تشكل إضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي إلى هيكل القطاعات الرئيسية المكونة لاقتصاد دبي إضافة نوعية، مما يؤهلها بقوة لأن تصبح فعلاً عاصمة للاقتصاد الإسلامي، حيث إنها تحولت إلى المركز الإقليمي الاقتصادي الأهم، كما تمتلك خصوصاً أكبر مطار ومرفأ ومنطقة حرة وشركة طيران في الشرق الأوسط.
ويؤكد د. عبد الحق حميش بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة القطرية أن دبي اليوم تكاد تكون العاصمة العربية الوحيدة المهيأة كلياً لتكون عاصمة مالية عالمية، سواء كان ذلك بسبب توفر البنية التحتية المتخصصة، وكفاءات بشرية هائلة، وشفافية وحوكمة في التعامل التجاري والابتعاد عن شبهات الفساد، أو لقوة الشركات والمؤسسات الأجنبية والمحلية العاملة فيها، وسهولة دخول السوق من مستثمرين محتملين آخرين.
ودعا د. حميش إلى إطلاق أيزو إسلامي من دبي، العاصمة العالمية للاقتصاد الإسلامي، يتم تطبيقه على جميع المنتجات الاقتصادية التي سوف تبادر بها الإمارة.
أول بنك إسلامي
وأضاف د. حميش: تنبهت دبي لأهمية قطاع الاقتصاد الإسلامي الذي يعززه وجود أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، بالإضافة إلى مجموع تقديري لمنتجات الاقتصاد الإسلامي يساوي نحو 8 تريليونات دولار أميركي، واحتضانها أول بنك إسلامي في العالم أنشئ في سبعينيات القرن الماضي..
بالإضافة إلى وجود أول سوق مالي إسلامي فيها، وعزز من ذلك ثقافتها الإسلامية والدينية المنفتحة على كل الثقافات والحضارات العالمية، ومع ما يمتاز به الاقتصاد الإسلامي من مبادئ نبيلة متكاملة كالتشجيع على العمل، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وتوجيه المشاريع إلى رعاية الأولويات المجتمعية، وما لذلك من انعكاسات إيجابية على الفرد والمجتمع والاقتصاد الوطني.
كل ذلك وغيره أهَّل دبي لتصبح في السنوات القليلة القادمة عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي للدور الكبير الذي بإمكان مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي القيام به في تطوير هذا القطاع من خلال سلسلة من المشاريع والبرامج الاستراتيجية التي تعمل على إشراك مختلف الجهات والأفراد الفاعلة في هذا المجال، ولما تملكه من خبرة كبيرة في مجال الصكوك، البديل الإسلامي للسندات.
أفضلية وميزة
وتابع د. حميش: موقع دبي الجغرافي الاستراتيجي الملائم في قلب العالم الإسلامي، وكذلك امتلاكها الخبرة الكافية، والبنية التحتية اللازمة، والإرادة والتصميم وحجم تجارتها الخارجية كل ذلك يعطيها أفضلية وميزة تؤهلها لدور قيادي في مجالات صناعة التمويل الإسلامي المتطور والاقتصاد الإسلامي عامة.
وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، "أن ما تتمتع به الإمارات بوجه عام ودبي بوجه خاص من اقتصاد حر مرن ومفتوح قادر على استيعاب المتغيرات، وفتح آفاق جديدة ورحبة باستمرار، وتنوع اقتصادها وما تمتلكه من بنية تحتية تؤهلها لأن تستوعب إضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي إلى باقة القطاعات الاقتصادية الفاعلة في الإمارة".
خطوات إبداعية
ويرى د. حميش أن دبي اتخذت حتى الآن خطوات إبداعية في الاتجاه لأن تكون عاصمة للاقتصاد الإسلامي كما أنها تتمتع بمنشآت وبنية تحتية متطورة تؤهلها لتحقيق هذه الرؤية. ودبي في بنيتها المالية والتجارية والقانونية جاهزة لمزاحمة الأسواق المالية، ولكنها بحاجة لخطة التطوير.
وقد بدأت دائرة التنمية الاقتصادية في دبي إجراءات ووضع نظام مؤسسي يرمي إلى تحويل الإمارة إلى عاصمة للاقتصاد الإسلامي، وشرعت في حصر قطاعات الأنشطة التجارية الإسلامية في الإمارة، تمهيداً لإعادة تقييمها، وإجراء تصنيف خاص بالشركات الإسلامية في دبي، ووضع دليل الرقابة على تلك الأنشطة، وكيفية التأكد من مطابقة الأنشطة لمعايير ترخيصها، حيث تستدعي المبادرة تجهيز وتهيئة قطاع التسجيل التجاري، للتعامل مع الأنشطة الإسلامية بما يخدم تطورها ويساعدها على تدشين أعمالها وتنميتها.
عوامل معززة
وأضاف د. حميش: لقد عززت التحولات الجديدة بموازين القوى المالية العالمية والتغيير الذي طرأ على خريطة الاقتصاد العالمي من مكانة الإمارات والثقة المعهودة بها كبلد يتمتع بنظام سياسي واقتصادي حر وقوي ومستقر، كما أن جعل دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي لا يتعارض في أية مرحلة من المراحل مع سياسة الانفتاح واقتصاد السوق الحر السائد في الامارات، بل يتقاطع معه ويتكامل لصالح كافة القطاعات.
وتراهن دبي على التجارة الخارجية للعالم الإسلامي التي تتجاوز 4 تريليونات دولار، أو 11 % من التجارة العالمية، وتحقق التجارة الخارجية للعالم الإسلامي نمواً سنوياً يتجاوز 24 %، ويشكل استيراد المنتجات الحلال نحو 20 مليار دولار.
أهم التحديات
لكن د. حميش يرصد تحديات كبيرة تواجه المبادرة وتتطلب القيام بمجموعة من الإجراءات الفعالة، كالإعفاءات الضريبية والقوانين المشجعة على الطرح الدولي في السوق المحلية، وتهيئة البنية التحتية للاقتصاد الإسلامي، وتأهيل العاملين لديها نحو التعامل بالاقتصاد الإسلامي حتى تصبح سوقا مالية إسلامية رئيسية، والتدريب والتعليم والامتثال والمقاييس والأبحاث والخدمات الحكومية...
بالإضافة إلى التسويق والأبحاث المتعلقة بالمستهلك المسلم، ودعم وإجراء الدراسات البحثية في سبيل تطوير الأسس النظرية والمهنية لقطاع الأعمال المصرفية والتمويل الاسلامي، وتشكيل فرق عمل من المؤسسات المعنية لتطوير القطاع ، والاستثمار في أفضل الخبرات والتجارب العالمية في مجال الاقتصاد الإسلامي، وبما يعود بالنفع على قطاع الاقتصاد الاسلامي بصورة عامة وتعزيز موقع دبي على خارطة الاقتصاد العالمي بصورة خاصة.
استشراف بالغ الأهمية
وأضاف د. حميش: إن إيجاد حاضنة وعاصمة ومظلة للاقتصاد الاسلامي حاجة ملحة لأن الهياكل الاقتصادية مؤسسيا وماليا وإنتاجيا وسلعيا وخدماتيا في الاقتصاد الاسلامي مبعثرة ومتناثرة وتفتقد الكثير من أطر التعاون والتنسيق..
وهذا من شأنه أن يضعها في مخاطر أن تتحول إلى مكونات وعناصر متنافسة، لذا فإن التفكير في إقامة عاصمة للاقتصاد الإسلامي استشراف بالغ الأهمية في فكر أصحاب القرار في الإمارات وبالخصوص في دبي. كما أن التوقيت المناسب لإعلان هذه المبادرة والسعي نحو تنفيذ مشاريعها وتطلعاتها سوف يساهم بلا أدنى شك في الاستفادة من الفرص المتاحة لنمو قطاع التمويل الإسلامي على المستوى العالمي.
ويرى د. حميش أن المبادرة تؤدي إلى نقل السوق المالية من مجرد سوق مالية تقليدية تحتوي على نوافذ منتجات إسلامية قليلة كبعض إصدارات السندات الإسلامية أو طرح خجول لأسهم متوافقة مع الشريعة الإسلامية، إلى أن تكون سوقا كبرى تستوعب الأسواق العالمية. وهذا كله من شأنه أن يخدم الاقتصاد الإِسلامي ويعزز من مكانته العالمية.
الفوائد والأهداف المتوخاة
تنطوي مبادرة "دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي" على فوائد عديدة بالنسبة لدبي واقتصاد الإمارات عموماً، ليس فقط في مجال التمويل الإسلامي. فمن أهم فوائد هذه المبادرة إبراز نموذج جديد من الاقتصاد الإسلامي للعالم تكون عاصمته دبي. وتعزيز الوعي بمبادئ الأعمال المصرفية والتمويل الاسلامي بين أوساط المجتمعات المحلية إقليميا وعالميا.
وتحفيز مجتمع الأعمال والأبحاث العلمية المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي على ابتكار خدمات إسلامية جديدة. وتحسين مستوى وجودة المنتجات الإسلامية التي يقدمها الخبراء بالإضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين ومجتمع الأعمال ببيئة العمل التي تحفّز على التنافس، وتشجع الإبداع والابتكار.
كما تجعل المبادرة من دبي وجهة لصناع القرار والخبراء ورجال الأعمال المهتمين بالاستثمار وبموضوعات الاقتصاد الإسلامي. وسوف تشكل المبادرة المنطلق الصحيح نحو اقتصاد إسلامي عالمي ومتميز مركزه دبي، يبلور صورة واضحة عن الفرص والتحديات ذات العلاقة.
وتؤدي المبادرة إلى حوار بناء يسهم أكثر في صياغة مستقبل الاقتصاد الإسلامي الذي يصل حجمه إلى 4 تريليونات دولار. وتشكل إضافة نوعية لبناء اقتصاد إسلامي متكامل استنادا إلى أسس متينة وبنى تحتية وتقنية ولوجستية متطورة. وتكرس المكانة المحورية والطليعية لدبي بين عواصم المال العالمية.
وتهدف المبادرة إلى تحويل دبي واقتصادها وإمكاناتها إلى حاضنة ومظلة للهياكل المصرفية والمؤسسية والاقتصادية الإسلامية. كما تساهم في جذب وتشجيع تدفق الاستثمارات إلى البلاد، وتعزيز روابط الدولة بأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا التي تشهد تسارعاً ملحوظاً، في اعتماد وتبني الأنشطة الاقتصادية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
تنفيذ المبادرةيتطلب سلسلة إجراءات وتحضيرات
يتطلب تنفيذ مبادرة "دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي" على أرض الواقع سلسلة من الإجراءات والتحضيرات من أهمها توفير البنية التحتية التشريعية والشرعية والقانونية قبل المالية والبشرية، والمتمثلة في وضع معايير شرعية جديدة لتداول الأوراق المالية الإسلامية ومنها الصكوك في بورصة دبي، كما أنه لابد من تضافر كل الجهود لإنجاح هذه المبادرة العالمية والاستفادة من قوة دبي في قطاعات التجارة والسياحة والخدمات المالية الإسلامية والتجارة الإلكترونية التي يقدر حجمها بأربعة تريليونات دولار.
خطة طويلة الأمد
ويؤكد د. عبد الحق حميش بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة القطرية على ضرورة عمل خطة طويلة الأمد لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي، وذلك بإشراك جل المهتمين والمتخصصين في هذا القطاع، والاستفادة من الخبرات والتجارب السابقة، بالإضافة إلى إطلاق عدد من المبادرات لتحويل إمارة دبي كمركز للصكوك الإسلامية، وجعلها مركزا للصيرفة الإسلامية..
واستضافة المؤتمرات والندوات العلمية العالمية لبحث هذا القطاع والموضوعات ذات الصلة به، وإيجاد بيئة تشريعية للاقتصاد الإسلامي، أهمها تطوير وتطبيق معايير حوكمة تستند إلى قواعد الشريعة الإسلامية واحتياجات قطاع الأعمال.
تشجيع وجذب الاستثمارات
ويضيف د. حميش إنه من الإجراءات والتحضيرات الضرورية أيضاً تشجيع وجذب الاستثمارات المحلية والدولية، وبخاصة تلك الأماكن التي لم يصل إليها الاقتصاد الإسلامي بعد، كالصين واليابان وكوريا، وتشجيع دمج الشركات، وإطلاق مؤسسات كبيرة تعمل في مجالات ومسارات المبادرة..
وإطلاق تشريعات واضحة لتنظيم مختلف عمليات المبادرة في جميع مساراتها، وإطلاق هيئة شرعية عليا (أو مجمع لفقهاء الاقتصاد والتمويل الإسلامي) تضم نخبة من العلماء الشرعيين والخبراء في جميع المجالات، والعمل على تنمية الدور الاقتصادي للأوقاف، وإغاثة المحتاجين بتقديم المساعدات العلمية والمادية..
والاهتمام بموضوع صناعة الطعام الحلال والاستفادة من تجارب سابقة مثل ماليزيا، والاهتمام بالجودة وبأيزو إسلامي ينطلق من دبي العاصمة العالمية للاقتصاد الإسلامي، يتم تطبيقه على جميع المنتجات الاقتصادية التي سوف تبادر بها دبي.
أهمية المبادرة
تكمن أهمية المبادرة كون دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي من جانبين: الأول يتعلق باقتصاد دبي، حيث إن هناك حاجة ملحة للتوسع في القاعدة الاقتصادية في الإمارة، وتوسيع نطاقات الاستثمار وإيجاد بدائل استثمارية متنوعة للمحافظة على معدل النمو في مختلف القطاعات الاقتصادية.
أما الجانب الثاني فهو دعم وتعزيز الاقتصاد الاسلامي، الذي أصبح يشكل أحد المكونات المهمة في الاقتصاد العالمي، حيث يقدر حجم قطاع الاقتصاد الاسلامي حاليا بنحو ثمانية تريليونات دولار على مستوى العالم، ويتجاوز متعاملوه نحو ربع سكان العالم. كما تزيد التجارة الخارجية للعالم الاسلامي على أربعة تريليونات دولار بنسبة 11 % من التجارة العالمية، مما يؤكد أن الاقتصاد الاسلامي اقتصاد واعد ينمو بشكل سريع ومعدل نموه وتطوره متزايد يقدر بحوالي 36 %.
