توقع الدكتور محمود سيد عبد العال الرئيس التنفيذي في الشركة الإسلامية للتمويل (آفاق) أن تصل حصة المصارف الإسلامية من أصول القطاع المصرفي في الإمارات إلى 124 مليار دولار (452 مليار درهم) العام المقبل. ودعا عبد العال إلى ضرورة إعادة النظر في القوانين المنظمة لشركات التمويل الإسلامي وتطوير تشريعات جديدة لتلك الشركات يضعها مختصون في الصناعة تتماشى مع رؤية وأهداف مبادرة «دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي» من جهة ومع ما تشهده الدولة من نمو مذهل في كل الجوانب الاقتصادية على صعيد الصناعة المصرفية أو الأسواق المالية من جهة أخرى.

وشدد عبد العال في حوار خاص مع «البيان الاقتصادي» على ضرورة تشكيل هيئة رقابة شرعية مركزية يكون من أهم مهامها وضع حد للجدل السائد في مشروعية أدوات التمويل والاستثمار بهدف جعل المتعامل مع مؤسسات التمويل الإسلامية بشكل عام وشركات التمويل منها بشكل خاص أكثر فهماً وإدراكاً لطبيعة هذه المعاملات .

وفيما يلي نص الحوار:

ما هي توقعاتكم لنمو أصول التمويل الإسلامي وأداء القطاع في الدولة هذا العام؟

صناعة التمويل الإسلامي مستمرة في النمو مدفوعة بعوامل العرض والطلب والفرص التي توفرها الجهات الحكومية على مستوى العالم، ونعتقد أن صناعة التمويل الإسلامي ستشهد تركيزاً على أربعة مجالات رئيسية في السنوات الأربع المقبلة، هي تعزيز الاستقرار المالي، والمساهمة بشكل أكبر في الاقتصاد الحقيقي، وتوسيع نطاق تقديم المنتجات والخدمات لزيادة عدد العملاء، وأخيراً تطوير الأبحاث لتحسين كفاءة هذه الصناعة.

كما نعتقد أن مزيداً من الناس يتحولون من البنوك والمنتجات التقليدية إلى المنتجات الإسلامية، وهذا يعني انخفاضاً في حصة الأصول المالية التقليدية وزيادة مقابلة لها في المصرفية الإسلامية.

كما نتوقع أن يكون أداء القطاع إيجابياً جداً خصوصاً بعد الإعلان عن مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي بالدرجة الأولى التي أعطت زخماً قوياً للصناعة بالإضافة إلى نمو القطاع بوتيرة أسرع من القطاع المالي التقليدي على مستوى العالم بالدرجة الثانية. أي نستطيع القول إننا نتوقع مزيداً من النمو لهذا القطاع خلال العام الجاري والأعوام المقبلة، وأتوقع أن تنمو حصة القطاع المصرفي الإسلامي في الإمارات إلى 124 مليار دولار أميركي خلال العام المقبل.

ما حصة تلك الأصول من إجمالي الأصول المصرفية والتمويلية في الدولة؟

في دراسة أجراها مصرف الإمارات الإسلامي، تبلغ حصة البنوك الإسلامية حالياً 25 ٪ من نسبة الصناعة المصرفية في دولة الإمارات، إلا أن الدراسة تقول إنه من المتوقع أن تصبح هذه النسبة 50 ٪ بحلول عام 2020. وهو نمو أكثر من مرضٍ لصناعة لم يتجاوز عمرها 40 عاماً بالمقارنة مع الصناعة المصرفية التقليدية التي يتجاوز عمرها 400 عام.

ما سبب وجود فجوة كبيرة بين العرض والطلب على منتجات الاستثمار الإسلامية كالصناديق لصالح العرض برأيكم؟

إننا نعترف بوجود هذه الفجوة، إلا أنه لا يمكننا اعتبار أن هذه الفجوة موجودة فقط في المنتجات المالية الإسلامية، وأخيراً تجاوز الاكتتاب على أسهم شركة «ماركة» الغذائية نسبة 3600 ٪ من المعروض للاكتتاب، ما يشير إلى أن الطلب أكبر من العرض في العديد من الأدوات المالية وليس فقط تلك التي تخضع لرقابة مباشرة من الهيئات الشرعية.

كما أن هذه الفجوة أيضاً لا يمكن اقتصارها على الصناديق والمنتجات المالية، فعلى مستوى العالم، الطلب على الصناعة المالية الإسلامية بكل مكوناتها أكبر من العرض، ولا تزال المساحة مفتوحة للمؤسسات المالية الإسلامية للانتشار وتقديم المنتجات المختلفة.

كيف يمكن سّد تلك الفجوة؟

أعتقد أننا لن نستطيع بهذه السهولة «سد» هذه الفجوة، لأنها كبيرة نوعاً ما وتحتاج لكثير من الجهد والوقت من جانب، ومن جانب آخر فإن هذا النوع من الفجوات يتسع كلما حاولت سده. بمعنى إذا طرحت صكوكاً وصناديق استثمارية إسلامية ناجحة فهذا سيزيد الطلب على هذه الأدوات وقد يعني ذلك زيادة الفجوة، إذاً نحن بحاجة إلى تخفيف الفجوة الحالية الموجودة في السوق وليس سدها نهائياً. والذي يمكننا تقديمه مثلاً هو توحيد الفتاوى المتعلقة بإصدار وتداول الصكوك وعمل الصناديق وتسهيل إجراءات الإصدار ونشر الوعي بين المستثمرين على الفوارق بين الصكوك والسندات التقليدية مثلاً.

كيف يمكن دفع عجلة تطور صناعة المال الإسلامي؟

من الضروري تشكيل هيئة رقابة شرعية مركزية تكون من أهم مهامها وضع حد للجدل السائد في مشروعية أدوات التمويل والاستثمار وبالشكل الذي يجعل المتعامل مع مؤسسات التمويل الإسلامية بشكل عام وشركات التمويل منها بشكل خاص أكثر فهماً وإدراكاً لطبيعة هذه المعاملات. أضف إلى ذلك قصور عمليات الاجتهاد وعدم اكتمال عمليات التنظير لمراحلها المختلفة ما أدى في كثير من الأحيان إلى محاكاة الكثير من الأساليب والأدوات التقليدية.

بالإضافة إلى قلة وضعف الأوراق المالية التي يوفرها السوق المالي لهذه المؤسسات الإسلامية. وتجب الإشارة كذلك إلى وجود ضعف في وعي المجتمع بهذه الصناعة ومزاياها والفوارق بينها وبين المؤسسات المالية التقليدية، سواء من المودعين أو طالبي التمويل والمتعاملين مع خدمات المصرفية الإسلامية.

كيف يمكن إذاً رفع حظوظ شركات التمويل في توسيع قاعدة عملائها وزيادة حصتها السوقية بالنتيجة؟

يمكن ذلك من خلال تعديل التشريعات والقوانين المنظمة لعمل هذه الشركات والتي أشرنا سابقاً إلى ضرورة أن تتماشى هذه التشريعات والقوانين مع ما تشهده الدولة من نمو مذهل في كل الجوانب الاقتصادية على صعيد الصناعة المصرفية أو الأسواق المالية.

فمن المؤكد أن هذه التشريعات المحدثة والمعدلة ومن خلال المتابعة الدورية لها تكون في محصلتها إتاحة المزيد من الفرص لزيادة حصة هذه الشركات السوقية، فعلى سبيل المثال إن تم رفع النسبة المسموح بها لتمويل أو الاستثمار في مشروع واحد إلى 10 أو 15 ٪ في حال توفر ضمانات محددة، تكون محصلة ذلك قدرة هذه الشركات على استقطاب المزيد من العملاء أو استكشاف فرص استثمارية أكثر مما هو متاح الآن في ظل النسبة الحالية، ولا مانع هنا من أن تكون النسبة على الإطلاق هي 10 ٪ وفي حال تجاوز المبلغ المراد منحه كتمويل أو كاستثمار هذه النسبة المقررة من أخذ الموافقات المسبقة من الجهات الإشرافية والرقابية مثل المصرف المركزي، فأعتقد أيضاً أن نوعاً ما من التخصصية في أعمال هذه الشركات قد يكون كفيلاً بأن تركز هذه الشركات في قطاعات معينة لا ترغب البنوك والمصارف العاملة من الدخول إليها.

كما أن العمل المشترك في شكل تمويلات مجمعة أو استثمارات مشتركة فيما بين هذه الشركات من الممكن أن يؤدي إلى المزيد من الفرص التمويلية أو الاستثمارات، وقدرتها على استيعاب نوعية مختلفة من العملاء والمتعاملين معها.هناك بعض الخدمات والمنتجات التي لا ترغب البنوك والمصارف في التعاطي معها وبالتالي لابد لهذه الشركات زيادة وسائل استكشاف الفرص المتاحة في السوق.

ما الذي يحتاجه القطاع كذلك لتجاوز بعض تلك المعوقات على المدى القصير؟

نحن بحاجة لوجود المزيد من الكوادر البشرية المؤهلة، وتوفر المزيد من البرامج التعليمية والتدريبية التركيز على موضوع الهندسة المالية الإسلامية من خلال ابتكار واستحداث أدوات مالية شرعية، كما أنه يجب على المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية إعطاء الأولوية لعمليات الابتكار والتطوير من خلال إنشاء وتطوير مراكز الأبحاث القائمة، كما أنه يمكن كذلك أن يكون للمصارف المركزية دور استراتيجي في مغالبة هذه المعوقات من خلال قدرتها على أن تتحاور مع المصارف والبنوك الإسلامية لتعرف متطلباتها وتوفر لها الأدوات التي تعزز أعمالها.

وكذلك تستطيع المصارف المركزية الرجوع إلى علماء الشريعة الإسلامية واستشارتهم بالتشريعات التي ستفرضها على البنوك الإسلامية قبل اعتمادها وأيضاً توحيد الفتاوى المتعلقة بهذا الأمر من شأنه أيضاً أن يقلل من هذه العوائق، كما أن نشر الوعي المجتمعي بالاقتصاد الإسلامي وقطاعاته المختلفة من خلال الندوات والمحاضرات التعريفية في هذه الصناعة كفيل بأن يجعل المتعامل مع هذا القطاع أكثر فهماً لحيثياته.

ما هي القطاعات الأكثر اهتماماً بالتمويل الإسلامي؟

الصناعة المالية الإسلامية صناعة مرنة وتتأقلم مع جميع الظروف والأحوال والحاجات وتقدم خدماتها لجميع المؤسسات التي تعمل بما يوافق الشريعة الإسلامية، إلا أن المؤسسات المالية الإسلامية تميل أحياناً باتجاهات معينة أكثر من اتجاهات أخرى لأغراض مختلفة، منها لضمان أموالها أو لسهولة تقديمها أو لوجود شبهات يفضّل تجنبها كالاستثمار في بعض مناحي قطاع السياحة، علماً أن الإمارات نجحت في تشكيل وحدة جذب سياحي يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وبناءً على نظرتنا، فإننا لاحظنا أن القطاعات العقارية والتجارية والصناعية لها مقدرة في الحصول على التمويل الإسلامي أعلى من غيرها نسبياً، نظراً لوجود العديد من الحلول التي يمكن تقديمها من استعمال صيغ المرابحة والإجارة والاستصناع، ويتمتع قطاع العقارات بزيادة الإقبال عليه ومخاطرته المقبولة نسبياً بالإضافة إلى أن إمارة دبي صارت وجهة عقارية من الطراز الأول.

 

آثار إيجابية لمبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي

قال الدكتور محمود عبد العال إن مبادرة دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي حققت حتى الآن العديد من الآثار الإيجابية التي يمكن تلمسها في الفترة الأخيرة منها هي زيادة الإقبال على الأدوات المالية الإسلامية، والتعاطي بشكل أكبر مع مكونات الاقتصاد الإسلامي وقطاعاته المختلفة.

وبالتالي نستطيع أن نؤكد أن المبادرة لها تأثير إيجابي على أدوات التمويل الإسلامي في الأجل القصير، وربما وهو الأهم إطلاق نقل ثقافة التمويل الإسلامي إلى المجتمع المحلي والعالمي وهو ما سيؤدي إلى تعاظم الطلب على منتجات التمويل والاستثمار الإسلامي.

وأضاف: «لا شك أن للمبادرة أثراً إيجابياً على هذا القطاع، ونحن واثقون كل الثقة أن المبادرة في طريقها الصحيح وذلك بفضل دعم سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فهذه المبادرة الكبيرة تحتاج إلى تضافر الجهود من جميع الجهات المهتمة بأمر الاقتصاد الإسلامي لتحقيق ذلك، حيث إن دبي عودت العالم أن تكون مدينة استثنائية ومبادراتها بالطبع هي مبادرات استثنائية لأن القيادة استثنائية.

إلا أننا يجب ألا نغفل أن المدن المنافسة أيضاً تسعى لاستقطاب العالم بأسره.

ونعتقد أن المبادرة بمساقاتها المختلفة قادرة على خلق إطار نظري متكامل وموحد قائم على القواعد والأسس الشرعية وتعميق وتوسيع الاجتهاد بصورة أفضل بصورة تمكن من بلورة الصيغ بالإضافة إلى قدرتها على التنسيق بين المسارات المختلفة بما يكون مؤداه في النهاية إلى وجود اقتصاد حقيقي إسلامي». ولفت عبد العال إلى أن حصة شركات التمويل الإسلامي من إجمالي الأصول الإسلامية في الدولة محدودة جداً ولا تتجاوز 3 %.

وأضاف: «يوجد حوالي 11 شركة تمويل في الدولة و12 مصرفاً إسلامياً في الدولة غير البنوك التي لديها نوافذ إسلامية، والعميل بشكل عام لا يلجأ لشركات التمويل الإسلامية إلا في حال وجود عوائق أمام طلب التمويل أو لوصوله إلى الحد الأقصى من التسهيلات الممنوحة، وبالتالي فإن فرص التمويل المتاحة أمام شركات التمويل بشقيها الإسلامي والتقليدي تكاد تكون ضئيلة جداً إذا ما أخذنا في الاعتبار منافسة البنوك العاملة لشركات التمويل خاصة وقدرتها على تقديم نسب أرباح أو فائدة مناسبة للمتعاملين معها، نظراً لقدرة هذه المصارف على التحكم في تكلفة مصادر الأموال».

 

تطوير القطاع

قال محمود عبد العال إن تقادم القوانين التي تحكم عمل شركات التمويل الإسلامي هي من أهم معوقات نمو وانتشار صناعة المال الإسلامي. وأضاف: «برأينا أن السياسة النقدية التي يتبعها المصرف المركزي واستخدامه لأدوات هذه السياسة تجاه المصارف الإسلامية تحتاج إلى مراجعة، حيث نجد أن المصارف المركزية في كثير من الأحيان لا تفرق بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية، وتعاملهما معاملة واحدة.

فمن أهم الإشكاليات التي تواجه شركات التمويل الإسلامي هي مشكلة تقادم القوانين، حيث إن تلك الشركات لا تزال تعمل بالاعتماد على تعميم واحد فقط هو التعميم رقم 165/6 الصادر في 2004، الذي يحدد أن سقف التمويل أو الاستثمار المسموح به هو نسبة 7 % من رأس المال وهي نسبة ضئيلة جداً ولا تسمح بالاستفادة من الفرص الاستثمارية ولا تتماشى مع طبيعة الاستثمار في السوق، ومنذ ذلك الوقت لم تصدر أي تشريعات جديدة في قطاع التمويل الإسلامي، علماً أن اقتصاد الدولة قد تقدم كثيراً منذ ذلك الوقت وهنالك العديد من المشاريع الجديدة المرتقبة بفضل إكسبو 2020، وغيرها من المشاريع الاستثمارية.

ونحن ندعو إلى ضرورة تطوير تشريعات جديدة لشركات التمويل الإسلامي يضعها مختصون في الصناعة وتأخذ بعين الاعتبار البعد الشرعي للمعاملات».