وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تاج التمويل الإسلامي على رأس دبي، بتحرير سموه شهادة ميلاد قطاع الاقتصاد الإسلامي ليكون واحداً من أبرز معالم القطاعات الاقتصادية في إمارة دبي، وبدا للمراقبين أن تحرير شهــادة ميلاد هذا القطاع تعد بمثابة تتويجاً لمبادرات وجهود جرى بذلها من مختلف الهيــئات المالية والاقتصادية على مدار عقود طويـلة مضت، والتي جعلت قرار تأسيس هذا القطاع بمثابة عملية تجسيد لحقاق موجودة على أرض الواقع.
وتتجلى بشكل جلي للعيان مؤشرات وتعبيرات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن دبي نجحت بالفعل في انتزاع تاج التمويل من رؤوس عواصم مالية عدة، وأنها أصبحت القبلة التي تتجه إليها أنظار كافة المعنيين بالتمويل الإسلامي.
وبالتالي باتت في مكانة تجعلها مؤهلة أكثر من غيرها لأن تكون عاصمة الاقتصاد الإسلامي من دون منازع، وبالفعل هناك حيثيات وشواهد عدة تؤكد، ليس فقط أحقية إمارة دبي في تبوؤ مثل هذه المكانة الرفيعة، ولكن لأنها تتوافر لديها المقومات والإمكانيات التي تجعلها مركزاً للابتكار والتطوير لهذا الاقتصاد الذي يشق طريقه نحو العالمية.
وقطع قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الطريق على الكثير من عواصم المال التي تريد أن تكون مركزاً وحيداً للتمويل والاقتصاد الإسلاميين، حيث يمتلك قطاع التمويل الإسلامي في إمارة دبي مقومات بنية تحتية وتنظيمية تطورت عبر عقود من الزمان والتي تجعله قادراً على الانطلاق إلى أفق أكثر رحابة صوب العالمية. وتتمثل أبرز هذه المقومات في التالي:
دبي حلقة وصل بين التمويلين «الإسلامي» و«التقليدي»:
فرضت دبي على ساحة التــمويل الإسـلامي واقعاً جديداً، بشــغلها فراغاً لم يتمكن أحد من ملئه رغم ضربه جذوره في عمق التاريخ، ألا وهي «فجوة الابتكار والتجديد» بالتحفيز إلى ابتكار منتجات مالية إسلامية تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، بحيث توفر أدوات مالية قادرة على امتصاص الحجم الهائل من السيولة المالية المتوفرة لدي المؤسسات المالـــية الإسلامية، وردم الهوة الموجــودة بين النـــظام المــصرفي بالمعني الغربي ونظام التمويل الإسلامي.
وتفيد تقديرات ساعد العوضي المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لتنمية الصادرات، بأن يستحوذ التمويل الإسلامي على نحو نصف إجمالي حجم التمويل في دولة الإمارات بحلول عام 2020، مؤكداً تزايد إقبال أصحاب الأعمال في إمارة دبي على منتجات التمويل الإسلامي في تمويل التجارة.
وأوضح أن ريادة دولة الإمارات في قطاع التمويل الإسلامي أهلتها لتبوؤ مكانة رئيسية ضمن الدول الموفرة لهذا النوع من المنتجات والخدمات، مشيراً إلى أن المؤسسة قد تبنت استراتيجيتها الرامية لتعزيز صادرات الإمارات من المنتجات والخدمات المالية الإسلامية إلى الأسواق العالمية الرئيسية.
وذلك إيماناً منا بإمكانيات وخبرات الدولة في قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية، حيث نظمت عدداً من البعثات التجارية تضمنت ممثلي هيئات حكومية ومؤسسات مالية من الدولة لدراسة متطلبات القطاع في كل سوق على حدة، وكيفية تطوير منتجات وخدمات إسلامية تتماشى مع النظم والقوانين لكل دولة.
بنك دبي الإسلامي.. درة تاج التمويل الإسلامي:
يعد بنك دبـــي الإسلامي، الذي تأسس كشركة مساهمة عامة في عام 1975 في إمارة دبي بـــدولة الإمارات العربية المتحدة، أول بنك إسلامـــي في العالم. بمثابة درة تاج التمـــويل الإسلامــي، إذ قدم البنك ترجمة عملية وتجربة واقعية ناجحة لمنهج التعاملات الـــمالية الإسلامية.
وقد تمكن البنك منذ انطلاقته من تعزيز سمعته وترسيخ مكانته على المستوى المحلي والعالمي وكسب ثقة المتعاملين. ويوفر بنك دبي الإسلامي اليوم مجموعة من الخدمات المالية التي تلبي احتياجات الأفراد والشركات والتــــي تمتاز بالابتكار والتفوق، مراعياً أعلى المعايير العالمية في الخدمات المصرفية، فقد بدأ البنك بقيادة وترتيب تحالفات مالية استراتيجية كبرى بالتعاون مع مؤسسات مالية محلية وعالمية مميزة، وتمكن من توفير حلول مالية متخصصة لمشاريع تنموية ضخمة في دولة الإمارات.
آليات تعزز شفافية صناعة المال الإسلامية:
شكل إطلاق برنامج زاوية للاعتماد المتقدم في التمويل الإسلامي التي جرى إطلاقها، أمس، من جانب «زاوية»، المنصة الإلكترونية الرائدة المخصَّصة للأعمال والاستثمار بمنطقة الشرق الأوسط، بالتعاون مع «معهد إيثيكا للتمويل الإسلامي»، خطوة متقدمة على طريق إشاعة المزيد من الشفافية في صناعة المال الإسلامية وجلب المزيد من التوافق بين فقهاء الشريعة بشأن مقاييس التمويل الإسلامي، وإرساء ثقافة الاحتراف والمهنية في التعامل مع قضايا التمويل الإسلامي، وتسهم هذه المبادرة في تعزيز نمو صناعة المال الإسلامية التي مازالت تشكل شريحة محدودة من صناعة المال في العالم.
ويستند برنامج «زاوية للاعتماد المتقدم في التمويل الإسلامي» إلى منهجية تعـــليمية إلكترونية مبتكرة تهدف إلى تــزويد المهتمين بمنظومة تدريبية وتأهيلية متقدمة وذات كلفة مُجدية في التمويل الإسلامي، ومن ثمَّ تطوير أداء المؤسسات والأفـــراد في هذا المضمار حول العالم، ويـــتألف البرنامج من مكتبة رقمية متزايدة من المواد الفــيديوية التدريبية، مدّة الواحدة منها عشرون دقيقة، تشمل التدريبات ودراسات الحالة والاختبارات السريعة، ومن ثم الاختبارات النهائية.
مقصد جاذب للمجالس الشرعية:
أفادت بيانات «زاوية» المنصة الإلكترونية بأنه ينشط حالياً 36 عالم شريعة في مؤسسات التمويل الإسلامي التي تتخذ من الإمارات مقراً لها ويستحوذ العلماء الخمس الأوائل على 48.47% من إجمالي عدد المناصب البالغ عددها 163 منصباً، فيما يستحوذ العلماء العشر الأوائل في القائمة على 73.01% من إجمالي عدد المناصب.
كما أفادت الخدمة أن متوسط المناصب المشغولة في عضوية مجالس إدارات الشركات على مستوى العالم يبلغ 3.3 مناصب لكل عام شريعة، وأن عدد المناصب المتاحة في عضوية مجالس إدارات المؤسسات المالية الإسلامية والتقليدية لعلماء الشريعة يبلغ 1141 منصباً في 28 دولة. وتحتل الكويت المرتبة الأولى من حيث عدد المناصب المتاحة لعلماء الشريعة، فيما تأتي الإمارات في المرتبة الثانية، ثم تتلوها المملكة السعودية والبحرين وقطر والمملكة المتحدة.
ناسداك دبي تبتكر منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية:
ظهر دور بورصة ناسداك دبي جلياً في مجال الابتكار والتجديد في إدراج صكوك إسلامية قابلة للتحويل إلى أسهم، وتكمن الأهمية في كونها منتجاً مالياً جديداً متوافقاً مع أحكام الشريعة، فرغم أن الصكوك الإسلامية تعتبر أداة مالية مألوفة في مجال التمويل الإسلامي، إلا أن الجديد في الأمر هو قابلية تلك الصكوك للتحول إلى أسهم.
ولقد فتح نجاح إدراج الصكوك المجال أمام بورصة ناسداك دبي كي تلعب دوراً أساسياً ومحورياً في إدراج إصدارات الصكوك الإسلامية في المرحلة المقبلة، إذ أكدت عملية الإدراج كفاءة البورصة وقدرتها الكبيرة على العمل مع المصارف الاستشارية والمصدرين العالميين لإدراج إصدار بهذا الحجم في هذه المرحلة من تطورها. وفي السياق ذاته، أطلقت البورصة مؤشرات لتتبع أسهم الشركات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
وهو ما يفيد في تعزيز أنشطة صناديق الاستثمار الإسلامية، حيث أعلنت عند بدء عملها عن تداول 4 مؤشرات مالية جديدة متوافقة مع الشريعة الإسلامية من «دويتشه بنك» وذلك بعدما تم إدراج هذه المؤشرات ضمن القائمة الرسمية للأوراق المالية المتداولة في البورصة، وتشمل مؤشرات العائد النقدي على رأس المال المستثمر الأربع الجديدة، الشهادات الإسلامية العالمية للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ـــ المؤشر العالمي.
والشهادات الإسلامية بالدولار للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ــــ المؤشر الأوروبي الإسلامي، والشهادات الإسلامية بالدولار للعائد الــنقدي على رأس المال المستثمر المؤشر الأميركي الإسلامي، والشهادات الإسلامــية بالدولار للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ـ المؤشر الياباني الإسلامي، يعتبر إطلاق مثل هذه المؤشرات بمثابة إضافة للجهود السابقة، ففي عام 1999، تم إطلاق مؤشر داو جونز للأسواق الإسلامـــية، وشكل حدثاً مهماً في نشوء صناعة صــناديق الأسهم الإسلامية.
دبي للخدمات المالية تطور الإطار التنظيمي للتمويل الإسلامي:
تسهم سلطة دبي للخدمات المالية في تطوير الإطار التنظيمي للتمويل الإسلامي، بحيث يتوافق مع التطورات في المقاييس والمعايير الدولية، المستجدات التي تطرأ على صناعة التمويل الإسلامي، وجاء اهتمام سلطة دبي للخدمات المالية بتطوير قطاع التمويل الإسلامي في ظل الأولوية التي يعطيها مركز دبي المالي العالمي لأن يكون بمثابة المنصة الأولى في العالم القادرة على جذب هذا التمويل.
وتشارك سلطة دبي للخدمات المالية بنشاط في أنشطة كل من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية AAOIFI، حيث إنها عضو في الهيئتين، كما تحاول سلطة دبي للخدمات المالية التأثير في اتجاهات التفكير من خلال ما يصدر عنها من مطبوعات ومنشورات ومداخلات.
ويتمثل المبدأ الرئيسي الذي ينهض عليه الإطار التنظيمي الجيد في التعامل المتماثل مع المخاطر المتماثلة للتمويلين الإسلامي والتقليدي، وبالتالي، يجب تطبيق قواعد متماثلة عندما تفرض الشركة الإسلامية نفس نوعية المخاطر التي تفرضها نظيرتها التقليدية، بيد أنه ليس بالضرورة أن تكون المخاطر متماثلة، فعلى سبيل المثال، قد يعني الهيكل المختلف للرهن العقاري الإسلامي أن لدى الأطراف حقوقاً والتزامات مختلفة في حالة التعثر.
وبالتالي، يكون منظمو التمويل بحاجة لفهم الهياكل التي يتعاملون معها، حيث توجد بعض المجــالات التي يخـــتلف فيها التمويل الإسلامي عــن نظيرة التقليدي، وذلك بطرق تؤثر بوضــوح على النظام التنظيمي، وفي مجالات أخري، تمــتلك منتـــجات إسلامي ملامح وخصائص تكون بحاجة إلى أساليب إفصاح معينة للمستهلكين.
تزايد جاذبية دبي في أعين المصارف العالمية:
أنعشت حالة الازدهار التي تظلل التمويل الإسلامي تـــوقعات المــصارف الاستثمارية العالمية بتزايد حجم أعمالها، وحفزتها إلى تبـني استراتيجية توسعية ترمي إلى تعزيز حضورها فـي السوق الخليجية للاستفادة من قـــوة زخم نمو أغلب شرائح سوق الخدمات المصرفية الاستثمارية.
وتجري هذه المصارف مفاضلة بين المراكز المـالية في منطقة الخليج لتحديد نسب توزيع محافظها الاستثــمارية، وتتردد في دوائر هذه الصناعة مقولة تصلح عنواناً لاستراتيجية هــذه المصارف مفادها أن هذه المصارف تضع عينيها على أسواق الإمارات وقطر والكويت وسلطـــنة عمان والسعودية، ولكـن قلــبها فـي مركز دبي المالي العالمي.
ساحة للحلول المالية الإسلامية:
يلعب مركز دبي المالي العالمي دوراً محورياً في نمـــو وابتكارات قطاع الخدمات المالية الإسلامية، في منطـــقة تشكل فيها الخدمات المالية الإسلامية جزءاً لا يتجزأ من البنية التحـــتية للنظام المصرفي، وهو الأمر الذي جعل الــمركز الساحة الأمثل لاحتضان المؤسسات المالية التي توفر منتجات إسلامية، بالنظر إلى إرسائه أسساً راسخة لمزودي المــنتجات المالية الإسلامية، بما فيها الصكوك التي تلبي احتياجات المستثــمرين، أفراداً ومؤسسات، مــمن يزدادون إقبالاً على هذه الاستثمارات في الأسواق الإسلاميــة وبقية أسواق العالم.
ويتــيح المركز، من خلال ناسداك دبي، فيضاً من السيولة لتمويل عمليات الإدراج الأولية والـــثانوية وتــداول منتجات مالية إسلامية متطورة، مثل الصكوك. وتعد ناســداك دبي أكبر بورصة في العالم من حيث قيمة الصكوك المدرجة.
بنيان قضائي للنظر في قضايا التمويل الإسلامي:
تم تصميم مــحاكم مركز دبي المالي العالمي للتعامل بشكل خاص مع مسائل التمويل الإسلامي، ورغم أنه لا تُوجد قوانين مُستقلة للتعامل مع متطلبات التعاملات المالية المتوافقة مع الشريعة، إلا أن هذا لا يمنع مسائل وقضايا التمويل الإسلامي من أن تجد طريقها إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي كمسألة يغطيها قانون مركز دبي المالي العالمي وذلك من خلال المنازعات المتعلقة بالمعاملات المالية الصادرة عن مُؤسسات مركز دبي المالي العالمي أو الشركـــات العاملة فيه، وسيكون على محاكم المركز البت فيها خصوصاً إذا ما كانت شرعية المعاملة من وجهة نظر الإسلام.
تصدير خبرات التمويل الإسلامي إلى مراكز المال الأخرى:
تتطلع الكثير من مراكز المال في العالم إلى الاستفادة من خـبرات الإمارة في مجال التمويل الإسلامي، فعلى سبيل المثال تتطلع تركيا إلى الاستفادة من خبرات مركز دبي المالي الثرية في مجال التمويل الإسلامي، بالنظر إلى تنامي الحاجة لدى تركيا إلى المزيد من التمويل الإسلامي والصفقات والمعاملات المالية المــصرفية المتوافقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.
فهناك طلب مـتنامٍ عـــلى هذه المـــنتجات من قبل الشركـــات التركية، وفي السياق ذاته، جاء التمويل الإســلامي ضمن مقترحات تعزيز التعاون بين مركز دبي المالي وهيئة باريس يورو بلاس، حيث إن التمويل الإسلامي قد تطور بوصــفه فئة أصول، وأتاح الموقع المركزي لدبي في قلب العالمين العربي والإسلامي إمكانية أن تصبح محركاً رئيسياً لنمو التمويل الإسلامي وابتكار المنتجات المالــــية الإسلامية، وهي تعمل في هذا المجال جنباً إلى جنب مع المراكز المالية الآسيوية والغربية كلندن وكوالالمبور.
إعادة هيكلة صناعة المال
تمر أسواق المال العالمية بمرحلة إعادة هيكلة للأطر المنظمة لصناعة المال، حيث تثور العديد من التساؤلات حول نقاط ضعف الأطر التنظيمية، وكيفية ملأ الفجوات والثغرات، وقد أعدت سلطة دبي للخدمات المالية العدة لمواجهة تحديات هذه الأوقات المثيرة.
حيث يسعى واضعو السياسات إلى تقييم الأضرار الناجمة عن الأزمة المالية العالمية، وتحديد المخاطر وسبل معالجـــتها، بناء على اقــتناع بأن الوقت الحالي هو وقت الرقابة القوية، وأن أيام التنظيم المرن قد ولت وانقضت، وهذا يعني أن سلطة دبي للخدمات المالية ستستمر في توظيف مواردها لمواجهة المخاطر التي تمثلها أنشطة الشركات، وذلك من خلال اتباع نهج يتسم بالتوازن والشفافية.
المبادئ الرئيسة
تشتمل المبادئ الرئيــسـة للتمـــويل الإسلامي على تحريم »الربا« و»الميسر« و»الغرر«، مع الأخذ في الحسبان أن عناصر من »الغرر« مسموح بها في بعـــض الظـــروف. كما تشتمل على تحريم الاستثمار في الأنشطة المحرمة، وتلك التي تدور حولها الشبهات، منها علــى سبيل المثال الكحوليات والأنشــطـــة الإباحـــية والأنــشـــطة المصرفية التقــــليدية والمــــضاربة.
وينظــر التمويل الإسلامي إلى النقود على أنها لا يمكن أن تكون محل تجارة ويرتكز التمويل الإســلامي على مجــموعة من الصيغ التعاقدية والتي تعــود إلى مطلع بزوغ الإسلام، وقـد جــرت دراسة هذه الصيغ التعاقـــدية من جانب الدارسين، وذلك على نحو متقن، وعلى مدار الوقت، حيث صارت هياكل التمويل الإسلامي أكــــثر تعقيداً، وذلك مــع استخدام العـــديد من العقود في الصفقة الواحدة.
الإمارة تجني مكاسب ازدهار قطاع الاقتصاد الإسلامي
عزز قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، بتأسيس قطاع الاقتصاد الإسلامي قدرات وإمكانيات إمارة دبي على اغتنام ما سوف يتيحه التمويل والاقتصاد الإسلاميين من فرص ومكاسب من شأنها أن تجعل هذا القطاع الذي ولد عملاقاً أحد المحركات الرئيسية المحفزة على تطور ونمو اقتصاد إمارة دبي، ويستعرض كريم ناصيف، المدير المشارك في وكالة التصنيف الائتماني «ستاندارد آند بورز» هذه الفرص في التالي:
تزايد الصفقات العابرة للحدود:
اعتبر المدير المشارك في وكالة التصنيف الائتماني «ستاندارد آند بورز» أن الصفقات العابرة للحدود المتعلقة بالمنتجات المالية الإسلامية وأبرزها الصكوك فيما بين منطقتي مجلس التعاون الخليجي وآسيا، بأنها تتيح فرصاً أكثر من كونها تنطوي على تحديات، مشيراً إلى أن هذه الفرص تشكل قوة محفزة على بروز الكثير من التفاعلات العابرة للحدود، خاصة من جانب شركات مجلس التعاون العربي الخليجي.
تزايد احتياجات الإنفاق الرأسمالي:
من المقدر على سبيل المثال أن تكون السعودية بحاجة إلى ما يتراوح بين 50 إلى 75 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة للإنفاق على قطاع الطاقة والكهرباء بمفرده، وتعد إصدارات الصكوك خصوصاً تلك المتعلقة بمشروعات البنية التحتية بمثابة الآلية التي يمكن من خلالها تمويل هذا الإنفاق الرأسمالي.
توثيق التعاون بين الخليج وآسيا:
حيث أصبحت آسيا أكثر الشركاء التجاريين أهمية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، وتستحوذ تجارة دول مجلس التعاون الخليجي مع آسيا على 40 % من إجمال حجم تبادلها التجاري مقابل حصة نسبتها 10 % فقط منذ عشر سنوات، وبحسب تقرير وحدة استخبارات الإيكونيميست، تعتبر منطقة مجلس التعاون الخليجي مصدراً صافياً لرؤوس الأموال وتعد بعض الدول الآسيوية الصاعدة مستورداً صافياً لرؤوس الأموال، وبالتالي، فالمتوقع أن تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دوراً ضخماً في تمويل الفاتورة الضخمة لمشروعات البنية التحتية للدول الآسيوية الصاعدة.
وبمعزل عن السلع والمنتجات المصنعة، اكتسبت تدفقات الاستثمار في البنية التحتية قوة زخم في ما بين منطقتي الخليج وآسيا، وتشتمل الأمثلة على أنشطة شركة البترول والكيماويات الصينية في مجال التنقيب عن الغاز في المملكة السعودية ومشروع الطاقة النووية في الإمارات، والذي جرى إرساؤه على شركة إلكتريك باور الكورية الجنوبية، كما قامت شركة أبوظبي الوطنية «طاقة» التي تتمتع بتصنيف ائتماني بدرجة إيه مع أفق مستقر بإصدار صكوك بعملة الرينجيت الماليزية، كذاك مؤسسة الخليج للاستثمار وشركة ممتلكات البحرينية، ومن شأن هذه الصفقات أن تسهم في زيادة الروابط بين المنطقتين.
مصدر رئيسي للتمويل:
أصبحت الأدوات مصدراً رئيسياً للتمويل خاصة دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا، في عصر يتسم اليوم بقلة القروض المقدمة من البنوك التقليدية في العالم ودراسة خيارات أخرى للتمويل. وتعد منطقتا الخليج وآسيا مركزين لسوق نام يبلغ تريليون دولار. في الوقت ذاته، تسعى آسيا ودول التعاون للحصول على كميات ضخمة من رؤوس الأموال لتلبية متطلباتها المتزايدة على البنية التحتية الجديدة.
ازدهار إصدارات الصكوك:
عزز الاستفادة من سوق الصكوك هيكلة رأس المال والسيولة في الشركات الخليجية والآسيوية، خاصة تلك التي تعمل في صناعات تعتمد بشكل كبير على رأس المال مثل البنية التحتية. وهو ما يسهم في توفير التمويل على مدى أطول لبعض الشركات التي تحتاج إلى مصادر تمويل أخرى. ومن ثم تستفيد منطقتا آسيا ومجلس التعاون الخليجي وبشكل مطلق من نمو إصدارات الصكوك العابرة للحدود فيما بينهما.
حيث تهتم كل منطقة من المنطقتين بالاستثمار في القطاعات الاقتصادية التي لدى الأخرى، بالنظر إلى الروابط الطبيعية التي تربط فيما بينهما منــذ فترات طويلة مضت، فضلاً عن احتياج المنطقتين إلى إنفاق رأسمالي ضخم لتمويل مشروعات البنية التحتية، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال إصدارات الصكوك.
تمويل مشروعات البنية التحتية:
تنظر «ستاندارد آند بورز» إلى سوق التمويل الإسلامي لمشاريع البنية التحتية في منطقتي آسيا والخليج باعتبارها وصلت إلى منعطف مهم في ما يتعلق بإصدارات الصكوك الجديدة، حيث تجاوزت قيمة الإصدارات في سوق دول مجلس التعاون الخليجي 19 مليار دولار بحلول يوليو من عام 2012، وهي تقريباً نفس قيمة الإصدارات في عام 2011 كاملاً. واستأثرت مشاريع البنية التحتية بـ30٪من إجمالي قيمة هذه الإصدارات مقارنةً مع 7٪ فقط خلال العام الماضي.
ويعود الفضل في هذا الارتفاع إلى كل من العائدات المنخفضة، والمستويات المرتفعة نسبياً من السيولة، ومتطلبات النفقات الرأسمالية الكبيرة.
تاج التمويل الإسلامي
جرت الكثير من المياه في أنهار التمويل الإسلامي، حيث نـــما حجم هذا التمويل بشكل جعل الكثيرين يراودهم حلم التزين بهذا التاج علي رؤوسهم، ولكن كانت هذه الأحلام تتبدد بمجرد تفكيرهم ملياً في الخطوات التي خطتها دبي لتكريس حقوقها الشرعية والتاريخية في هذا التاج، الذي حرصت أن يظل مــتألقاً على رأسها ليس بحكم الحقوق التاريخية فحــسب.
ولكن بحكم ما ينطق به الواقع الذي تنتصب بين جوانبه مبادرات ساهمت في جعل هذا التمويل جزءاً أصيلاً من النظام المالي العالمي. وجاء تكاثر المدعين بحقهم في ملكية تاج التمويل الإسلامي في ظل واقع جديد فرضته البنوك الإسلامية على السوق المصرفية العالمية، حيث اقتحمت مصطلحات «المشاركة» و«الصكوك» و«التكافل» قواميس البنوك الغربية، واستطاعت البنوك الإسلامية أن تطرح مفهوماً جديداً في التعاملات المصرفية، وليس أدل على ذلك سعي العديد من البنوك العالمية لإنشاء أقسام إسلامية لتلبية الطلب المتزايد لعملائها المسلمين على الخدمات البنكية .
مراكز المال العالمية تتسابق على الصيرفة الإسلامية
اقتحمت مصطلحات «المشاركة» و«الصكوك» و«التكافل» قواميس البنوك الغربية، واستطاعت البنوك الإسلامية أن تطرح مفهوماً جديداً في التعاملات المصرفية، وليس أدل على ذلك سعي العديد من البنوك العالمية لإنشاء أقسام إسلامية لتلبية الطلب المتزايد لعملائها المسلمين على الخدمات البنكية التي تتوافق وتعاليم الشريعة الإسلامية.
ويعزو محللون هذا النمو السريع للقطاع المصرفي الإسلامي وتزايد الإقبال العالمي عليه إلى عوامل مرتبطة بأسلوب عمل البنوك الإسلامية ذاتها، ومن هذه العوامل اتجاه معظم المصارف الإسلامية إلى تأسيس محافظ استثمارية محلية وصناديق استثمار في الأسهم العالمية، ما أدى إلى توسع قاعدة السوق أمام هذه المصارف وازدياد الخدمات المالية والاستثمارية التي تقدمها.
وتكمن المفارقة هنا بالنسبة لخبراء المصارف الغربيين في بروز أساليب ومفاهيم تمويل تضرب بجذورها في تجارة قوافل الجمال بطول المنطقة الساحلية القديمة للبحر الأحمر، في عصر تنتقل فيه الأموال والأفكار بسرعة الضوء من شروق الشمس في طوكيو حتى غروبها في مانهاتن في عالم رقمي ذي حركة فائقة السرعة، وعلى الرغم من التحريم الإسلامي للفوائد «الربا»، إلا أن البنوك الإسلامية اقتحمت القلاع الحصينة في حي المال اللندني، و«وول ستريت» في نيويورك، والمصارف الخاصة السويسرية، وصفوة إدارة المال في بوسطن.
وأعطت الحكومات في دول عدة اهتماماً لسوق التمويل الإسلامي، فبالإضافة إلى الدول الواقعة في المنطقة المترامية من المغرب وتونس إلى إندونيسيا، أصبحت دول أخرى جزءاً من هذا التيار كروسيا وجنوب إفريقيا والصين، وشرعت الكثير من المؤسسات المالية الكندية في إعداد منتجات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، على غرار الرهونات العقارية والصناديق الاستثمارية الإسلامية وأنشطة التأمين، وفي المملكة المتحدة، رخصت سلطة الخدمات المالية أخيراً لأول بنك إسلامي في المملكة.

