قال عبد الحميد إيفانز مؤسس شركة "امارات" لاستشارات الحلال ومقرها لندن، إن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، قادرة على تغيير خارطة سوق الحلال في العالم، لأنها استطاعت تحديد الفرص الذهبية المتوفرة في هذا القطاع الاقتصادي الهام.
وأهمها إمكانية توظيف السيولة الإسلامية في قطاع الحلال، مشيراً إلى أنه إذا تمكنّت دبي من تلبية الإمكانات الضخمة المتوفرة في كل من قطاعي الحلال والتمويل الإسلامي وجمعت بينهما فباستطاعة الإمارة بالفعل خلق قطاع اقتصادي جديد كلياً وريادة قطاع الحلال في العالم.
ودعا إيفانز خلال حوار خاص مع "البيان الاقتصادي" إلى ضرورة تأسيس هيئة رقابية خليجية موحدّة للإشراف على الأغذية المستوردة من الأسواق الأجنبية، لأن ذلك سيدعم نشاط سوق الحلال في العالم وصناعة منتجات الأغذية الحلال التي يقدر حجمها بحوالي 2.5 تريليون درهم.
مضيفاً أن دبي هي المكان الأمثل لتكون مقّر تلك الهيئة الموّحدة بفضل موقعها الجغرافي المناسب وخبرة شركاتها بالأمور المتعلقة بالتصدير وإعادة التصدير، إضافة إلى الخدمات اللوجستية، منوهّاً إلى أن شريحة الشباب المسلم ستكون من أهم محركات قطاع الحلال في العالم خلال السنوات العشر القادمة.
وفيما يلي نص الحوار:
ما رأيكم بالآفاق التي تفتحها مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، في وضع دبي على خارطة الاقتصاد الإسلامي في العالم؟
أعتقد أنها مبادرة هامة للغاية وهي قادرة على تغيير خارطة سوق الحلال في العالم، لأنها استطاعت تحديد الفرص المتوفرة في هذا القطاع الهام كأحد المحركات الأساسية والداعمة لاقتصاد دبي. وأتوقع أن يكون لدبي دور محوري من خلال تطوير مقاييس حلال جديدة وأطر تشريعية، وأعتقد أن هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس ستقوم بطرح تلك المقاييس قريباً وهذا مهم لأن تلك المقاييس ستغطي أسواق تصدير أغذية الحلال إلى المنطقة العربية.
والتي في معظمها دول غير إسلامية مثل البرازيل وأستراليا ونيوزيلندا وأميركا الشمالية، وتغلق العديد من الثغرات الموجودة في الأطر التشريعية الراهنة. وفيما إذا استطاعت دبي أن تضع نفسها على خارطة صناعة الحلال عالمياً فسيكون لذلك تأثير كبير على الأسواق.
ما هي نقاط الالتقاء بين التمويل الإسلامي وصناعة الحلال؟
ومن وجهة نظر اقتصادية أعتقد أننا سنرى قطاع الخدمات المالية الإسلامية بالإضافة إلى الحلال يلتقيان في نقطة واحدة، لأن بين الصناعتين العديد من نقاط الالتقاء مثل توافقهما مع الشريعة الإسلامية، وحقيقة أن هناك سيولة كبيرة في القطاع المصرفي الإسلامي التي تبحث عن استثمارات خصوصاً في الإمارات .
والتي من الطبيعي والممكن أن يتم توظيفها في دعم أركان قطاع الحلال في الدولة الذي هو بحاجة ماسة للسيولة واستغلال الفرص المتوفرة في هذا السوق بالنسبة للشركات الكبيرة أو الشركات الصغيرة والمتوسطة على حد سواء أو الشركات المسلمة في العالم غير الإسلامي، ولغاية اليوم كان من الصعب إيجاد تمويل لقطاع الحلال من التمويل الإسلامي.
وأعتقد أن ذلك سيتغير في القريب العاجل ومن دون شك فإن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، ستمهد لهذا التعاون بين القطاعين وتفتح الأبواب واسعاً أمام فرص النمو السانحة في هذه المرحلة.
ما دور السيولة الإسلامية المتوفرة في دعم هذا القطاع؟
أعتقد أن تقارب التمويل الإسلامي من صناعة الحلال سيلعب دوراً كبيراً في إنجاح تلك المبادرة مستقبلاً، لتوفر العديد من العوامل الاقتصادية مثل الحجم الكبير لسوق استيراد المنتجات الحلال في المنطقة وتوافق القطاعين مع الشريعة الإسلامية وتوافر السيولة الكبيرة في القطاع المصرفي.
ما هي أهم العوامل الداعمة لهذا القطاع إلى جانب السيولة الإسلامية الكبيرة؟
أعتقد أن شريحة الشباب ستكون من أهم محركات قطاع الحلال خلال السنوات العشر القادمة. فهناك جيل من الشباب العرب من الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 45 سنة يتمتعون بقوة اقتصادية قوية وشخصية عالمية، حيث إن الكثير منهم حصلوا تعليماً غربياً أو درسوا في الغرب، هذا إلى جانب إيمانهم بالقيم الإسلامية وهؤلاء يتوقعون مستوى أفضل من الخدمات والمنتجات الإسلامية.
مفهوم الحلال
كيف تحوّل مفهوم المنتجات الحلال خلال الفترة الأخيرة؟
لقد تغيّر كثيراً مفهوم الحلال لدى الناس خلال السنوات العشر الأخيرة، وهذا يختلف بحسب المنطقة، فمنذ عشر سنوات، كان التفكير بمفهوم الحلال مقتصراً على التفكير باللحوم وطرق تحضيرها التي يجب أن تتوافق مع الشريعة الإسلامية. ولكن بدأ ذلك بالتغيير انطلاقاً من الطموحات والفرص التي انطلقت من أسواق جنوب آسيا، حيث أخذ مفهوم الحلال في الانتشار إلى منتجات غذائية أخرى.
ومن ثم إلى مواد التجميل والخدمات اللوجستية وحتى الخدمات المصرفية بسبب الدعم الحكومي إلى حد كبير، في دول مثل ماليزيا. والتوافق مع الشريعة هو ليس العامل الوحيد الذي يدفع هذا القطاع، فهناك الطلب الاستهلاكي كذلك. واليوم نرى أن واضعي السياسات أصبحوا يدركون قوة الجدوى الاقتصادية لهذا القطاع الذي تقدر حجم صناعة منتجات الأغذية الحلال فيه بحوالي 2.5 تريليون درهم. ومن الواضح أن دول الخليج كالإمارات والسعودية والكويت بدأت في إيلاء هذا القطاع الأهمية التي يستحقها منذ حوالي ثلاث سنوات.
هل لديكم إحصائيات أو بيانات حديثة عن صناعة الحلال في المنطقة؟
أعتقد أن صناعة الحلال تعاني بشكل عام من ندرة البيانات الدقيقة ودقّتها، ولوقت طويل اشتكينا من ذلك، ونحن حالياً بصدد أن نعمل مع شركات مختصة بجمع البيانات لتحصيل بينات أسواق الحلال، وأتوقع صدورها في أبريل القادم. وتلك البيانات ستساعدنا على رسم تصور واقعي حول آفاق هذا القطاع الهام من حيث الفرص المتوفرة في الأسواق ونظرة المستهلكين للحلال على حد سواء.
ما هي المؤشرات الدالة على هذا النمو حول العالم؟
حصل اجتماع مؤخراً في تركيا بين البنوك المركزية في كل من تركيا وماليزيا على سبيل المثال، وكان التقارب بين قطاعي التمويل الإسلامي والحلال من أهم المواضيع التي تم تباحثها بين الطرفين. فصناعة الأغذية بطبيعتها مثلاً لا تخضع للدورات الاقتصادية أو التذبذبات كحال القطاع العقاري أو غيره.
وهناك العديد من صفقات التوسع والاستحواذ التي تتمتع بجدوى اقتصادية حقيقية في أسواق الحلال العالمية، وأعتقد أننا سنرى عمليات استحواذ عابرة للقارات في شركات حلال متعددة الجنسيات. وإذا ما دفعت دبي بهذا التقارب بشكل قوي وقامت بتلبية الإمكانات الضخمة المتوفرة في كل من قطاعي الحلال والتمويل الإسلامي وجمعت بينهما فباستطاعة الإمارة بالفعل خلق قطاع اقتصادي جديد كلياً.
هل تعتقد أن التقارب بين القطاعين يدعم قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة كذلك؟
نعم بالتأكيد، فجميع الشركات الكبيرة مثل نستلة وماكدونالدز وأمريكانا والعديد من سلاسل السوبرماركت والمطاعم الحلال والوجبات السريعة لها تواجد في الأسواق العالمية، وهي في الوقت نفسه تدرك أهمية الفرص المتوفرة في قطاع الحلال، وبالنسبة لهؤلاء اللاعبين المهم هو وجود تنظيم وبنية مشجعة تساعدهم في ترجمة تلك الفرص على أرض الواقع بشكل فعّال ومن دون أن تخسر عملاءها الحاليين، وأن تنتقل بحذر إلى الانخراط بشكل أكبر إلى قطاع الحلال.
ما هي مجالات الابتكار المتوفّرة في صناعة الحلال؟
ولكن أعتقد أن العديد من الشركات التجارية الغربية التي تتمتع بأفكار وإدارة واستراتيجيات وأفكار ونماذج عمل اقتصادية حديثة، وهذه الأفكار بدأت تطبق في قطاع الحلال، وأعتقد أننا سنرى المزيد من الابتكار في هذا المجال.
وما تم إنجازه في جنوب شرق آسيا والدول العربية بالطرق التقليدية أصبح من الطراز القديم، ولكن أعتقد أننا نشهد أوقاتاً مثيرة تفسح المجال أمام نقلة ونموذج جديد في الأسواق. وأعتقد أننا سنرى خلال السنوات الثلاث القادمة تطورات هامة في هذا القطاع،
ما رأيك بالطرق التي يتم من خلالها التسويق لمنتجات الحلال في الوقت الراهن؟
أعتقد أنه إلى اليوم يتم تسويق منتجات الحلال بطرق تقليدية للغاية في أسواق الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، والتوسيم يلعب دوراً هاماً في هذا المجال وهو متأخر. انظر مثلاً إلى الطرق التي تقوم الشركات العالمية من خلالها بتسويق نفسها على أساس أنها "خضراء" أو صديقة للبيئة، أو ما بات يعرف بالمسؤولية الاجتماعية للشركات.
وهذا ينطبق على سوق "الأغذية الصحية" كذلك، فهي طرق متطورة جداً وترسل رسائل إعلامية محنّكة وتهتم بأدق التفاصيل حتى على أغلفة منتجاتها، وشئنا أم أبينا، فإن طرق التسويق الغربية هي التي تدفع بالمنتجات في الأسواق اليوم.
ولم نر هذا يحدث في قطاع الحلال الذي يتمتع بقيم أخلاقية، ولكن لا يقوم بتوصيل هذا الرسائل بفعّالية، على الرغم من أنها جزأ لا يتجزأ من هذا القطاع. ولكن أعتقد أننا سنرى تطورات هامة على هذا الصعيد كذلك.
تحديات
ما هي أهم التحديات التي تقف في وجه أسواق الحلال؟
هي عديدة، أحدها التسويق كما ذكرت، وكذلك هناك ندرة في وجود بيانات دقيقة ترسم صورة أوضح للوقوف على الفرص المتوفرة في قطاع الاقتصاد الإسلامي. وفي الغرب هناك احترام للقيم الإسلامية المترسخة في قطاع الحلال بشكل عام، ولكن لا يتم توصيلها باللغة الاقتصادية المطلوبة.
ومن أهم التحديات كذلك أن صناعة الحلال في العالم غير الإسلامي لا تتمتع بضوابط جيدة كما هي صناعة "الكوشر" الحلال على الديانة اليهودية- على سبيل المثال. ولكن في أسواق مثل ماليزيا هناك تدخل حكومي في ضوابط الذبح، وهذا أمر جيد لأنه يضع ضوابط ولكنه قد يبطئ سير العمل أحياناً.
لماذا لم يتم إلى الآن تشكيل هذه الهيئة في المنطقة برأيكم؟
كان هناك عدد من المبادرات الحكومية والخاصة في عدة دول ولكنها لم تلق التنفيذ على أرض الواقع، وأعتقد أن السبب يعود إلى اختلاف آراء الفقهاء حول الكيفية الصحيحة للذبح الإسلامي وندرة الفهم العميق للذبح الحلال لمحاولة تطبيقه بشكل ناجح بشكل صناعي.
وأعتقد أن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد قد تمهد الطريق فعلاً لتأسيس هذه الهيئة على أرض الواقع في دبي، خصوصاً وأن دبي هي مركز تجاري رائد، كما أنها تتمتع بموقع جغرافي مناسب وخبرة ومعرفة قوية بالأمور المتعلقة بالتصدير وإعادة التصدير بالإضافة إلى الخدمات اللوجستية.
ما سبب تسميتكم شركة استشارات الحلال بـ "امارات"؟
في الواقع أن هذا الاسم كان يطلق على طرق التعامل الاقتصادي الذي كان سائداً أيام العثمانيين. وهو مشروع متكامل شبيه "بالوقف" يضم المرافق العامة كالمساجد أو "الزوايا" والمدارس وغيرها.
بالإضافة إلى وحدات اقتصادية متفرعة عنها كالمتاجر وتخدم الفقراء والمجتمع كذلك، بحيث أن عوائد تأجير تلك الوحدات يستخدم في خدمة تلك المرافق العامة. أي أنها تقدم خدمات للمجتمع، بالإضافة إلى أنها تولّد عوائد. وكانت تعتبر "الامارة" هي مركز المدن آنذاك.
إعادة بناء صفوف الصيرفة الإسلامية
قال عبد الحميد إيفانز إن قطاع الصيرفة الإسلامية ما يزال مقتصراً على النشاط البنكي، في حين أنه من الضروري أن يلعب القطاع دوراً أهم في اقتصاد الدول، ويعيد بناء صفوفه، وهو ما ينطبق على صناعة الحلال كذلك، مشيراً إلى أنه ما يزال هناك فجوة بين ما يوّد المستهلك العادي أن يراه من جهة وبين ما تقدمه الصيرفة الإسلامية على أرض الواقع من جهة أخرى.
وأضاف :"ما تزال الصيرفة الإسلامية بعيدة عن نشاطات اقتصادية هامة مثل التمويل التجاري أو رأس المال المغامر الذي يتناسب مع الأسس الإسلامية القائمة على المشاركة بالمخاطر، وأعتقد أننا علينا أن نستعيد مكانتنا بين الأمم كأمة وسط في كافة تعاملاتنا، وأن نكون منفتحين على العالم الحديث ومشاركين في بناء حضارته بفعالية.
المقاربة بين الفقهاء والإنتاج الصناعي
قال عبد الحميد إيفانز إنه يوجد اليوم العديد من الثغرات في كيفية تطبيق الذبح بحسب الشريعة الإسلامية في الأسواق المصدرة للأغذية الحلال، والتي من الممكن معالجتها من خلال فهم الفقهاء لطرق الذبح الصناعي بشكل أعمق لمحاولة وضع آلية وضوابط تتلاءم مع طبيعة الإنتاج في المسالخ.
وأضاف: "لقد كتبت موسعاً حول هذا الموضوع، وأعتقد أن هناك جدلاً كبيراً حول الكيفية التي يتم بها الذبح الإسلامي، كما أن كلمة "حلال" ارتبط ذكرها في القرآن الكريم بكلمة "طيب"، فالذبح الحلال ليس بالضرورة أن يكون "طيباً" أو مفيداً للإنسان. وفي الغرب هناك اعتقاد أن الذبح الإسلامي قد يضر بالحيوان، لأن الدجاجة التي تذبح بالطرق الصناعية على سبيل المثال يتم صعقها بالماء المكهرب أو تخديرها بالغاز ما قد يقتلها، في حين أن من شروط الذبح الإسلامي أن يكون الحيوان حياً لحظة الذبح.
إضافة إلى أمور أخرى. ومن الضروري أن يفهم الفقهاء طرق الانتاج الصناعي عالية التقنية، لأنه عندما يتم ذبح عشرة آلاف دجاجة في الساعة فمن الضروري وضع ضوابط مناسبة، ولكن في المحصلة فإنه من الممكن في اعتقادي تطبيق الذبح الإسلامي بطرق صناعية، خصوصاً وأن العالم بحاجة لذلك.

