أكد المؤتمر الدولي الثاني حول الدراسات في المحاسبة والتمويل في ختام اعماله الاسبوع المنصرم اهمية تسخير المال لخدمة الاقتصاد وان نموذج التمويل الاسلامي يسمح بالوصول الى تنمية مستدامة متشاركة ومتوازنة.
كما أكد المؤتمر على ان يكون للصناديق السيادية دور أكثر أهمية لتحقيق الاستقرار في الأسواق وأن تلعب دورا أكبر في تنمية اقتصادات الدول. داعيا الى ضرورة الاسراع في ايجاد حلول وافكار جديدة لتحقيق التنمية المستدامة والمتقاسمة بين الجميع سعيا نحو الخروج من الازمة المالية العالمية.
جاء ذلك في التوصيات النهائية للمؤتمر الذي عقد تحت رعاية معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات خلال الفترة من 15 الى 17 ديسمبر الجاري بفندق فيرمونت باب البحر في أبوظبي.
نموذج للنمو الاقتصادي
وهدف المؤتمر - الذي نظمته كلية الإدارة والاقتصاد بالجامعة - الى تبادل التجارب العالمية وطرح نماذج نمو جديدة وحلول محتملة للمساعدة على الخروج من الأزمة المالية العالمية بما في ذلك تقديم "رؤية أبوظبي الاقتصادية 2030" كنموذج للنمو الاقتصادي المستمر والتنمية المستدامة والتكامل مع الاقتصاد العالمي.
وقال الدكتور علي النعيمي مدير الجامعة ان نحو 120 خبيرا في المال والاقتصاد من أساتذة الجامعات وخبراء المراكز البحثية من 25 دولة عربية واجنبية ومنظمة التجارة العالمية ناقشوا اوراق عمل جديدة في مجال التمويل والمحاسبة وخرجوا بهذه التوصيات التي يمكن للجهات المختصة على مستوى العالم الاطلاع عليها والعمل بما تريد منها.
وبين ان الاوراق البحثية تضمنت قضايا تمويل التنمية وإعادة تشكيل العولمة والحوكمة والإنتاج والعلاقات المتغيرة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية وإدارة الدول الكبرى وسيطرتها الاقتصادية على السوق المالية العالمية وأهمية تغيير سياسة العولمة الاقتصادية بما يضمن مشاركة الجميع فيها.
الدور الوطني للجامعة
وقال الدكتور النعيمي ان المؤتمر مثل جزءا من دور جامعة الامارات في جمع ممثلين من قطاع الاعمال والصناعة مع رموز عالمية في الشؤون المحاسبية والمالية لتقديم احدث ما أفرزته المراكز البحثية في هذه المجالات.
ولفت الى ان الدور الوطني للجامعة هو خدمة المصلحة العامة من خلال معالجة مختلف المشكلات والقضايا التي تواجه المؤسسات الحكومية والخاصة على السواء. مشيرا الى اسهام الجامعة في المؤتمر بأوراق بحثية عديدة واساسية.
النظام المالي في الدولة
وقال الدكتور النعيمي ان الجلسة الرئيسة للمؤتمر تضمنت ورقة قدمها خالد علي البستاني الوكيل المساعد لشؤون العلاقات المالية والدولية بوزارة المالية حول تجربة الوزارة وسياستها المالية وتأثيرها في دعم البرامج الحكومية والتنمية الاقتصادية. وركزت الورقة على تجربة الامارات في تطوير النظام المالي المتبع في الدولة والاهتمام بالاقتصاد المعرفي الذي اصبحت تنافس فيه الكثير من الدول الاخرى.
وكان البستاني قد اكد عند حديثه حول الازمة المالية العالمية ان الامارات نجحت في تعزيز العمل المشترك في المجال المالي بين النظامين الاتحادي والمحلي مما جعلها تحرز مراكز عالمية متقدمة خلال الاعوام القليلة الماضية في العديد من المجالات.
السياسات المنفتحة
من جهته اشاد البروفسور ميشيل اجلييتا مستشار مجلس التحليل الاقتصادي التابع لرئيس الوزراء الفرنسي بالسياسات الاقتصادية والمالية المنفتحة التي تنتهجها الامارات تحت القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله).
وقال ان لدى الامارات نظاما ماليا جيدا واستثمارات مهمة بالنسبة للمستقبل بالاضافة الى الاهتمام بالجودة. مضيفا انه يمكن للامارات ان تقوم بدور مالي في المنطقة والعالم بشكل اكبر مما هو عليه الامر الان في حال تم التوصل الى حل القضية الفلسطينية والنزاع الايراني الاماراتي .
منطقة مهمة للاستثمارات
وأكد البروفسور اجلييتا انه عندما يستتب الامن والسلام والاستقرار في المنطقة العربية فانها سوف تكون منطقة مهمة جدا بالنسبة للاستثمارات الاوروبية على وجه الخصوص.
ولفت الى ان الامارات تعمل بشكل جيد لايجاد مكانة دولية لها رغم الظروف المحيطة والمخاطر الاستراتيجية المتمثلة في الاوضاع القائمة في كل من سوريا ومصر وغيرهما من دول المنطقة.
واشار في هذا الصدد الى كينيا وغانا كمثالين على التقدم والنمو في القارة الافريقية بعد ان استقرت اوضاعهما السياسية. مؤكدا ان العمل الجماعي هو السبيل الى المستقبل وان التنوع يحرك السوق ويخلق التنافس.
وأشار الى ان المؤتمر كان مهما كونه جمع خبراء وباحثين واساتذة جامعات عريقة من مختلف دول العالم الا انه رأى انه كان يمكن التوسع في المناقشات الخاصة بالازمة المالية العالمية ومناقشة انظمة مالية ومحاسبية اخرى للتعرف عليها كما في الصين على سبيل المثال.
أوراق عمل
وناقشت بعض جلسات المؤتمر أوراق عمل مقدمة من عدد من الاساتذة والباحثين والخبراء في بعض الجامعات والمؤسسات التركية من بينها ورقة حول دور المنظومة المالية الاسلامية في النظام العالمي وعدم تأثرها بشكل كبير بالازمة المالية العالمية نظرا لاختلاف مبادئ النظام المالي الاسلامي عن النظم المالية في البنوك التقليدية.
كما قدمت هذه الاوراق مقترحات لتطوير النظام المالي الاسلامي والعالمي بما يحقق الفائدة للشركات والمصارف من جهة والمستثمرين من جهة اخرى. ومن هذه المقترحات ضرورة توحيد الانظمة الخاصة بالنظام المالي الاسلامي التي تختلف من بلد او مصرف اسلامي لاخر.
ودعت ورقة عمل اخرى الى انشاء مصرف اسلامي مركزي على مستوى الدولة الواحدة وايجاد حلول للمنظومة المالية الاسلامية وابعادها عن النظام المالي التقليدي السائد في العالم. بينما دعت ورقة ثالثة الى اعادة النظر في ما يتعلق بحوكمة المؤسسات المالية الاسلامية رغم حداثتها وتوحيد المنتجات الاسلامية المصرفية مثل الصكوك والعقود نظرا لاختلافها من بلد اسلامي لاخر حيث لايوجد بلد اسلامي تطبق فيه المبادئ الاسلامية الصحيحة بالكامل وكما يجب وذلك بسبب استخدام النظام التقليدي العالمي.
نظام كوني
ومن جانبه اشار نل ميلار مدير الشؤون المالية الاسلامية في لينكلاترس بدبي في ورقته الى ان النظام المالي الاسلامي بمبادئه العادلة لا يهم المسلمين فقط بل البشرية كلها نظرا لانه يشرك عملاء المصارف المستثمرين في المعاملات الاسلامية كالمرابحة والمضاربة .
كما اشار الى ان مبادئ النظام المالي الاسلامي تهدف الى نظام كوني لا يقتصر على منفعة المسلمين ويجعل الاقتصاد في خدمة المال وليس العكس .
مشدداً على عدم حصر استخدام النظام المالي الاسلامي في الدول الاسلامية فقط. مؤكدا انه يمثل طريقة للخروج من الازمة المالية العالمية التي عصفت بكثير من الدول.
وأوضح ان النظام المالي التقليدي لا توجد فيه مشاركة في الربح والخسارة كما في النظام المالي الاسلامي ولا توجد فيه تنمية مستدامة ولا تطوير نظرا لانه يقوم على الاحتكار والربح السريع فقط وعلى الانانية الفردية.
الصناديق السيادية
ومن جهتها اكدت الدكتورة نازك سلامة روفائيل من جامعة نيويورك في ورقتها ان الصناديق السيادية تدعم الاقتصاد القومي في حالات الانهيار المالي التي رأت انها تحدث دوريا كل اربعين سنة تقريبا. مشيرة الى ان بعض الشركات والبنوك التجارية تخلط بين دورها على المديين الطويل والقصير مما سبب مشكلة في السيولة والاتجاه الى بيع الرهن باسعار لا تناسب الواقع مما ادى الى الافلاس والبطالة.
وأكدت الدكتورة روفائيل ان عدم توازن المصادر المالية وطريقة الاستثمار من العوامل الاساسية في هذه المعضلة مما جعل الحكومات تتدخل لحفظ اقتصادها قويا متوازنا عبر استخدام الاحتياطي النقدي بعملات مختلفة للشركات والبنوك. لافتة الى انه لابد في مثل هذه الحالات من تدخل الحكومات لمراجعة البنوك ومراقبتها دوريا مع اعطائها نوعا من الحرية كي يتحسن وضعها المالي.
جودة الافصاح المحاسبي
وشملت اوراق المؤتمر ورقة مشتركة حول موضوع جودة الافصاح المحاسبي في التقارير المالية في تونس قدمها الدكتور خالد حسيني من جامعة بليموث بالمملكة المتحدة والدكتورة رائدة شقرون من جامعة صفاقس .
وأشارت الورقة الى ان الهدف من البحث هو توفير مقياس لجودة الافصاح عن التقارير المالية نظرا لان الجودة تساعد مستخدم التقارير كالمستثمر والمحلل المالي في اتخاذ القرارات الرشيدة.
واكد الدكتور حسيني ان هذا البحث جديد ولم يثبت من قبل القيام بقياس جودة التقارير. مشيرا الى انه وزميلته الدكتورة شقرون لم يستخدما كمية التقارير كمقياس بل استخدما الجودة مقياسا للوصول الى الهدف.
وأوضح انه يوجد اختلاف في جودة المعلومات بالنسبة للشركات التونسية الخاصة. مشيرا الى انه كلما كانت الشركة كبيرة كانت الجودة افضل.
التوصية بتطوير العمل المالي باتجاه الفكر الصناعي
تضمنت توصيات المؤتمر أهمية أن يتطور العمل المالي باتجاه الفكر الصناعي للشركات متجاوزا فكر السوق الاحتكاري وان ينظر إلى الشركة كمؤسسة لها دور اقتصادي واجتماعي لخدمة المجتمع و ليس فقط لخدمة المساهمين. وقال الدكتور علي النعيمي مدير جامعة الإمارات ان التوصيات بينت انه يمكن ان ينتج من ذلك توجه الشركات الى أساليب ادارية جديدة لايجاد تجارة مستدامة وتخفيض التكلفة وكذلك احترام البيئة. كما بينت ان الأسواق المالية قد تطورت بشكل كبير واصبحت منفصلة بالكامل عن الاقتصاد الحقيقي بفضل صناعة المنتجات المتنوعة.
القيمة السوقية
وقال الدكتور النعيمي ان التوصيات اكدت ان القيمة السوقية اصبحت مقطوعة كليا عن الناتج القومي الخام وهو ما يعني أنه لا تزال هناك فقاعات مالية قد تولد أزمات أخرى.
كما دعت التوصيات الى عدم اللجوء الى النماذج الغربية في مجال التمويل والمحاسبة بعد ان أظهرت محدوديتها في هذا المجال والتفكير بدلا من ذلك في ايجاد حلول محلية ذات طابع معولم يحترم خصوصيات كل أمة وثقافتها.
ووصف الدكتور النعيمي هذه التوصيات بأنها تمثل اضافة هامة بالنسبة للمؤسسات التي تعنى بالشؤون المحاسبية والمالية في الدولة. مشيرا الى ان الموضوعات المطروحة في المؤتمر ركزت على مبدأ التعاون الدولي في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل ما بعد الأزمة العالمية.
نظام الاقتصاد الاسلامي
وأضاف الدكتور النعيمي ان التوصيات ركزت أيضا على نظام الاقتصاد الاسلامي كنظام بديل يقدم حلولا مناسبة لكثير من المشاكل العالمية مستعرضة في ذلك موضوع الاستراتيجية الاتحادية للامارات الموسومة باستراتيجية 2021 واستراتيجية امارة ابوظبي 2030.
البنوك الإسلامية أكثر فاعلية
تناولت الدكتورة شيراز العبيدي من جامعة الامارات في ورقتها المقدمة خلال المؤتمر فعالية البنوك الاسلامية والصناديق السيادية حول العالم. مشيرة الى الفوارق بين البنوك الاسلامية والتقليدية ومخاطر الانظمة البنكية المختلفة. وقالت ان البحوث اظهرت ان البنوك الاسلامية كانت اكثر فعالية اثناء الازمة المالية العالمية بفضل الانظمة والمعايير والقوانين التي تنتهجها هذه البنوك الاسلامية. بينما تحدث زميلها في الجامعة الدكتور محمد بلخير في ورقته عن خوصصة المؤسسات الحكومية ودورها في التحديث والتنمية. مشيرا الى ان دراسته اثبتت افضلية معايير وضوابط سوق العمل لانها اكـثر حمايــة للموظفيـن والعمـال.
وقال ان الحكومات تضطر الى خصخصة الشركات عن طريق اصدار اسهم في الاسواق المالية بما يحقق انعكاسات ايجابية بالنسبة لمشاركات المستثمرين الصغار في الشركات المعنية وبما يعطي دفعا لنشاط السوق المالية ايضا.
