيدة في هذا المجال كلندن وماليزيا، وبدت الصورة في مجملها أن دبي أرادت، قبل الإعلان عن رعايتها الرسمية للاقتصاد الإسلامي أن ترسي قواعد وركائز الاقتصاد الإسلامي من أسفل وليس من أعلى، بأن تدع آليات السوق تتولي بذاتها تدشين البنى التحتية لهذا الاقتصاد، بحيث تأتي الرعاية الرسمية كقوة محفزة على توجيه هذا الاقتصاد ضمن مسارات وأهداف محددة.
ضمانات النجاح
وأياً كانت نوعية التفسيرات لأسباب إطلاق إمارة دبي مبادرة تجعل منها العاصمة العالمية للاقتصادي الإسلامي، فإن معالي الوزراء والمسؤولين في إمارة دبي لم يغمضوا أعينهم ويغلقوا آذانهم عن هذا النقاش، بل عملوا جاهدين على تقديم أجوبة شافية على هذه التساؤلات، وبالطبع فإن خطاباتهم الرسمية اكتسبت المصداقية والموضوعية لانطلاقها من مقومات وركائز تشهد بما لا يدع مجالاً للشك بأن إمارة دبي تمكنت بالفعل، من قطع شوط كبير على طريق البروز كمركز مالي ومصرفي إسلامي يضارع أكثر المراكز قدماً في هذا المجال.
وتجلت تعبيرات هذا الخطاب بشكل جلي وواضح، في ما اسماه معالي محمد القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء ورئيس اللجنة العليا لتطوير الاقتصاد الإسلامي بدبي، وتكمن الضمانة الأولى لنجاح مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي في الرؤية الثاقبة والنافذة للقيادة الرشيدة، فهذه المبادرة لا تعد المبادرة الأولى التي يطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ولكنها تعبر عن رؤية جريئة وطموحة، فمن شأن إلقاء نظرة سريعة على الإنجازات المتحققة في السنوات السابقة، أن يعطي الشعور بالثقة الكاملة في مبادرات قيادتنا الحكيمة..
وتتمثل الضمانة الكبرى لنجاح هذه المبادرة في متابعة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لها، وحدد معالي محمد القرقاوي الضمانة الثانية الكفيلة بنجاح مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي في كون إمارة دبي تمثل جزءاً من دولة الإمارات العربية المتحدة، وشرح مضمون هذه الضمانة بقوله: «تعد مدينة دبي جزءاً من دولة الإمارات التي تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة، وتتمتع بموقع جغرافي متميز على الصعيد العالمي، حيث تمثل الدولة محوراً رابطاً بين نحو 2.5 مليار نسمة حول العالم خلال فترة طيران تصل إلى حوالي أربع ساعات..
كما تمتلك الدولة بنية تحتية تعد الأفضل على مستوى العالم، فضلاً عن شبكة علاقات تجارية مع أكبر الاقتصاديات في العالم، إلى جانب امتلاكها شبكة مواصلات وخطوط طيران من الطراز الأول على مستوى العالم، كما أن اقتصادها يتميز بالتنوع الكبير، ويتوافر لديها كذلك بنية تنظيمية وتشريعية تعد الأفضل إقليميا، وفوق كل ذلك، تمتلك دولة الإمارات ثقة العالم، وتعطي هذه المؤشرات جميعاً الثقة في نجاح مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي».
واعتبر معالي محمد القرقاوي خبرة الإمارات ودبي في مجال الاقتصاد الإسلامي بمثابة الضمانة الثالثة لتحقيق طموحات إمارة دبي لأن تكون عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، وتحدث عن مضمون هذه الضمانة بقوله: «لدى إمارة دبي سجل تاريخي ثري وغني في مجال التمويل الإسلامي، فهي صاحبة السبق في تأسيس أول بنك إسلامي على صعيد العالم، وهو بنك دبي الإسلامي..
وتحتضن الإمارة اليوم ثمانية بنوك إسلامية بإجمالي أصول قيمتها حوالي 270 مليار درهم، فضلاً عن النوافذ الإسلامية في المصارف التقليدية والتي لديها خبرة في إصدار الصكوك الإسلامية وتوفير بيئة مصرفية على درجة عالية من الاحترافية، حيث تحضن إمارة دبي أكبر عدد من المصارف الدولية على مستوى المنطقة، إلى جانب تواجد مؤسسات مالية واستثمارية عالمية من خلال مركز دبي المالي العالمي.
وحدد معالي محمد القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء، المرونة في اتخاذ القرارات ورسم السياسات على أنها تمثل رابع ضمانة لنجاح مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، وأوضح دلالات هذه الضمانة بقوله: « تمتلك دولة الإمارات عموماً وإمارة دبي خصوصاً مرونة كبيرة، في اتخاذ القرارات ورسم السياسات ومواكبة التغيرات، حيث يتسم نظام اتخاذ القرارات بالسرعة والفاعلية، كذلك تتحلى الإمارة بقدر عال من المرونة في تعديل القوانين واللوائح والتشريعات، فضلاً عن السرعة في إنشاء المؤسسات الحكومية والجهات الرقابية والتحكيمية».
وأوضح معالي محمد القرقاوي الضمانة الخامسة لنجاح مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي بأنها تتمثل في ثقافة المجتمع والأعمال بقوله: « تهيمن الثقافة الإسلامية على المجتمع في دولة الإمارات، وهي تضرب بجذورها في عمق التاريخ الإسلامي، وهو ما يكسبها ميزة كبيرة، وثقة في ما تقوم بطرحه من خدمات ومنتجات مالية إسلامية، وفي ما يتصل بثقافة الأعمال، فإنها تتميز بكونها منفتحة على الجميع، فضلاً عن أنها ثقافة تتطور بشكل متواصل ومستمر، فهي غير جامدة، حيث انها قادرة على أن تتقبل كل ما هو جديد ».
مقومات وركائز
وفي السياق ذاته، قدم عيسى كاظم محافظ مركز دبي المالي خطاباً تفسيرياً لأسباب تدشين مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، وينطلق هذا الخطاب من ما تتمتع به دبي من مزايا تنافسية قوية في هذا القطاع، وما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة ومتكاملة في هذا المجال، بهدف إكساب اقتصاد دبي قيماً مضافة جديدة، بما يؤدي إلى دعم العملية التنموية والتطويرية في إمارة دبي.
وقال عيسى كاظم ان استراتيجية تطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي تواصل المضي قدماً للأمام في توسيع آفاق النمو في مجالات عديدة من خلال دعم تطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي، مشيراً إلى أن هذه الاستراتيجية تستند إلى الاستفادة من المقومات الضخمة والإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها إمارة دبي في مجال التمويل الإسلامي، حيث يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول الإسلامية نحو 8 تريليونات دولار..
كما تتمتع هذه الاقتصاديات بكثافة سكانية هائلة في حدود 1.6 مليار نسمة، وتمتلك كذلك تجارة بينية نشطة في ما بين بعضها البعض والتي تُقدر قيمتها بنحو 4 تريليونات دولار، وهو ما يشكل 11 % من إجمالي التجارة الخارجية الدولية التي تتميز بمعدلات نمو سريعة تصل إلى 42 % سنوياً.
واستدرك عيسى كاظم في حديثه بقوله : «إزاء هذه المقومات والإمكانيات التي يمتلكها الاقتصاد الإسلامي، هناك فجوات كبيرة تكمن في ثلاثة محاور تضم كلا من البنية التشريعية والخدمات المالية الإسلامية والسلع الاستهلاكية، وتعمل الاستراتيجية على معالجة هذه الفجوات من خلال العمل على محاور ثلاثة، تشمل : أولاً : تأسيس بنية تشريعية قوية من خلال وضع أنظمة خاصة للرقابة التشريعية والرقابية، ثانياً :
وضع المعايير الخاصة بالمنتجات الإسلامية، ثالثا: وضع المعايير الخاصة بالجودة، على ان ترتكز هذه المحاور على قطاعين رئيسيين، وهما الاقتصاد الحقيقي، والإنتاج، ويشمل هذين القطاعين كلاً من المنتجات الحلال والتصنيع والترويج واعتماد وتصديق المواد الغذائية والسياحة والبنوك والتعليم».
الاقتصاد الحقيقي
وتوازى مع هذه التفسيرات التي تنطلق من سجل إمارة دبي الحافل بالنجاحات في مجال التمويل الإسلامي، بروز تفسيرات تتعلق بذكاء إمارة دبي في الاستفادة من توجهات العالم نحو الاقتصاد الحقيقي نتيجة لتداعيات الأزمة المالية العالمية.
وهكذا، وفي مثل هذا التوقيت من العام المنصرم جاءت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بجعل دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، لتقدم رؤية ثاقبة في رسم مستقبل الدور الاقتصادي للإمارة على الصعيد العالمي، وهي تستفيد من إنجازات الماضي القريب، واحتياجات الحاضر، في تقديم إطلاله لما سوف يكون عليه المستقبل.
تحويل الرؤية إلى استراتيجيات وآليات تنفيذية
منذ هذا التوقيت من العام المنصرم الذي شهد إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، انطلقت جهود كافة الجهات المعنية في دبي لوضع المبادرة موضع التنفيذ في أسرع نطاق زمني ممكن، حيث حظيت المبادرة بإشراف ومتابعة من سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي.
ففي غضون فترة وجيزة بكافة المقاييس، جاء اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تشكيل اللجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي بدبي والتي تعمل وفق منظومة متكاملة لتطوير هذا القطاع، واعتمد سموه أيضاً 6 مبادرات أساسية تعمل عليها اللجنة بشكل فوري ووجه سموه بالانتهاء من جميع المبادرات التي تم اعتمادها خلال الستة أشهر القادمة ورفع تقارير دورية لسموه بمدى التطور في تنفيذ خطة العمل المعتمدة..
وضمت اللجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي بدبي والتي اعتمدها سموه، كلاً من معالي محمد عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء رئيس المكتب التنفيذي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رئيساً للجنة، وسامي القمزي مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية نائباً للرئيس، وضمت اللجنة في عضويتها أيضاً كلاً من عبدالعزيز الغرير نائب رئيس مجلس إدارة مركز دبي المالي العالمي ..
وحسين ناصر لوتاه مدير عام بلدية دبي والدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي وعبدالرحمن سيف الغرير رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي وحسين القمزي الرئيس التنفيذي لبنك نور الإسلامي بالإضافة لعيسى كاظم الرئيس التنفيذي لسوق دبي المالي أمينا عاما للجنة، وأجاز القرار للجنة ضم من تراه مناسباً لعضويتها لتحقيق الهدف من الإنشاء.
تنفيذ توجيهات
وبدا جلياً للعيان، تفاني مختلف الجهات المعنية في دبي في عملها الدؤوب لتنفيذ توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وبطبيعة الحال فإن أحد الأهداف الرئيسية للمبادرة يتمثل في استكمال البيئة التنظيمية والتشريعية ووضع منظومة شاملة ومتكاملة من المعايير الخاصة بقطاع الاقتصاد الإسلامي بما في ذلك الخدمات المالية الإسلامية والمنتجات والسلع الغذائية، الأمر الذي يعد أحد المرتكزات الرئيسية للبناء على ما تحقق من نجاحات عدة للمبادرة خلال تلك الفترة الزمنية الوجيزة منذ إطلاقها والوصول بها إلى أهدافها المبتغاة.
وظهر تفاني الجهات المعنية في العمل جلياً في ما يمكن وصفه مجازاً بـ«كشف الحساب » عن أداء اللجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي بدبي والذي قدمه معالي محمد عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء رئيس اللجنة في احد المؤتمرات الصحفية، حيث أكد أن اللجنة تمكنت خلال 6 شهور من إنجاز 7 توجهات و 46 مبادرة.
كشف الحساب
واستعرض معالي محمد القرقاوي الجهود التي بذلتها اللجنة في هذا المجال بقوله: «في ظل توجيهات ومتابعة سمو الشيخ حمدان بن مـحمد بن راشد، عملت اللجنة العليا لتطوير الاقتصاد الإسلامي على مسارين أساسيين، أولهما: يتمثل في إعداد خطة عمل طويلة الأجل، وثانيهما : يتمثل في التطوير المستمر والمتواصل من خلال المعالجة اليومية لمختلف القضايا والموضوعات، وعكفت اللجنة خلال الأشهر الستة الماضية على إنجاز العديد من القضايا والمسائل، وتمكنت من إنجاز نحو 46 مبادرة».
مركز تطوير الاقتصاد الإسلامي
وقبل أن يسدل العام المنصرم أستاره، أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، رعاه الله، بصفته حاكماً لإمارة دبي القانون رقم (13) لسنة 2013، بشأن إنشاء "مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي"، كما أصدر سموه المرسوم رقم (42) لسنة 2013 بتشكيل مجلس إدارة المركز برئاسة معالي محمد عبدالله القرقاوي.
استجابة عملية وموضوعية للاحتياجات
شكل قرار تشكيل مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي استجابة عملية وموضوعية للاحتياجات الملحة والضرورية والتي من شأن تلبيتها أن تقود إلى تطوير قطاع الإسلامي على أسس سليمة ومستدامة، حيث يتسع نطاق التأثيرات الإيجابية لتشمل ليس فحسب مجال تطوير الأطر المؤسساتية المناط بها مسؤوليات ومهام محددة في مجال معالجة مختلف التحديات التي يواجهها التمويل الإسلامي..
وإنما كذلك، الدفع نحو تشجيع الابداع والابتكار للوصول إلى حلول لمشاكل التمويل الإسلامي تواكب روح العصر، فضلاً عن كونه يمثل أساسا قويا لانطلاق شراكات تجمع بين الحكومة والمؤسسات المالية والمجتمعات العلمية والأكاديمية.
وجاء قرار تشكيل المركز في أعقاب سلسة من المؤتمرات والندوات التي تميزت بحضور مكثف من جانب نخب متميزة تضم مفكرين وباحثين في الاقتصاد الإسلامي من مختلف المناطق في العالم.
دبي.. مركز عالمي لإصدارات الصكوك
منذ هذا التوقيت من العام المنصرم والذي شهد إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، تدفقت المبادرات التنفيذية الواحدة تلو الآخر، وتمثلت باكورتها في إطلاق خطة تنفيذية تهدف إلى توطيد مكانة دبي كمركز عالمي لإصدارات الصكوك، تتضمن تأسيس بنية تشريعية ومؤسساتية مواتية، وتحفيز جهات الإصدار على إدراج إصداراتها في السوق المحلية فضلا عن جعل إصداراتها من أدوات الدخل الثابت على هيئة صكوك عوضاً عن السندات.
اهتمام عالمي
ومع تزايد الاهتمام العالمي بالصكوك، وتسارع وتيرة إصدارها في أسواق المال العالمية، ارتأت اللجنة العليا لتنفيذ مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي، أن الفرصة سانحة للولوج في هذا المضمار، فقررت أن تكون أولى المبادرات التنفيذية، هي مبادرة «دبي مركزاً عالمياً للصكوك».
واستعرض عيسي كاظم الأمين العام للجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي المحاور الرئيسية للخطة التنفيذية الهادفة إلى توطيد مكانة إمارة دبي كمركز عالمي لإصدارات الصكوك، بقوله : يتمحور التركيز حول إرساء البنية المؤسساتية والتشريعية، فضلا عن القوانين والأنظمة والمعايير الخاصة بالمنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية ومقاييس ضبط الجودة..
وتكفل هذه البنية المؤسساتية تهيئة البيئة المواتية لتطوير قطاعين اقتصاديين مهمين، وهما قطاع الاقتصاد الحقيقي بما يشتمل عليه من منتجات الحلال والتصنيع والترويج ومعالجة المواد الاستهلاكية وفقا للشريعة الإسلامية، أما القطاع الثاني، فيتمثل في القطاع المالي بما يتضمن مصارف ومؤسسات مالية إسلامية، إلى جانب أنشطة التمويل الإسلامي والتأمين الإسلامي، وتأتي مبادرة تحويل دبي إلى مركز عالمي للصكوك في قلب القطاع المالي.
سوق الصكوك
والجدير بالذكر أن سوق الصكوك خلال السنوات الخمس التالية على عام 2001 قد تطورت بوتيرة متسارعة، وبلغت قيمة إصدارات الصكوك خلال هذه المرحلة حوالي 87 مليار دولار، وقفزت هذه القيمة خلال السنوات الأربع المحصورة بين عامي 2006 و 2010 إلى ما يزيد على 108 مليارات دولار، ثم واصلت مسارها نحو المزيد من الارتفاعات خلال العامين الأخيرين لتبلغ قيمة إصدارات الصكوك إلى 224 مليار دولار.
وتميز أداء سوق إصدارات الصكوك في العالم بالقوة خلال الربع الأخير من العام 2012، وتراجعت قوة هذا الأداء نسبياً خلال الربع الأول من العام 2013، لكن وصلت قيمة إصدارات الصكوك والسندات الخليجية خلال الاشهر الستة الأولى من العام 2013 إلى 31.2 مليار دولار، مقابل 31 مليار دولار قيمة إصدارات الصكوك خلال العام 2012 بأكمله، فيما بلغت قيمة إصدارات الصكوك الخليجية خلال الفترة نفسها 11.2 مليار دولار، مقابل 11 مليار دولار، وهو ما يعادل ثلث قيمة إصدارات الصكوك على مستوى العالم.
وتوفر الخريطة الجغرافية لإدراجات صكوك إمارة دبي الأرضية الملائمة لانطلاق الإمارة صوب شغل المكانة الأولى لإدراجات الصكوك على الصعيد العالمي، حيث تشغل حاليا المرتبة الثالثة عالمياً في ما يتعلق بإدراجات الصكوك بقيمة تصل إلى حوالي 9.4 مليارات دولار، وهي مدرجة في كل من سوق دبي المالي وبورصة ناسداك دبي، وأنه إذا ما تم إدراج جميع إصدارات إمارة دبي من الصكوك في الأسواق المحلية للإمارة، فإن بإمكان الإمارة أن تشغل المرتبة الثانية عالمياً..
وإنه إذا ما أمكن إصدار 50 % من أدوات الدخل الثابت على هيئة صكوك، فإنه بإمكان إمارة دبي أن تشغل المرتبة الأولى عالمياً، كما تحل منطقة الشرق الأوسط في المرتبة الثانية بعد ماليزيا من حيث قيمة وحجم إصدارات الصكوك، وان دولة الإمارات تأتي في المرتبة الأولى ضمن دول الشرق الأوسط في إصدارات الصكوك.
فضلاً عما سبق، فإن هناك فجوة كبيرة بين الطلب العالمي على الصكوك وحجم الإصدارات التي يتم طرحها سنويا، وتتراوح هذه الفجوة بين 150 و 200 مليار دولار، وهو ما يعني أن هناك طلباً عالمياً متزايداً على إصدارات الصكوك، وأن ما يجري طرحه من إصدارات لا يكفي لتلبية احتياجات هذا الطلب، وهذه الفجوة بين الطلب والعرض في سوق إصدارات الصكوك تعطي حافزا قويا للعمل على التحول من السوق التقليدية إلى السوق الإسلامية.
منصة للصكوك
وتزامن مع إعلان البنك الإسلامي للتنمية برنامجاً لإصدار وإدراج صكوك بقيمة 37 مليار درهم في بورصة ناسداك دبي، تصاعد وتيرة المطالب من جانب الخبراء والمحللين الماليين بأن تعمل بورصة ناسداك دبي على إطلاق منصة تداول خاصة لإصدارات الصكوك والسندات، بحيث تكون هذه المنصة قوة محركة لتطوير أسواق المال في المنطقة بما يعينها على المساهمة بشكل أكبر في تلبية الاحتياجات التمويلية لمختلف القطاعات..
وليست مجرد مقصد لإدراج الإصدارات، واعتبر خبراء ماليون أن هناك حاجات ملحة تملي ضرورة التحرك قدماً للأمام نحو إطلاق منصة متخصصة في التداول الثانوي على أدوات الدخل الثابت بشقيها الصكوك والسندات، ولكنهم دعوا إلى ضرورة أن تتميز هذه المنصة بمواصفات تُحفز المُصدرين والمستثمرين على اختيارها دون سواها من المنصات المتماثلة الموجودة حول العالم، لكي تكون المقصد المُفضل لعمليات التداول والإدراج للصكوك والسندات.
برنامج للإصدارات
وجاء إعلان البنك الإسلامي للتنمية برنامجاً لإصدار وإدراج صكوك بقيمة 37 مليار درهم في بورصة ناسداك دبي، بمثابة إضافة جديدة ومهمة لسجل النجاحات المتتالية التي تحققها مبادرة (دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي)، التي تكتسب وبشكل متواصل شركاء استراتيجيين من المؤسسات المحلية والإقليمية والعالمية على حد سواء.
وعمد البنك الإسلامي للتنمية إلى زيادة حجم برنامجه لإصدار الصكوك من 24 مليار درهم إلى 37 مليار درهم، وذلك في إطار تكثيف دعمه المالي لمشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الأعضاء، التي يقدم لها تمويلاً ويصل عددها إلى 56 دولة.
مكامن القوة
تجلت مكامن قوة البورصة في تزايد النظرة إليها على أنها صارت مقصداً طبيعياً لإصدارات صكوك وسندات إمارة دبي، من بينها إصدارات شركات « إعمار» و«جافزا» و«هيئة كهرباء ومياه دبي» و«طيران الإمارات»، واتباع سوق دبي المالي خطة تنفيذية تهدف إلى توطيد مكانة دبي كمركز عالمي لإصدارات الصكوك..
وهي تعد اول خطة تنفيذية يجري الإعلان عنها ضمن تنفيذ المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الهادفة إلى جعل دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، وتشكل الخطة عملية تنفيذية مستمرة تستلزم تأسيس بنية تشريعية ومؤسساتية مواتية، وتحفيز جهات الإصدار على إدراج إصداراتها في السوق المحلية فضلا عن جعل إصداراتها من أدوات الدخل الثابت على هيئة صكوك عوضاً عن السندات.
خصائص متميزة
ترتكز طبيعة مخرجات المراكز المالية الإسلامية على مكونات الاقتصاد الإسلامي مثل المصارف الإسلامية، الاستثمار الإسلامي، المنتجات المالية الإسلامية، صناديق الاستثمار، الصكوك، الأسواق المالية الإسلامية، التأمين الإسلامي، الزكاة والمواريث والصدقات، الوقف ومجالات استثماراته، هيئات الفتوى والرقابة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية،..
لذلك فإن وجود أنظمة تحويل العملات ومنصات تداول ذات كفاءة عالية لتداول أدوات الأسواق المالية الإسلامية وكذلك وضوح الأنظمة والقوانين وتطوير آليات الإفصاح والإنفاذ سوف تساعد على إيجاد قاعدة للمستثمرين المتخصصين في مجال أنشطة الخدمات المالية الإسلامية وتعمل على إيجاد سوق مالية تتصف بالثبات والاستقرار المالي، إلى جانب دعم وتطوير الفكر القيادي والذي سوف يضع معايير معتمدة لصناعة الخدمات والمنتجات المالية والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية مقبولة عالميا.
إسهام رئيسي
جاءت مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي بمثابة إسهام رئيسي في توجه العالم نحو صياغة اقتصاد عالمي جديد متعدد القطبية، بعدما أظهرت الأزمة المالية العالمية أن القوانين والأنظمة المالية لم تكن على مستوى تطور أسواق المال والخدمات المالية مما أوجب إعادة النظر في الضوابط الرقابية..
وبمبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الاسلامي، صار بإمكان الدول العربية والإسلامية الدخول إلى هذا النادي الجديد. وتؤدي المبادرة إلى تطبيق أفضل الممارسات الأخلاقية في الخدمات والمنتجات التي يقدمها قطاع المصرفية الاسلامية.
1.76 تريليون دولار حجم أصول التمويل الإسلامي
قال عبيد سيف حمد الزعابي مدير فرع هيئة الأوراق المالية والسلع بدبي ان قطاع التمويل الإسلامي شهد تطوراً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية، فقد أظهرت دراسة حديثة أن حجم الأصول المدارة في قطاع التمويل الاسلامي حول العالم قد بلغ 1.76 تريليون دولار أميركي مع نهاية عام 2012 مسجلا نموا سنويا نسبته 24.8% خلال الفترة من عام 2008 الى 2012. تنمو بمعدل من 15-20 % سنويا وحققت نسبة نمو بلغت 150 % خلال الخمس سنوات الماضية
واستدرك شرحه لتطورات قطاع التمويل الإسلامي بإشارته إلى أن حجم القطاع في دول مجلس التعاون الخليجي قد بلغ 434 مليار دولار بنهاية عام 2011 مسجلا ارتفاعا بلغ 62 مليار دولار مقارنة بالعام الذي سبقه، وتشكل الصيرفة الإسلامية ما نسبته 28.7% من أصول القطاع في دول مجلس التعاون الخليجي حيث سجلت نموا بنسبة 12% خلال عام 2011..
كما بلغت إصدارات الصكوك العالمية بنهاية 2012 مبلغ 43.5 مليار دولار أميركي بنمو بلغ 55% مقارنة بالعام الذي سبقة بينما بلغت قيمة الصكوك المتاحة للتداول على مستوى العالم 243 مليار دولار بنهاية يونيو 2012، كما شهدت الصناديق الإسلامية نموا ملحوظا من حيث العدد وحجم الأصول المدارة وفي نهاية عام 2011 بلغ حجم الصناديق الإسلامية 16.9 مليار دولار مسجلة نموا بنسبة 3.5% خلال العام.
وتوقع عبيد سيف حمد الزعابي أن يصل حجم سوق التأمين التكافلي إلى 25 مليار دولار بنهاية عام 2015 وتنمو بنسبة 20 % سنويا بينما بلغت قيمة مساهمات التكافل في عام 2012 في حدود 12 مليار دولار أميركي.
31 مؤسسة تعليمية في التمويل الإسلامي
أشارت النتائج الأولية لتقرير مؤشر تطور قطاع المصرفية الإسلامية الصادر عن مؤسسة "تومسون رويترز" بأن هناك أكثر من 533 مؤسسة تعليمية توفر دورات أو تمنح شهادات في التمويل الإسلامي في العالم. وقد كشف التقرير احتلال دولة الإمارات العربية المتحدة للمرتبة الثالثة عالمياً في تطور قطاع المصرفية الإسلامية، حيث تضم 31 مؤسسة تقدم مساقات تعليمية للصيرفة الإسلامية، إلى جانب تسع جامعات تقدم شهادات ذات صلة.
124 مليار دولار حجم القطاع المصرفي الإسلامي في الإمارات 2015
وفقاً لدراسة تحليلية أجرتها "تحسين للاستشارات"، وهي شركة استشارية متخصصة تقدّم المشورة حول القضايا الاستراتيجية والتنظيمية في العالم العربي، فإنه من المتوقع أن يصل حجم قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية في دولة الإمارات إلى 87 -124 مليار دولار أميركي بحلول عام 2015..
وهذا ما سيقود بدوره إلى توفير حوالي 7800 فرصة عمل في البنوك الإسلامية في حال حافظت نسب تركيز الأصول على معدلاتها الحالية. وبالإضافة إلى ذلك، ستوفر قطاعات الخدمات الإسلامية الأخرى 500 فرصة عمل. وفي حال استمرار التطور على هذه الوتيرة، فإن عدد عدد العاملين في مجال الخدمات المصرفية سيتضاعف من حوالي 10 آلاف موظف حالياً إلى 20 ألف موظف بحلول عام

