أكّد خبراء تمويل إسلامي أن تشريعات ومعايير إصدار الصكوك في بورصة ناسداك أصبحت اليوم بنفس سوية التشريعات في بورصات عالمية مثل ماليزيا ولندن، مؤكدين أن نضوج بورصة ناسداك التي أصبحت ثالث أكبر بورصة لإصدار الصكوك في العالم وتطور بيئتها التشريعية سيجعلان إدراج الصكوك فيها أكثر جاذبية بالنسبة للشركات الخليجية والإقليمية الراغبة بإصدار هذه الصكوك خلال السنوات القليلة المقبلة، خصوصاً مع تركيز على الدولة ورغبتها في أن تصبح منصة عالمية لإصدار وتجارة تلك الصكوك.

ووصف المسؤولون في المؤسسات المالية الإسلامية انخفاض حجم إصدار الصكوك في دول مجلس التعاون العام الماضي بأنه "عرضي"، ولن يؤثر في النظرة الإيجابية لإصدار الصكوك هذا العام التي من المتوقع أن يصل حجم إصداراها هذا العام إلى مستويات عام 2012 على الأقل.

وأثار المتحدثون خلال ندوة استضافتها جمعية المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات أمس في دبي لبحث مزايا وتحديات إصدارات الصكوك الإسلامية العديد من القضايا، بما فيها توجهات نمو الإصدارات العالمية للصكوك الإسلامية واحتمال ازدياد شعبية وآجال استحقاق هياكل تلك الصكوك. كما يمكن أن يكون المستثمرون على ثقة تامة أن أسواق البورصة المحلية في الإمارات تتبع معايير عالمية ومؤكدين أن دبي لديها القدرة وتتمتع بموقع رائد لتصبح مركز أسواق المال الإسلامية العالمية.

محدودية المنتجات

وقال كريج هيوويت النائب الأول لرئيس دائرة تنمية الأعمال في ناسداك دبي إن أحد التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي هي محدودية المنتجات الإسلامية القابلة للإدراج في البورصة والتي يمكن تقديمها للمستثمرين لأن العديد من المنتجات كالمشتقات والعقود الآجلة تعتبر "غرر" وهي غير متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وأضاف أن عدد الإصدارات في المنطقة كبير ..

ولكن نسبة صغيرة فقط يتم إدراجها في البورصات المحلية. وأضاف: "نلاحظ أن الشركة المصدرة تكون إماراتية ولكنها تختار إدراج صكوكها في بورصات مثل لندن لأن ذلك كان في السابق أسهل وأسرع من حيث التشريعات.

ولكن نعلن أن تشريعات ومعايير إصدار الصكوك في بورصة ناسداك اليوم هي بنفس سوية التشريعات في البورصات العالمية". ولفت إلى أنه تم في بورصة ناسداك العام الماضي إدراج 13 أداة دخل ثابت منها 10 صكوك و3 سندات تقليدية، لافتاً إلى أن بورصة ناسداك تمكنت في غضون عامين فقط من أن تصبح ثالث أكبر بورصة لتداول الصكوك في العالم بعد بورصات ماليزيا ولندن، حيث تم في ناسداك إصدار الصكوك وصلت قيمتها إلى 6.7 مليارات دولار بنهاية الربع الثالث من العام الماضي.

نمو الطلب

وقال فواز أبو سنينة رئيس دائرة أسواق رأس المال الائتمانية في بنك أبوظبي الوطني إن هناك طلبا كبيرا من مستثمرين عالميين على الصكوك، مشيراً إلى أن تطوير البيئة التشريعية اللازمة لإصدار الصكوك والاستثمار فيها بالدولة سيجعل الإدراج في بورصة ناسداك أكثر جاذبية بالنسبة للشركات الخليجية والإقليمية الراغبة بإصدار هذه الصكوك خلال السنوات القليلة المقبلة، خصوصاً مع نضوج السوق وتحسن مستويات السيولة.

وأضاف: "السيولة ضرورية للسوق وهي تزيد مع زيادة عدد وتنوع الشركات التي تقوم بطرح الصكوك." ولفت إلى أن إصدار الصكوك في دول الخليج بلغ 31 مليار دولار بنهاية 2013 أي بانخفاض نسبته 11% عن حجم الإصدارات في 2012 التي بلغت 35 مليار دولار، مشيراً إلى أن هذا الانخفاض "عرضي" ويعود إلى تقلبات السوق على خلفية الحديث عن تقليص سياسة التيسير الكمي في الولايات المتحدة الأميركية.

وأضاف أن الصكوك احتلت 40% من إجمالي حجم الإصدارات العام الماضي، متوقعاً نمو تلك النسبة إلى 50% هذا العام تزامناً مع نمو الطلب ودعم الحكومات للصكوك كوسيلة استثمارية مدعمة بالأصول وذات جودة عالية.

نظرة إيجابية

من جانبه أشار ريتشارد أوكالاهان الشريك في لِينكليترز التي تدير إصدار الصكوك أن نظرة الصكوك إيجابية في العام القادم خصوصاً مع تنافس المراكز المالية ومنها دبي التي أطلقت العام الماضي مبادرة دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي لتصدر سوق الإصدارات وإدراك حكومات المنطقة والمستثمرين سوية لأهمية هذه الأداة الاستثمارية.

ولفت أوكالاهان إلى أن هيكلة الصكوك تشبه في الوقت الراهن هيكلة أدوات الدخل الثابت من الناحية الاقتصادية، مشيراً إلى أن المستثمرين يرغبون في الاستثمار في الصكوك لأنهم يرغبون في تنويع استثماراتهم من جهة، ولأن الصكوك ستكون مسؤولة عن تمويل العديد من مشاريع البنى التحتية الضخمة التي أعلنت عنها الحكومات الخليجية، وخصوصاً المملكة العربية السعودية والإمارات، مضيفاً أن شركات إماراتية ستقوم بطرح مزيد من الصكوك خلال العام الجاري.

وقال عامر خانصاحب، رئيس جمعية المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات التي تهدف إلى الارتقاء بالقطاع الاستثماري في الدولة إن عقد الندوة يأتي تماشياً مع طموحات دبي لتصبح مركزا عالميا لإطلاق الصكوك. وأضاف: "نتوقع طرح مزيد من إصدارات الصكوك هذا العام تزامناً مع وفرة السيولة وتسارع نمو وتيرة اقتصاد الدولة الذي انعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين". وأضاف: "بالتزامن مع تطور تفهم وتفسير التمويل والصكوك الإسلامية، أخذ المستثمرون العالميون يهتمون بزيادة معلوماتهم حول هذه الأدوات الاستثمارية.

ورغم أن دبي حريصة على تعزيز مكانتها القوية في قطاع الخدمات المالية الإسلامية العالمية، فهي تواجه منافسة قوية من أسواق مالية أخرى، لذلك من الضروري تحديث قوانين الإصدار لرفع مستوى تنافسية دبي أمام مراكز عالمية أخرى، وتثري مثل هذه الفعالية جودة المناقشات وتسهم في تنمية مهارات وخبرات أسواق رأس المال المحلية".

المخاطر والصكوك

تمثّل الصكوك الإسلامية موجودات تحتوى على خليط من النقود والديون والأعيان والمنافع، أو بعض تلك المكونات منفردة ، ونظرا لآليات إصدارها القائمة على صيغ التمويل الإسلامية ، فإنها تتعرض للمخاطر التي تتعرض لها المشروعات الاستثمارية الإسلامية..

ومن خلال النظر إلى مصادر المخاطر بصفة عامة نجد أن الصكوك الإسلامية تتعرض لعدد من المخاطر، منها: مخاطر الائتمان أو عدم وفاء العميل بالتزاماته التعاقدية كاملة وفي مواعيدها بسبب عدم كفاءة العميل أو سوء سمعته وعدم رغبته أو قدرته على السداد، ومخاطر صعود أو نزول الأسواق أو تغير مستوى أسعار الفائدة في السوق

أو تقلب سعر صرف العملات في المعاملات الآجلة، ومخاطر مرتبطة بطبيعة الصكوك الإسلامية من حيث كونها تمثل حصة شائعة في ملكية أصول، ونظرا لأن الأصول الحقيقية من سلع وخدمات تباع في الأسواق، فإنها قد تتعرض للنقص في قيمتها بفعل عوامل العرض والطلب ، أو السياسات الاقتصادية الحكومية، وغيرها من عوامل السوق..

بالإضافة إلى مخاطر التضخم أو تعرّض الأموال المستثمرة لانخفاض في قيمتها الحقيقية، فالصكوك الإسلامية باعتبارها ذات عائد متغير، وذات مكونات من نقود وديون وأعيان ومنافع.

فإن تأثرها بالتضخم يرتبط طرديا بزيادة مكوناتها من النقود والديون، وأخيراً مخاطر التشغيل التي قد تنشأ نتيجة أخطاء بشرية أو فنية أو حوادث أو كوارث طبيعية، وأخيراً مخاطر المخالفات الشرعية التي قد ترجع إلى استخدام أموال الصكوك في محرمات، سواء أكانت محرمات لعينها كالسلع والخدمات المحرمة، أم محرمات لكسبها كالربا، والقمار، والغش، والتدليس، والخديعة، الخ.

الغموض يلف بيانات الصكوك

ألقى خالد حوالدار كبير مسؤولي الائتمان في وكالة موديز للتصنيف الائتماني خلال الندوة نظرة عامة على سوق الصكوك في العالم. وقال إن التمويل الإسلامي هو مفهوم قديم ويقوم أساساً على المشاركة بالملكية، إلا أن الحديث عنه مؤخراً تقلص إلى مجرد كونه أداة لزيادة حجم الدين والائتمان في السوق، وهذا يناقض مفهوم التمويل الإسلامي في جوهره.

وأضاف: "لا يزال هنالك غموض حول صناعة التمويل الإسلامي بالرغم من حملات العلاقات العامة الكبيرة التي تعتقد أنها تدعم الصكوك، فهنالك توتر واضح بين أساسيات التمويل الإسلامي من جهة وما تم تحقيقه على أرض الواقع من جهة أخرى." وقال حوالدار إن تقييم الصكوك غير المؤمنة يخضع إلى تحليل المخاطر في الشركة المصنفة التي تقوم بإصدار الصكوك.

وأشار إلى أن وكالة موديز لا تقوم بتقييم مدى توافق الإصدار أو المنتج أو الخدمات مع مبادئ الشريعة. ولفت حوالدار إلى أن حجم إصدار الصكوك نما من 3.3 مليارات دولار في 2002 إلى 81 مليار دولار بنهاية 2012 أي بنمو سنوي 38%، إلا أن الحديث عن حجم إصدارات الصكوك يرتفع بشكل كبير وغير منطقي في بعض الأسواق أو وسائل الإعلام.

ولفت إلى أن نمو إصدار الصكوك يعود إلى أربعة أسباب رئيسة، هي نمو الطلب على الخدمات المالية الإسلامية وزيادة وعي المستثمرين العالميين بالصكوك كأداة استثمارية والدعم الحكومي الذي تلقاه الصكوك من الدول الإسلامية، إضافة إلى زيادة هيكلة الصكوك غير المؤمنة أو غير المدعمة بأصول، مؤكداً أن نمو سوق الصكوك مرتبط بنمو سوق السندات.

ونّوه حوالدار إلى أن ماليزيا التي تملك بيئة متكاملة قانونياً وتشريعياً ومالياً لإصدار الصكوك هي أكبر دولة مصدرة للصكوك منذ 20 عاماً بنسبة 62% من إجمالي الصكوك العالمية، مشيراً إلى أن الإمارات هي الأولى عالمياً في إصدار الصكوك الدولارية والثالثة عالمياً في إصدار الصكوك بنسبة 8% من إجمالي الصكوك بعد ماليزيا والسعودية.

وأشار إلى أن الشركات والمؤسسات المالية والحكومات تتقاسم سوق الإصدارات بحصص متقاربة. وقال إن السوق أصبح أكثر نضوجاً منذ 2002 حين كانت فترة الاستحقاق لا تتجاوز 5 أعوام، فأصبحت تمتد إلى حوالي 30 عاماً في بعض الأسواق الأكثر نضوجاً. وأشار إلى أن حجم الصكوك الجارية في العالم اليوم يصل إلى 266 مليار دولار من أصل 358 مليار تم إصدارها منذ 2001.

«فيتش» تتوقع نمو إصدارات الصكوك في المنطقة

توقعت وكالة التصنيف الائتماني فيتش أن تؤدي تحضيرات حكومة دبي لاستضافة إكسبو 2020 وخطط الإنفاق الحكومي في أبوظبي بالإضافة إلى خطط قطر في استضافة كأس العالم 2022 إلى نمو إصدار الصكوك في دول الخليج العربي التي تلقى دعماً من حكوماتها لتصبح المنطقة مركزاً عالمياً لإطلاق الصكوك.

وعللّت الوكالة في تقريرها الصادر انخفاض حجم إصدار الصكوك في 2013 بنسبة 12 % (تقديرية) ليصل إلى 120 مليار دولار إلى تقلبات أسواق السندات على خلفية تقليص سياسة التيسير الكمي في الولايات المتحدة، واصفة ذلك الانخفاض بأنه مؤقت ولن يؤثر في نمو الإصدارات بشكل مستقر على المدى الطويل، متوقعة أن يصل حجم الإصدارات إلى مستوى 2012 على الأقل حين وصل حجم الإصدارات عالمياً إلى 137 مليار دولار. وذكر التقرير أن عدداً من المصدرين الجدد سيدخل السوق هذا العام من بينهم بريطانيا التي تخطط لإطلاق صكوك بقيمة 200 مليون جنيه استرليني هذا العام، بالإضافة إلى لوكسمبورغ وهونج كونج اللتين اتخذتا خطوات هذا العام لطرح تشريعات جديدة لدعم إصدار الصكوك

وتوقعت الوكالة أن يبقى الطلب قوياً على الصكوك، وأن يجذب مستثمرين جدد من مصدرين من داخل وخارج العالم الإسلامي، خصوصاً وأن نمو الصكوك يبقى مرتبطاً بتحسن مستويات الثقة والنمو بشكل عام.

وذكر التقرير، أنه لا تزال هناك تحديات من شأنها أن تحد من جاذبية الصكوك للعديد من المستثمرين وتطوير سوق ثانوية ذات مستوى قوي من السيولة، منها عدم وجود هيكلية موّحدة للصفقات وعدم وجود سوابق قانونية توضح مدى قدرة المستثمرين على إنفاذ حقوقهم في العديد من الولايات القضائية.