قال خبراء تمويل إسلامي إن توجّه الشركات لتطوير منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية هو أمر يسير ولكن يحتاج لتوفر بيئة متكاملة تشمل وجود ضوابط موحّدة واضحة وقابلة للتطبيق وذلك لتحقيق جدوى القيمة والاستفادة من الفرص الكبيرة المتاحة في الأسواق الإسلامية، مؤكدين أن القيم الإسلامية تتطابق مع أفضل الممارسات العالمية الحديثة القائمة، وأن توافق الشركات مع الشريعة الإسلامية أصبح اليوم داعماً رئيسياً لأعمالها.
وتوقّع الخبراء أن تأثير توافق الشركات الراغبة في إنتاج الحلال تدريجياً، وأن يشمل البحوث والتطوير والتعهيد والإنتاج والمبيعات والتسويق مع ضرورة أن يتم تمويل كافة عناصر سلسلة التوزيع والإمداد عالمياً، مشيرين إلى أن تأسيس هيئة لتقييم وتوثيق ضوابط "الحلال" يمكن أن يلعب دوراً رئيسياً في ضمان أن تكون كافة مدخلات ومخرجات سلسلة القيمة متوافقة مع الشريعة.
ولفت الخبراء إلى أن أهمية انعقاد القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي 2013 في دبي تنبع من مشاركة أبرز خبراء صناعة الحلال والتمويل الإسلامي الذين يلعبون دوراً مهمّاً في توجيه الاقتصادات الإسلامية إلى فرص النمو والتطور.
وتشير دراسات حديثة إلى أنه من المتوقع أن يزيد تعداد المسلمين في العالم بنسبة 26% بحلول 2030 ليصل إلى 2.2 مليار نسمة. وبعملية حسابية يتضح أن المسلمين في العالم اليوم البالغ عددهم 1.9 مليار نسمة سينجبون حوالي 300 مليون مسلم في 2020 وهو نفس تعداد سكان الولايات المتحدة (زيادة 19%).
كما تصل حصة العالم الإسلامي في الناتج المحلي الإجمالي للعالم إلى 7.7% ويتوقع نمو تلك النسبة إلى 8.7% بنهاية 2016.
ويقدر حجم سوق منتجات الحلال اليوم بنحو 2 تريليون دولار بما فيها الأغذية والمشروبات (67%) والمواد الطبية (22%) ومنتجات العناية الشخصية والموضة (10%). كما من المتوقع أن تصل حجم الأصول الإسلامية في البنوك والمؤسسات المالية إلى تريليون دولار في 2014 و1.8 تريليون دولار في 2016 وذلك بحسب بيانات دويتشه بنك.
دعم عالمي
وقال الدكتور ألكسندر فون بوك، مدير الاستشارات المالية في مؤسسة إيه تي كيرني، إن العديد من الشركات الرائدة عالمياً شرعت في توفير خدمات ومنتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية منذ زمن طويل، مشيراً إلى أن مؤتمر القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي سيساهم بشكل كبير في دعم الشركات المحلية والعالمية التي تنوي الاستفادة من فرص النمو المتوفرة في قطاعات الحلال المختلفة.
وأضاف: "مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في جعل دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي توفر أحد أهم دعائم البيئة المتكاملة الضرورية لازدهار الاقتصاد الإسلامي ألا وهي الدعم الحكومي، وانعقاد القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي في دبي هو دليل على ذلك".
عرض وطلب
ولفت فون بوك إلى أن وجود بيئة متكاملة يؤسس لوجود شبكة قائمة على العرض والطلب. فعلى سبيل المثال بوجود بيئة متكاملة تتمكن شركات إنتاج الأغذية الحلال بأن تحصل على تمويل من مصارف إسلامية يتم تأمينها من خلال شركات تكافل إسلامي، لتتمكن من توفير منتجاتها لفنادق أو مطاعم متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
ولتحقيق ذلك فلابد من وجود بيئة اقتصاد إسلامي متكامل، وهذه البيئة بحاجة أيضاً إلى دعم قوي من حيث وضع الضوابط والتشريعات الملائمة. وأعتقد أن تأسيس هيئة لتقييم وتوثيق ضوابط "الحلال" يمكن أن يلعب دوراً رئيسياً في ضمان أن تكون كافة مدخلات ومخرجات سلسلة القيمة متوافقة مع الشريعة.
وحول دور البنوك في دعم هذا التحول قال فون بوك إن معظم المصارف ونوافذ التمويل الإسلامية لا تزال تتبع خطوات البنوك التقليدية في رسم استراتيجيتها ومنتجاتها، من دون لعب دور واضح ومميز في هذا القطاع، وهذا بالضبط ما يجب عليها فعله، خصوصاً في ظل تراجع نمو الصيرفة الإسلامية، وأضاف: "أعتقد أن المصارف الإسلامية حققت خطوات جيدة لتعزيز تنافسها المباشر مع البنوك التقليدية، وأتوقع أن يتم مناقشة دور المصارف الإسلامية في توفير الظروف المناسبة للشركات لتسهيل فرص توافقها مع الشريعة".
تحول سهل
من جانبه قال عبد الحميد إيفانز مؤسس شركة "إمارات" لاستشارات الحلال وأحد المشرفين على القمة، أن تحول كل أو بعض نشاط الشركات إلى "حلال" لن يكون أمراً صعباً خصوصاً وأن العديد من الشركات تتبنى اليوم قيم المسؤولية الاجتماعية بل أصبحت تلك الاستراتيجيات والخطط والأهداف تبنى على تلك القيم التي تتفق بشكل كامل مع القيم الإسلامية، مشيراً إلى أن تلك القيم تتطابق مع أفضل الممارسات العالمية.
وأضاف: "بالنظر إلى المتغيرات الحاصلة، نجد أن مستوى الاهتمام اليوم بالاقتصاد الإسلامي هو على مستوى صناع القرار في الشركات الذين يجدون أن التعامل تجارياً بحسب مبادئ الشريعة الإسلامية ليس بالأمر المعقد خصوصاً عندما يجد هؤلاء أن تلك المبادئ تتفق مع تفاصيل الحوكمة والشفافية والانضباط والوعي الاجتماعي التي تسعى لها تلك الشركات".
ثغرة «اللغة»
وعبر إيفانز، إن صعوبة إدراك المصطلحات الإسلامية تشكّل عقبة أحياناً في نشر الاقتصاد الإسلامي.
وأضاف: "لم يتم مثلاً شرح مفاهيم التمويل الإسلامي بشكل وافً وواضح، وسيتم خلال القمة مناقشة ما إذا آن الوقت للتوقف عن تسمية التمويل الإسلامي "بالإسلامي"، لأن ذلك يمكن أن يُشكّل عقبة في إدراك بعض أصحاب الأعمال لماهية التمويل الإسلامي في الواقع، ويمكن مثلاً إطلاق تسمية "التمويل بدون فائدة" أو "تمول الاشتراك بالمخاطر" وهكذا، وأعتقد أن الشركات الجادة في دخول الإسلامي ستدرك أن التعامل بحسب مبادئ الشريعة لن يكون بالصعوبة التي كانوا يتصورونها.
قصص نجاح
ولفت إيفانز إلى أن دولة مثل نيوزيلندا تنتج منذ حوالي نصف قرن نحو 95% من إجمالي اللحوم النوعية المستخدمة في كل من سوقها المحلي وأسواق التصدير بحسب الشريعة الإسلامية بشكل كامل، مؤكداً أن ذبح اللحوم وإنتاجها إسلامياً أصبحا المقياس النوعي الأمثل في ذلك الجزء من العالم، ومشيراً إلى أن تسويق تلك المنتجات على أساس أنها "حلال" أم لا يبقى خياراً خاصاً في الشركات.
وأضاف :"تدرك الشركات وخصوصاً الأغذية بشكل متزايد اليوم أن إنتاج الأغذية بالتوافق مع الشريعة الإسلامية يفتح لها 25% من السوق العالمي.
وأضاف: " لقد تغيّر كثيراً مفهوم الحلال لدى الناس خلال السنوات العشر الأخيرة، وهذا يختلف بحسب المنطقة، فمنذ عشر سنوات، كان التفكير بمفهوم الحلال مقتصراً على التفكير باللحوم وطرق تحضيرها التي يجب أن تتوافق مع الشريعة الإسلامية.
ولكن بدأ ذلك بالتغيير انطلاقاً من الطموحات والفرص التي انطلقت من أسواق جنوب آسيا، حيث أخذ مفهوم الحلال في الانتشار إلى منتجات غذائية أخرى ومن ثم إلى مواد التجميل والخدمات اللوجستية وحتى الخدمات المصرفية بسبب الدعم الحكومي إلى حد كبير، في دول مثل ماليزيا. والتوافق مع الشريعة هو ليس العامل الوحيد الذي يدفع هذا القطاع، فهناك الطلب الاستهلاكي كذلك.
واليوم نرى أن واضعي السياسات أصبحوا يدركون قوة الجدوى الاقتصادية لهذا القطاع الذي تقدر حجم صناعة منتجات الأغذية الحلال فيه بحوالي 2.5 تريليون درهم. ومن الواضح أن دول الخليج كالإمارات والسعودية والكويت بدأت في إيلاء هذا القطاع الأهمية التي يستحقها منذ حوالي ثلاث سنوات".
وأشار إيفانز إلى أن شركتي إنتاج دواجن أميركيتين من المشاركات في القمة القادمة تقول إن السوق في الولايات المتحدة اليوم يريد أن يعرف ما هي المواد التي تستخدم في إطعام الدجاج، وهل يدخل فيها البروتين الحيواني، والطريقة التي يتم من خلالها التعامل مع الدجاج والمصدر وما إلى هنالك.
وأضاف أن الشركتين هما من أكثر الشركات ربحية بفضل تطبيقهما لتلك المعايير التي تتماشى في جوهرها تماماً مع القيم الإسلامية. وأضاف: "اليوم تدرك الشركات أن تطبيقها لمبادئ تتفق مع الشريعة الإسلامية هو داعم رئيسي لأعمالها، وأعتقد أن مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، جلبت الانتباه لهذه الحقيقة".
وضوح
من جانبه قال عبد الستار أبو غدّة رئيس مجلس الإدارة والهيئة الشرعية في شركة "منهاج" للاستشارات المالية إن التوافق مع الشريعة الإسلامية واضح المعالم.
ولفت إلى أن تحويل وحدة أعمال إلى التوافق مع الشريعة يتطلب اهتماماً كبيراً بالتفاصيل، مشيراً إلى ضرورة البدء باستشارة أحد الخبراء في فقه المعاملات التجارية الإسلامية لتحديد الإجراءات الضرورية لتسهيل وإنجاح والإشراف على عملية التحول، وأن يكون ذلك الخبير مطلعاً بشكل وافٍ على قوانين وضوابط السلطات القضائية.
وأضاف أن الشركات تستفيد اليوم من القيم الإسلامية، مشيراً إلى أن القمة ستساهم في فهم الأسواق الإسلامية وكيفية تسويق المنتجات، ومعالجة الأمور اللوجستية العالمية لسلاسل الإمداد والخدمات المالية، وهو ما يُسهّل التنسيق والعمل مع صانعي القرار ورجال الأعمال والمفكّرين الذين يلعبون دوراً مهمّاً في توجيه الاقتصادات الإسلامية إلى فرص النمو والتطور.
ولفت أبو غدّة إلى أن غير المسلمين اليوم يتطلعون إلى الاستفادة من خدمات الصيرفة الإسلامية، مشيراً إلى التمويل الأخلاقي سيكون ضمن المواضيع التي ستتم مناقشتها خلال القمة.
وأفاد أن القمة ستناقش المواضيع المتعلقة بالاقتصاد الإسلامي من منظور جديد كلياً، وأعتقد أن النقاشات سيتم تصعيدها لمستوى صناع القرار. وأعتقد أن الاقتصاد الإسلامي سيُغيّر من طرق الممارسات التجارية ويعيد القيم الأخلاقية إلى التعامل التجاري في الأسواق من جديد،
نقلة نوعية
من جانبه قال فيصل عقيل نائب الرئيس التنفيذي في "الإمارات الإسلامي" الذي أطلق مؤخراً هويته التجارية الجديدة إن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في جعل دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي تمثّل نقلة نوعية نحو تعزيز الاقتصاد الوطني والانتقال به إلى آفاق جديدة بالإضافة إلى تعزيز المكانة الرائدة التي تحتلها الدولة بشكل عام ودبي بشكل خاص كمركز مالي إقليمي ودولي مهم.
وأضاف: "معظم الشركات التجارية لديها تعاملات اليوم مع مصارف إسلامية بالإضافة إلى التقليدية.
ويقوم ذلك التعامل على عاملين: الأول أن الكثير من الشركات تفضل التعامل فقط مع المصارف الإسلامية، والثاني هو أن هناك شركات أخرى تتعامل مع المصارف على أساس تجاري بحت من حيث أسعار الفائدة والرسوم وملاءمة المنتج المتوفر، وعلى هذا الأساس تستطيع المصارف الإسلامية تقديم منتجات وعروض تنافسية مع المصارف التقليدية، وأصبحت تأخذ حصة أكبر من السوق، ونتوقع أن تزداد هذه الحصة في المستقبل.
كما أن أرباح المصارف الإسلامية اليوم تنمو بنسب أكبر بالمقارنة مع البنوك التقليدية في معظم الأحيان. ولذلك نرى أن العديد من البنوك اليوم لديها نوافذ إسلامية".

