أطلقت توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله)، بإنشاء مجلس شرعي لاعتماد المنتجات الجديدة حسب المعايير التجارية بوصفه أحد مسارات خطة تعزيز مكانة دبي كعاصمة للاقتصاد الإسلامي، اطلقت هذه التوجيهات إشارة البدء لشحذ وتجميع جهود ومبادرات مختلف اللاعبين في صناعة التمويل الإسلامي لتذليل هذه العقبة الكؤودة التي اعترضت مسار تطور هذه الصناعة، فضلاً عن أن تأسيس هذه الهيئة الشرعية الموحدة يلبي مطالب واحتياجات مختلف الأطراف المشاركة في صناعة المال الإسلامية .
وجاءت توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشـد لتعــالج إحدى ثغرات البنيان القانوني للتمويل الإسلامي، ولتستجيب في الوقت ذاته لشكاوى عبر عنها الكثير من الفقهاء والمفكــرين بأن غـياب وجود مجــلس شرعي واحـد لاعتماد المنتجات المالية الإسلامية أدى إلى قدر كبير من الإرباك بشأن معايير « التحليل » و « التحريم » للمنــتجات المالية الإسلامية .
ويتفق الخبراء القانونيون والشرعيون على أهمية توافر بنية قانونية متكاملة تعزز نمو وازدهار المصارف الإسلامية وتمكن السلطات الرقابية من فحص وتدقيق المنتجات المالية بناء على مرجعية إسلامية وليس مرجعية ربوية، وأعرب البعض عن استغرابه من أن كثيرا من البلاد التي لديها بنوك ومؤسسات مالية إسلامية تتركها تعمل دون قانون يحدد خصائصها، وحوكمتها، ومعالم ضوابط الرقابة عليها. مشيرين إلى أن عدم تقنين أحكام الشريعة الإسلامية يشكل أحد أسباب استبعاد تطبيق أحكام الشريعة في عقود المؤسسات المالية الإسلامية.
ورأى الخبراء أن عناصر البنية القانونية الداعمة للمصارف الإسلامية تكمن في الاعتراف بعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني، وأن يصدر قانون للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حتى تتمكن السلطات الرقابية من فحص وتدقيق المنتجات المـالية بناء على مرجعية إسلامية وليس مرجعية ربوية، وأن توضع ضوابط لحوكمة الهيئات الشرعية العاملة لـدى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية.
واعتبر الخبراء أن تحقيق الكفاءة في قطاع التمويل يؤدي إلى توزيع الموارد المالية على أفضل الاستخدامات الممكنة، بحيث يتحقق تعظيم الإنتاج على نحو لا يتصور معه إمكان زيادة إنتاج الدولة عبر إعادة تخصيص الموارد، لأن تخصيص الموارد يكون قد وصل إلى مستواه الأمثل، إذ يتكون الهيكل المؤسسي لقطاع التمويل من أربعة مكونات رئيسة: البنوك والمؤسسات المالية، وأسواق النقد والمال، والأدوات المالية والنقدية، وسلطات الإشراف والرقابة. ويقوم قطاع التمويل على تخصيص الموارد المالية التي يجتذبها من أصحاب الأموال بين الاستخدامات المختلفة في الاقتصاد.
وحدد أحد خبراء التمويل الإسلامي معالم مشكلة غياب الإطار القانوني المنظم للمصارف الإسلامية، بإشارته إلى أنه باستثناء قلة من البلدان (البحرين، وإيران، وماليزيا، والسودان، ومؤخراً كازاخستان) ليس هناك ذكر لعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني.
كما أن القضاء لا يطبق قاعدة العقد شريعــة المتــعاقدين. فغالبا ما تلجأ المـحاكم إلى تفسير العقد على نمط ما هو شائع في السوق، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إسقــاط عقد التمويل الربوي على كافة عقـود التمويل الإسلامية. والغريب أن هذا ما يحدث في غالبية الدول الإسلامية، على خلاف ما استقر علــيه القضاء البريطاني من معاملة عقود التمويل الإسلامية كعقود مستقاة من الشريعة وليس من القانون الوضعي.
محاذير وتحديات
وفي هذا السياق، رصد الخبير أوجه المحاذير الناجمة عن غياب إطار قانوني يحكم التمويل الإسلامي في النقاط التالية:
1ــ إن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تنشأ بترخيص خاص، قد تختلف شروطه وتفاصيله من حالة إلى أخرى وليس وفقا لقواعد عامة شاملة تخضع لها كافة البنوك.
2ــ إن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تتم مراقبتها والإشراف عليها وفقا لنفس القواعد التي تطبق على البنوك التقليدية، باستثناء ما تقرره السلطات الرقابية من وقت لآخر، دون قاعدة قابلة للتعميم وتكرار التطبيق.
3 ــ إن المنتجات المالية الإسلامية يتم فحصها وتدقيقها من جانب أجهزة الرقابة والإشراف بناء على مرجعية ربوية، لا تقبل اختلافات جوهرية بين المنتجات المالية الإسلامية والمنتجات التقليدية.
وخلص إلى القول بأن السلطات الرقابية يمكن أن تستحل لنفسها إصدار أوامر وتوجيهات عامة إلى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لا تتفق مع شروط ترخيصها بصفتها بنوك تعمل بالتوافق مع الشريعة.
تحسين أساليب الرقابة
وعلى نفس المنوال، لفت خبير آخر في التمويل الإسلامي إلى أنه من غير الممكن القيام بالرقابة والإِشراف على إصدار وتملك وتداول الصكوك بدون توفر بنية أساسية مناسبة تضمن من ناحية سهولة إصدار صكوك متوافقة مع الشريعة، ومن ناحية أخرى تحقق قدرة السلطات الرقابية على التعامل مع ما قد يتصل بها من انحرافات، وقائياً وعلاجياً.
وفي السياق ذاته، عرض الخبير بعض التوصيات بشأن أهداف الرقابة على الصكوك، وكيفية التوصيات حول كيفية القيام بها. في النقاط التالية:
أولاً: الحرص على خاصية التوافق مع الشريعة، وبالتالي التأكد من أن الصكوك تتصف بخصائص لا تتنافى مع الشريعة، ومصلحة السلطات الرقابية في ذلك، أنه إذا لم تتوافر الشروط الشرعية في الصكوك، فإنها تهدد الأدوات المالية وكذلك المؤسسات المالية التي كانت فاعلة في إصدارها بسوء السمعة وفقدان الثقة فيها. وقد يتطرق سوء السمعة وفقدان الثقة إلى النظام النقدي والمالي بأسره، مما يهز أركان النظام الاقتصادي، ويضر بالمصالح الاقتصادية لعدد كبير من الأفراد والمؤسسات على المستويين الوطني والمحلي.
ثانياً: الحرص على أن حملة الصكوك يمتلكون حصصا على المشاع في موجودات حقيقة، لأن هذا شرط من شروط التوافق مع الشريعة ينعكس عدم توفره سلبا على سمعة الصكوك ومصدريها، كما أنه ضمان لحقوق حملة الصكوك.
ثالثاً، الحرص في كل الأحول على خلو استخدام حصيلة الصكوك من مخاطر النزوع السيئ، بمعنى أن بائع الصكوك سوف يستخدم الحصيلة فيما خصصت له. وهذا يضمن قدرة بائع الصكوك على خدمة موجودات الصكوك من حيث الصيانة والحفاظ على منافعها، وكذلك دفع أقساط الإيجار وغيرها من مستحقات حملة الصكوك.
رابعاً: الحرص على أن كافة الاحتياطيات قد اتخذت لكي لا يكون لدى حملة الصكوك حاجة إلى التصرف في موجوداتها بتأجيرها إلى جهة أخرى أو ببيعها. لأن حدوث ذلك، سوف ينزع من الصكوك عنصر الاستقرار، ويهدد السوق المالية كلها بالانهيار.
هذا بصرف النظر عن تحمل حملة الصكوك لخسائر أو حتى تحقيقهم مكاسب من جراء التصرف في موجودات الصكوك. لأنه حتى ولو تحقق الحفاظ الكامل لحقوق حملة الصكوك، فإن مجرد تصرفهم في الموجودات يدخل عاملاً من الاضطراب في أسواق المـال، يمكن أن يضر بالاقتصاد ككل.
تقنين أحكام الشريعة
وعلي نفس المنوال اعتبر الدكتور عبد الستار الخويلدي عدم تقنين أحكام الشريعة أحد أسباب استبعاد تطبيق أحكام الشريعة في عقود المؤسسات المالية، وشرح هذه النقطة بإشارته إلى أن المؤسسات المالية الإسلامية تعمل في محيط تسيطر فيه القوانين الوضعية، وهي عادة قوانين مصاغة في شكل مواد مبوبة ومترتبة في مجلات وهو ما يعرف بالتقنين (التدوين).
وإلى جانب التقنين هناك فقه قضاء ثري وجريء بفضل تراكم الخبرات، وبالتالي هناك تنافس بين نظامين مختلفين، ويسعى القانون لأن يغطي جميع المجالات بحيث لا يترك فراغا لغيره من الأنظمة إلا اليسير مثل الإشارة إلى العرف في المجال التجاري. وفي هذا المجال، نجد أن سعي القانون الوضعي لاستبعاد أحكام الشريعة الإسلامية ينقسم إلى صنفين: استبعاد مطلق بحيث لا تطبق الشريعة الإسلامية، واستبعاد يقبل بأحكام الشريعة لكن يطـبقها على شاكلته بحيث يسيء تطبيقها.
وتابع شارحاً: أصبح النص على تحكيم مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية دون سواها من القوانين أمرا نظريا في العقود الدولية. وهذه حقيقة. فقد حل محل الشرط الموحد (وهو الكفيل بتطبيق أحكام الشريعة مطلقاً) الشرط المزدوج وهو الشرط الذي يجمع بين الاحتكام للقانون الوضعي والشريعة الإسلامية. ومن أمثلة هذه الصيغ نجد: «تخضع هذه الاتفاقية للقانون البريطاني بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية».
أو «تخضع هذه الاتفاقية للقانون البريطاني إلا إذا خالف أحكام الشريعة الإسلامية، عندها ترجح أحكام الشريعة الإسلامية». وهذه الصيغة هي الأكثر انتشارا في عقود المؤسسات المالية الإسلامية والأكثر صعوبة عند التطبيق. إن سوابق تطبيق هذه الصيغة على الأقل كما جرت أمام المحاكم البريطانية، لم تكن منصفة للشريعة الإسلامية حيث استبعدتها المحاكم البريطانية.
موقف واضح
ورأى الدكتور عبد الستار الخويلدي أن القانون الواجب التطبيق في المعاملات المالية الإسلامية عموماً والدولية منها خصوصا يحتاج إلى موقف واضح. مشيراً إلى الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية وقد تفطنت إلى هذا الموضوع، وسوف تصدر هيئة المحاسبة والمراجعة معيارا في هذا الموضوع، وأورد بعض المقترحات التي قد تساعد على الاهتداء لأنسب الحلول في النقاط التالية:
1- الأصل الاحتكام لمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وعدم تفويض القانون الوضعي ليحكم المعاملات المالية الإسلامية لما قد يصدر عن هذا القانون من إعادة تكييف للمعاملات يغير طبيعتها. ومن أمثلة ذلك تنظير الصكوك على السندات التقليدية.
2- الاهتمام بصياغة عقود المعاملات المالية الإسلامية لحمايتها من سوء التفسير ولتفادي النزاع، وذلك مهما كان القانون الواجب التطبيق وجهة فض النزاع، ومن أمثلة الصياغة المفضية إلى حماية قانونية وشرعية اعتماد التفصيل الوافي في صياغة الشروط، ولا سيما تلك التي تختلف فيها أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي اختلافاً بيناً. ومن أمثلة ذلك غرامات التأخير، ومفهوم الشرط التغريمي، والسداد المبكر في عقود البيع، وتعريف هامش الجدية، وتعريف الصكوك تعريفاً يوضح الفرق بين الصكوك الإسلامية والسندات.. إلخ.
3 ــ الحرص على التأهيل الشامل مع اعتماد التخصص. ومن أمثلة ذلك تأهيل خبراء لاقتراح الحلول وفض النزاعات ولا يتم ذلك إلا بالجمع بين التأهيل القانوني والتأهيل الشرعي. وفي هذا السياق أريد الإفادة بأن المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم قد شرع وبالتنسيق مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية في دورات تدريبية تهدف إلى تقديم تأهيل متكامل بغرض إعداد محكمين يجمعون بين الجوانب الشرعية والقانونية والإجرائية بحيث يمكّن التأهيل أصحاب الشهادات من معالجة المسائل القانونية والشرعية بيسر ووضوح.
منطق
واعتبر الدكتور ناصر السعيدي بأن هناك منطقا اقتصاديا وراء تأسيس الهيئة الشرعية الموحدة للمصارف الإسلامية، ويتمثل في خفض التكاليف بالنسبة للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية التي تواجه مشكلة ارتفاع تكاليف تأسيس هيئات للفتوى والرقابة الشرعية خاصة بها، فضلاً عن أن تأسيس سوق مالي إسلامي يستلزم وجود جهة مركزية منوط بها مسؤولية إصدار الفتاوى والأحكام بشأن مدى توافق المنتجات المالية مع أحكام الشريعة.
ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن الفتاوى الصادرة عن الهيئة الشرعية الموحدة للمصارف الإسلامية تكون متاحة للجميع على شبكة الإنترنت، وهو ما يسهم في تعزيز مستويات شفافية التمويل الإسلامي من خلال توفير قاعدة بيانات للفتاوى تكون متاحة للجميع، وهو أمر يكسب الهيئة صفة واضعة مقاييس للتمويل الإسلامي، كما يسهم في الوقت ذاته في توفير الحماية لمختلف الأطراف المعنية، حيث إن تلك الفتاوى تؤثر على حقوق الكثير من الأطراف ذات الصلة.
مرجعية شرعية لتوحيد الفتاوى
أفادت أنباء ترددت في أواخر عام 2011 بأن مصرف الإمارات المركزي قام بدراسة إنشاء هيئة مركزية للفتوى، تكون مهمتها منح التراخيص ووضع الضوابط والمعايير التشريعية لنشاط المصارف والمؤسسات الإسلامية العاملة بالدولة، وتمثل في الوقت ذاته مرجعية لفتاوى المعاملات الإسلامية، بهدف معالجة المشكلات التي تنتج عن التعارض والتضارب في الفتاوى الصادرة عن كل لجنة خاصة تتبع كل بنك على حدة.
وأوضحت مصادر في المصرف المركزي حينذاك بأن تطبيقاً مماثلاً في عدد من الدول، منها ماليزيا وإيران، أثبت نجاحاً في الحد من المشكلات التي تنتج عن تضارب وتعارض بعض الفتاوى، ما يوجد تحفظاً في أوساط المتعاملين مع البنوك الإسلامية، أو بين هذه الأخيرة بعضها بعضاً».
مشيرة إلى أن «الهيئة المركزية، التي ينتظر أن تتبع المصرف المركزي، ستمثل مرجعية شرعية للجان الفتاوى التابعة للبنوك الإسلامية، بحيث يشترط أن يعرض أي منتج أو خدمة جديدة تطلقها هذه المصارف على الهيئة المركزية للاعتماد النهائي، بعد أن تجيزها وتوافق عليها لجان الفتاوى الداخلية، إضافة إلى اختصاصها بمنح التراخيص للمصارف والمؤسسات الإسلامية الجديدة».
تطوير نموذج تنظيمي متوافق مع الشريعة
طورت "سلطة دبي للخدمات المالية" نموذجاً تنظيمياً متوافقاً مع الشريعة، يعد الأفضل من حيث قدرته على المساهمة في تطوير قطاع الخدمات المالية الإسلامية. بالنظر إلى أنها تولي أهمية كبرى للإجراءات التنظيمية التي تركز على إدارة المخاطر. حيث إن الكثير من هذه المخاطر لها نظيرها في قطاع التمويل التقليدي، الأمر الذي يؤكد ضرورة أن تتناسب الإجراءات التنظيمية لقطاع التمويل الإسلامي مع هيكليات القطاع والمخاطر التي قد يواجهها.
وأعرب مدير مسؤول السياسات ورئيس التمويل الإسلامي بسلطة دبي للخدمات المالية عن تفضيله تواجد هيئة واحدة مختصة بالتمويل الإسلامي، ويكون لديها برنامج عمل منشور وواضح، ويكون لديها كذلك آلية للمشورة، وتكون أيضاً خاضعة للتوجيه من قبل الصناعة في المجالات التي بحاجة ماسة إلى أحكام.
وجاء هذا التفضيل على خلفية انطواء التمويل الإسلامي على تحديات بالنسبة للسلطات التنظيمية خاصة في الدول التي يسري فيها أنظمة مصرفية مزدوجة، وحتى في إطار التمويل والأنشطة المصرفية الإسلامية، حيث يغيب التجانس فيما يتعلق بالتعريفات والمقاييس، بل وحتى ينتفي تواجد لرؤية الواضحة فيما يتعلق بالتوافق والحوكمة.
ويعود أسباب مثل هذا الوضع في رأي جميل حسن كبير الاستشاريين في شركة «آي فليكس سوليوشان» إلى تنوع تفسيرات الباحثين للقوانين الشرعية، ووجود حفنة قليلة من الدارسين القادرين على تفسير الأحكام الشرعية، وبالتالي، المساعدة في صياغة منتجات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
معالم الفجوة
وحدد تقرير صادر عن إدارة التمويل الإسلامي بسلطة دبي للخدمات المالية الضوء على معالم هذه الفجوة بإشارته إلى أن هناك فجوة كبيرة تبرز في مجال الأحكام الشرعية، حيث إن الشكوى المشتركة بين الشركات هي عدم توافق الأحكام الصادرة عن الباحثين.
وبالتالي، يكون في غير المستطاع وضع منتج جديد يحظى بالقبول والرضا العام، ولحد معين، يعد هذا الوضع أمراً حتمياً، حيث مازالت صناعة التمويل الإسلامي تنمو بوتيرة سريعة، كما يوجد تقليد قوي في الإسلامية يثمن تنوع مدارسه الفكرية والجدل التفسيري، ومن ثم، لا توجد هيئة أو كيان بمقدوره وقف هذا الجدال بإصدار أحكام نهائية، بيد أن هناك هيئات تمـــتلك تأثيراً كبيراً، منها، المجلس الشرعي التابع لهـــيئة المـحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.
وبهدف جلب التطابق، جاء إنشاء مجلس الخدمات المالية الإسلامية تتويجاً لإنجازات العقد الأخير من القرن العشرين واعتراف المنظمات الدولية بوجود هذه الصناعة كحقيقة قوية لا يمكن تجاهلها وإدخالها ضمن منظومة النظام المصرفي العالمي لذلك تحت مظلة صندوق النقد الدولي، الأمر الذي يعد انتصاراً لصناعة الخدمات المصرفية الإسلامية، خصوصاً أنه جاء في وقت تزايدت فيه الاتهامات الموجهة إلى المؤسسات الإسلامية.
وتأسس مجلس الخدمات المالية الإسلامية في عام 2002 بهدف الحفاظ على استقرار صناعة الخدمات المالية الإسلامية بما في ذلك أسواق رأسمال والمصارف الإسلامية، ويعمل المجلس بشكل وثيق مع الجهات التنظيمية الأخرى لتوفير المعايير الإرشادية فيما يتعلق بالمنتجات الاستثمارية الإسلامية، ويعتبر المجلس كيان متعدد الأطراف مسؤول عن اتفاقية بازل 2، وتعتبر مبادئ جديدة بدأت البنوك في تنفيذها حول العالم.
مبادئ إرشادية
وفي مسعى هادف إلى جلب المزيد من الوضوح والتطابق، نشر مجلس الخدمات المالية الإسلامية وثيقة تتضمن سبعة مبادئ إرشادية رئيسية فيما يتعلق بمعايير الحصافة لحوكمة الشركات بالنسبة للمؤسسات التي تقدم خدمات مالية إسلامية، وتوفر هذه المبادئ خطوطاً إرشادية وتوجيهية للحوكمة بشكل عام بالنسبة لهذه المؤسسات، وحقوق أصحاب حسابات الاستثمار، والتطابق مع مبادئ وأحكام الشريعة، وشفافية تقارير حسابات الاستثمار.
ووفقاً لتقرير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، لا يوجد نموذج واحد لضوابط إدارة المؤسسات يمكن تطبيقه، بل يجب أن تضع كل دولة أو منظمة نموذجا خاصا بها.
ورغم أن محفظة المنتجات في جنوب شرق آسيا مختلفة عن تلك الموجودة في الشرق الأوسط، مع ذلك، تساعد تطلعات أصحاب الأعمال للحصول على عوائد مرتفعة بحسب آراء جميل حسن - في تعديل عروض المنتجات بما لا يمس المبادئ الرئيسية.
ومن ثم، توخى مجلس الخدمات المالية الإسلامية الحذر فيما يتعلق بوضع المبادئ الرئيسية التي تحكم حوكمة البنوك الإسلامية، وفي ديسمبر 2005، تبني المجلس مقياسين، يتعلق إحداهما بالمبادئ الإرشادية لإدارة المخاطر، فيما يتعلق المعيار الثاني بمقياس كفاية رأسمال بالنسبة للمؤسسات التي نقدم خدمات مالية إسلامية.
وتشرح هذه المبادئ الإرشادية كيفية تحديد وقياس المخاطر المالية للمنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وكيفية تصميمها على نحو يجعلها متوافقة مع لجنة بازل، ويشعر الخبراء بأنه يجب إعطاء المزيد من الاهتمام لتوضيح أنماط المخاطر بما في ذلك معدل العائد والسيولة والشفافية والانسحاب، وأقلمتها بشكل يتوافق مع سياق بازل.
كما تعمل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومقرها البحرين على إرساء مبادئ عالمية للتمويل الإسلامي، وأخذت زمام المبادرة في إصدار المعايير للمؤسسات المالية الإسلامية في عدد من المجالات كالمحاسبة والمراجعة والضوابط الأخلاقية والشريعة.
ورغم تمسك المنظمة بمعايير المحاسبة العالمية، إلا أنها تقوم بتعديلها بما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ومن المتوقع أن تتكامل جهود كل من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية على طريق إرساء مبادئ دولية لصناعة التمويل الإسلامي.
توسيع نطاق هيئة الفتوى والرقابة الشرعية
وعلى أرضية غياب مجلس شرعي موحد لاعتماد المنتجات الجديدة، ظهر على سطح صناعة التمويل الإسلامي مبادرات تستهدف تغطية مثل هذه الثغرة في البنيان القانوني لصناعة التمويل الإسلامي، ويبرز في هذا المجال، مبادرة توسيع نطاق عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالدولة ليشمل المصارف، وشرح أحد خبراء التمويل الإسلامي فحوى هذه المبادرة بقوله:
إنه رغم أن نطاق عمل الهيئة الشرعية الموحدة للمصارف الإسلامية يغطي كافة المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أن ذلك لا يحول دون أن يكون لدى كل بنك ومؤسسة مالية إسلامية هيئة فتوى شرعية خاصة بها.حيث يتركز عمل الهيئة الشرعية الموحدة للمصارف الإسلامية بدولة الإمارات على القضايا ذات الطابع الاستراتيجي والمسائل الجوهرية، فيما يناط بهيئات الرقابة والفتوى الشرعية بالمصارف والمؤسسات المالية مهمة إدارة العمل اليومي ومتابعة القرارات والفتاوى الصادرة الهيئة الشرعية الموحدة للمصارف الإسلامية بدولة الإمارات.
ولفت الخبير إلى أن هذه الهيئة تضم في عضويتها رؤساء هيئات الفتاوى والرقابة الشرعية بالمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، وأنه قد جرى إضافة أعضاء الهيئة من المملكة السعودية، دولة قطر، وأوضح أن تأسيس مثل هذه الهيئة يمثل مجرد بداية، حيث تم تأسيس هيئة مماثلة في دولة ماليزيا، وربما يجري هيئات مماثلة أخرى في مناطق أخرى من العالم.
وأعرب خبير التمويل الإسلامي عن أمله في أن تتحول الهيئة الشرعية الموحدة للبنوك الإسلامية إلى كيان يمثل صناعة المال الإسلامية في منطقة الخليج، وذلك في غضون فترة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات.
وتابع الخبير حديثه قائلاً: يعرض على الهيئة الشرعية الموحدة للبنوك الإسلامية المنتجات والأدوات المالية الإسلامية كالصكوك والقروض المجمعة وغير ذلك من هياكل المنتجات المالية الإسلامية.
وإنه بمجرد إنجاز التصديق عليها من قبل الهيئة، لا توجد ثمة حاجة للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية أن تعرض هذه المنتجات على هيئاتها للفتوى والرقابة الشرعية. وأشار الخبير إلى أن الهيئة الشرعية الموحدة للبنوك الإسلامية تقوم بأدوار أخرى، من بينها، إسداء الرأي والمشورة إلى المصارف الإسلامية بشأن القضايا والمسائل الوثيقة الصلة بالتمويل الإسلامي.
تعكف الصناعة المالية الإسلامية في الوقت الحالي على تطوير المقاييس المتعلقة بالحوكمة الجيدة،، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بأن تكون قادرة على المساهمة في تطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية، وأن تتعزز قدرة هذه الصناعة على جذب واستقطاب المزيد من الأعمال.
ويرى خبراء أن تطبيق مقاييس الحوكمة الجيدة الموجودة في الدول الغربية على التمويل الإسلامي من شأنه أن يخلق تعارضا مع القناعة الواقرة في أذهاننا بشأن ما يجب أن تكون عليه مقاييس حوكمة التمويل الإسلامي.
وتعتبر الشفافية المفتاح الرئيسي لتمويل أي صناعة، بالنظر إلى أن هناك حاجة لأن يثق الناس في منتجات التمويل الإسلامي، وهو أمر يتعلق بشكل خاص بالصناعة المالية، حيث تؤدي الشفافية إلى تعميق الالتزام والمسؤولية وتطوير المقاييس.
التمويل الإسلامي الأقل تضرراً من الأزمة المالية العالمية
يعتبر التمويل الإسلامي واحداً من القطاعات القليلة التي أبدت مقاومة ومرونة كبيرتين في مواجهة الأزمة المالية العالمية، ففي الوقت الذي هوت فيه أسواق الأسهم في نيويورك ولندن، حافظت مؤشرات التمويل الإسلامي على اتجاهها الصعودي. ومع انكشاف نقاط الضعف في النظام المالي العالمي نتيجةً للأزمة، ازداد الاهتمام بالتمويل الإسلامي، مما أدى إلى بزوغ مزيد من الفرص الجديدة أمام مؤسسات الخدمات المالية الإسلامية.
وقد سجل قطاع التمويل الإسلامي خلال السنوات القليلة الماضية نمواً كبيراً على المستوى العالمي بنسبة تقارب 20%، ليصل حجمه إلى نحو تريليون دولار أميركي. وعلى الرغم من التباطؤ الناجم عن الأزمة العالمية، يتوقع الكثيرون أن ينمو قطاع الخدمات الإسلامية بنسبة 15% في عام 2009. ومع ذلك، فإن حجم هذا القطاع لا يزال يشكل أقل من 1% من رأس المال العالمي، مما يعني أنه يتمتع بآفاق واسعة للنمو.

