مثلت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتحويل دبي إلى عاصمة للاقتصاد الإسلامي وتوطيد مكانة الإمارة كمركز عالمي لإصدارات الصكوك، ناقوس انتباه لأغلب عواصم العالم المالية التي كانت تبحث عن مخارج لأزماتها أو أفكار لاستراتيجياتها المستقبلية، ليجدوا في هذه المبادرة استشرافاً للمستقبل الواعد لهذا القطاع الواعد والذي أثبت مكانته بقوة في خارطة الاقتصاد العالمي، كما أكد الاقبال الكبير على الصكوك شركات دبي نجاح الامارة في التحول إلى عاصمة للاقتصاد الاسلامي.
وعملت أغلب العواصم المالية العالمية جاهدة على تتبع خطى الإمارة في هذا الصدد، سواءً من خلال دراسة إمكانية تطبيق نفس الفكرة، أو محاولة الاستفادة من رؤوس الأموال التي ستتجه نحو دبي بعد تطبيق هذه المبادرة.
وأكدت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة ستاندارد اند بورز المالية المتخصصة، أن السندات الإسلامية، أو الصكوك ذات الشعبية الواسعة في الشرق الأوسط، بدأت تحظى باهتمام ملفت في كل من أوروبا والولايات المتحدة.
وأوضحت الدراسة أن شعبية النظام الائتماني المبني على إصدار الصكوك ارتفعت بشكل كبير وغير متوقع على الصعيد العالمي، بعد أن أعلنت دبي مبادرة الاقتصاد الإسلامي، وعزمها المضي قدماً لكي تكون مركزاً عالمياً لإصدار الصكوك، كما أضافت بأنه عندما أصدرت حكومة دبي الشهر الماضي صكوكا إسلامية بقيمة 500 مليون دولار، على مدى عشر سنوات، سارع مستثمرون غربيون إلى شراء 38% منها.
وقال محمد داوود، مدير فرع الديون السوقية التابع لقسم الصيرفة الإسلامية في بنك إتش إس بي سي البريطاني بأن المشاكل الأوروبية الحالية والمتراكمة منذ أكثر من 5 سنوات، ساهمت في زيادة الطلب على منتجات بديلة مثل الصكوك الإسلامية، خصوصاً في ظل عجز النظام الائتماني التقليدي عن حل هذه المشاكل.
هذه الزيادة أسفرت عن حصول موجة من الاهتمام العالمي بهذه الصكوك من جانب المستثمرين الغربيين في الآونة الأخيرة. متوقعاً أن تتجه بلدان ذات أنظمة مالية مختلفة إلى دراسة إمكانية نقل تجربة دبي إليها".
وأشارت الدراسة إلى أن حجم الصكوك الإسلامية التي صدرت في عام 2012 في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد وصل إلى 26.3 مليار دولار؛ أي بزيادة 34.4% عما كانت عليه في 2011؛ وذلك بفضل النشاط الاقتصادي المتزايد في بلدان الخليج، خصوصاً في السعودية والإمارات. لتضيف بأن هذا النمو القوي سيستمر في وتيرته التصاعدية على الأقل في الفترة ما بين 2013-2015، بعد إعلان مبادرة دبي الخاصة بإصدار الصكوك.
لندن
تدرس الحكومة البريطانية خططاً لإحياء نظامها المالي ببيع صكوك إسلامية كجزء من مبادرة لتعزيز دور بريطانيا كمركز أوروبي للتمويل المتوافق مع الشريعة الإسلامية. حيث يقود وزير الخزانة جريج كلارك مجموعة عمل لتسليط الضوء على صناعة التمويل الإسلامي. وقال شبير Randeree رئيس DCD لندن والإستثمار بي في لندن وعضو في فريق عمل بين البنود التي نوقشت في جلسة اليوم الافتتاحي كان بيع السندات الإسلامية.
وقال شابير راندري، رئيس بنك دي سي دبي، وهو عضو في هذه المجموعة، أن الاجتماع الأول لهذه الأخيرة، دار حول مواضيع كثيرة لكن أهمها كان دراسة كيفية تفعيل هذا النظام في برطيانيا، وتحويل الدولة إلى مركز أوروبي قوي لإصدار الصكوك. كما ناقشنا هل سيكون من الأفضل بناء نظام مالي كامل متوافق مع الشريعة أو الاكتفاء بإصدار صكوك".
وفي سياق متصل أعلن بنك لندن والشرق الأوسط، وهو أحد أهم البنوك البريطانية، عن افتتاحه لمكتب تمثيلي في دبي، ليتمكن من استهداف المزيد من المستثمرين حيث قال همفري بيرسي الرئيس التنفيذي للبنك:
سيمكنّنا افتتاح مكتبنا التمثيلي القريب في دبي من استهداف المزيد من المستثمرين وأيضاً زيادة التوزيع، بدعم من العلاقات القوية ومنصة العمل التي قمنا بتطويرها خلال السنوات الخمس الماضية". جاء ذلك عقب إعلان مجلس إدارة البنك عن قيامهم بتحويل صندوقه للصكوك العالمي (الذي كان مسمى سابقاً بصندوق العوائد العالية بالدولار الأمريكي) ليتيح التعاملات اليومية.
وأشار إلى أن نجاح دبي في عملية إصدار الصكوك على مدار السنوات الماضية، والتوقعات القوية بأنها ستكون مركزاً عالمياً في هذا القطاع، يجعلها وجهة محببة لكل المؤسسات المالية العالمية، سواءً تلك التي تعمل وفق الشريعة والنظام الإسلامي، أو المؤسسات المالية التقليدية التي أصبحت تبحث عن مصادر نمو جديدة. مضيفاً بأن هذه هي الأسباب التي دفعت مجلس إدارة البنك يختار الإمارة ليفتتح بها مكتباً تمثيلياً.
وأكد على أن تطبيق مبادرة الاقتصاد الإسلامي، لن تكون صعبة على دبي، التي اعتادت النجاح، خصوصاً في الأمور المالية والاقتصادية، ولنا في كيفية تجاوزها الأزمة المالية العالمية بأقل الأضرار خير مثيل، بفضل دقة اختيار نوعية وتوقيت الاستثمارات الحكومية خصوصاً في القطاعين المالي والسياحي.
من جانبه قال نيجل دنيسون رئيس إدارة الثروات والخزانة في بنك لندن والشرق الأوسط: "يوفر صندوق الصكوك العالمي ذو الأداء العالي منفذا للمستثمرين لدخول سوق الصكوك النشط. ونتوقع أن يواصل قطاع التمويل الإسلامي بالنمو خلال عام 2013، وعلى وجه الخصوص سوق الصكوك.
ومن المحتمل أن تستمر الدفعة التي شهدها سوق الصكوك في عام 2012، بتوقعات بزيادة مضاعفة في حجم إصدارات الصكوك من 300 مليار دولار أمريكي أصدرت في 2010 إلى 900 مليار دولار أمريكي يتم إصدارها بحلول عام2017 وفقاً لما ورد عن إرنست ويونغ. وسوف يظل الطلب مرتفعاً مع تجاوز الطلبات حدود الاكتتاب في الإصدارات الجديدة بعشر مرات، وستبدأ جهات الإصدار الجديدة في دخول السوق للاستفادة من الزيادة في الطلب".
وأضاف "هذه الأرقام والتوقعات القوية بنمو سوق الصكوك العالمي، جعلت من العالم يتأكد أن دبي اتخذت القرار الصحيح في الوقت الصحيح، وهذا بالضبط ما سيجعل البعض يفكر جدياً في اتباع خطى الإمارة وخوض غمار الدخول في نظام إسلامي أو نظام مشابه له، خصوصاً في بلدان أميركا الشمالية وأوروبا".
فرنسا
كما أكدت مصادر شبه حكومية فرنسية، على أن الحكومة الفرنسية التي قامت في السابق بتعديل الإطار القانوني والمالي لديها ليناسب إصدار سندات إسلامية (صكوك)، تفكر جدياً في تمويل بعض مشاريعها العقارية الكبرى عبر إصدار صكوك إسلامية، خصوصاً في ظل المشاكل المالية المتتالية التي تعاني منها ثاني أكبر اقتصاديات القارة العجوز. وتطلعها إلى اجتذاب هذه الصناعة سريعة النمو.
وأشار بعض الخبراء الماليين الفرنسيين إلى أن هذه الخطوة أتت بعد أن تيقنت الحكومة الفرنسية الجديدة أن الأنظمة المالية القائمة في فرنسا، لن تستطيع حل المشاكل المالية الكبيرة التي تعاني منها، مشيرين إلى أن باريس تحاول اجتذاب رؤوس الأموال الخليجية للمشاركة في أحد أكبر المشاريع على مستوى العالم مشروع منطقة الديفانس الذي أطلقه الرئيس الفرنسي في 2011 وينتهي في 2025 بتكلفة تصل إلى 93 مليار يورو 123.25 مليار دولار.
وقد أعلنت هيئة تنمية الاستثمارات الأجنبية في فرنسا أنها تدرس جدياً تمويل المشاريع العقارية الكبرى في منطقة باريس وضواحيها وبعض المشاريع الصناعية من خلال إصدار صكوك إسلامية سيتم طرحها بنهاية العام الحالي، كما سيتم إنشاء محفظة استثمارية مطابقة للشريعة الإسلامية لتمويل مجموعة مشاريع في مجال التكنولوجيا الحديثة.
وقال بيير سيمون رئيس الهيئة: "جزء كبير من المشاريع يتعلق بالتمويل العقاري لذلك سيكون من السهل مناسبته مع المبادئ التنظيمية المالية للشريعة الإسلامية بدون أي مشكلات، لا مشكلات مع الشريعة في مثل هذه المشاريع، لذلك إصدار صكوك أمر وارد جداً، خصوصاً أنه سيساعدنا في جذب رؤوس أموال خليجية، من السعودية وقطر، وخاصة من دبي التي أعلنت مؤخراً عن تطبيقها مبادرة للاقتصاد الإسلامي".
وأضاف: "تطبيق دبي لهذه المبادرة يعد دليلاً واضحاً على أنها النظام المالي المستقبلي، وعليه فإننا سنرى قريباً الكثيرين يلجؤون إلى تطبيق هذا النظام، خصوصاً بعد أن يثبت نجاحه في الإمارة. وأنا أكيد أنه سينجح، فالصكوك أداة رئيسية في قطاع التمويل الإسلامي وتتطلع باريس جذب أنشطة الأعمال في هذا القطاع الذي يقدر بنحو 2 تريليون دولار على أقل تقدير".
«دول الربيع» نحو إصدار صكوك للخروج من أزمتها المالية
تشهد مصر حالياً تجاذبات كثيرة ومعقدة بخصوص الاتجاه نحو إصدار صكوك إسلامية للخروج من أزمتها المالية الخانقة، ففي هذا النطاق ذكر الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر أن الصكوك الإسلامية تعد من أحدث صيغ التمويل والاستثمار في العالم، لتحقيق التنمية المنشودة.
وأنها طوق النجاة لتوفير السيولة المالية اللازمة لإقامة المشروعات الاستثمارية والتنموية، وأنها البديل الوحيد والمتاح للاستغناء عن الاقتراض من الخارج، خاصة في ظل توافقها مع الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا.
ولفت الدكتور محمد البلتاجي، رئيس الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي، إلى ان نجاح دبي في إصدار الصكوك خير دليل على أهمية هذا النظام، حيث أصدرت الإمارة خلال السنوات الخمس الأخيرة ما يقرب من 200 مليار دولار في السوق الإسلامية، والتي أصبحت السوق الواعدة، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية، مشيراً إلى أن العديد من الدول غير الإسلامية اتبعت هذه الخطى مثل فرنسا وبريطانيا.
العديد من التشريعات
ورأى أن الصكوك الإسلامية في مصر مازالت في حاجة إلى العديد من التشريعات والقوانين اللازمة لنشرها والتوسع في استخدامها من قبل البنوك المصرية، فهي تحتاج تشريعًا خاصًا بها، وتكوين هيئة شرعية لاعتماد الضوابط والآليات ومجالات الاستخدام إلى جانب الإلمام من جهة مصدري الصكوك بسبل العمل بها، وتهيئة الأجواء العامة في مصر للتحفيز على استخدام الصكوك الإسلامية والتوسع فيها، داعياً إلى الاستفادة من تجربة دبي الناجحة في هذا الخصوص خصوصاً.
كما أشارت دراسة حديثة لمؤسسة تريبيون إكسبريس، أن دول الربيع العربي تتجه بقوة نحو تغيير أنظمتها المالية لتتناسب مع إصدار الصكوك، وبدأت مشاورات حكومية بالفعل في كل من تونس والمغرب وليبيا. حيث أشارت الدراسة إلى أن هذه التوجهات جاءت بشكل مباشر بعد أن حققت إصدارات الصكوك رقماً قياسياً في 2012، بتسجيل 144 مليار دولار كصكوك جديدة خلال هذا العام، لتتصدر الأدوات التمويلية عالمياً، بالإضافة إلى توجه دول عالمية نحو التركيز على مبادئ الاقتصاد الإسلامي، كما في دبي والخليج عموماً.
إفريقيا
وفي سيناريو مشابه لدبي، أعلنت السنغال أمس عن مبادرة لجعل الدولة مركزاً للاقتصاد الإسلامي في منطقة غرب إفريقيا، حيث تسعى الدولة التي يمثل الإسلام 95% من سكانها، إلى تغيير قوانينها التنظيمية المالية، لتتناسب وإصدار الصكوك، والاستفادة من رؤوس الأموال الموجودة في هذه المنطقة.
وقال محمدو لمين، مدير المعهد الإفريقي للتمويل الإسلامي، إن السنغال لا تزال بحاجة إلى تعديل سياساتها لتكون قادرة على معالجة الديون عن طريق إصدار سندات تتوافق مع الشريعة الإسلامية خصوصاً بعد تأجيل خطة العام الماضي لطرح مثل هذه السندات. وأضاف قائلاً: كانت الحكومة مترددة لاتخاذ مثل هذه الخطوة، لكن نجاح الاقتصاد الإسلامي في بلدان أخرى.
وإطلاق دبي نفس المبادرة مع اختلاف انها تستهدف النطاق العالمي، جعل الدولة تعلن نفسها مركزاً لهذا القطاع في منطقة غرب إفريقيا التي يعد 52% منها مسلمين، طبعاً لا ننتظر نفس النجاح الذي من المتوقع أن تحققه دبي، لكننا متفائلون جداً.
كما أعلنت نيجيريا، على أنها قد بدأت بالفعل في تعديل قوانينها المنظمة للقطاع المالي لكي تناسب إصدار سندات متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وأشار خبراء ماليون نيجيريون على أن هذه التعديلات تواجدت على مكاتب الحكومة منذ 2011، لكنها لم تخرج إلى النور إلى الآن، مرجعين السبب إلى الشعبية الواسعة التي اكتسبتها هذه الأداة التمويلية بعد مبادرة دبي.
ماليزيا
قال زكريا عثمان، رئيس التقييمات الإسلامية في وكالة رام الماليزية للتصنيف الائتماني، "لاحظنا عدداً متزايداً من الحكومات من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتطلع للاستفادة من سوق الصكوك في اطار جهود لتوسيع مصادر التمويل في أعقاب أزمة الديون الأوروبية، خصوصاً بعد ان أعلنت حكومة دبي عن مبادرة الاقتصاد الإسلامي، التي ساهمت كثيراً في زيادة الوعي عن التمويل الإسلامي على المستوى العالمي". وأضاف: "شكلت السندات الحكومية الإسلامية 18% من إجمالي الإصدارات العالمية خلال 2012.
وتصدرت الإمارات وقطر واندونيسيا وتركيا السوق، بامتياز، وأتوقع أن ترتفع هذه النسبة خلال العام الحالي، مع التوجه العالمي ومبادرة دبي. هنا في ماليزيا للاحظنا العديد من أصحاب رؤوس الأموال يتجهون إما مؤقتا أو عن طريق افتتاح مكاتب لهم في دبي من أجل الاستفادة من نسب النمو المتوقعة في قطاع الاقتصاد الإسلامي".
