تزخر دبي بمقومات وإمكانات توطد مكانتها كمركز رائد لتسوية المنازعات المرتبطة بالعقود الإسلامية، وتنطلق في تنفيذها لخطة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الرامية إلى تعزيز مكانتها كعاصمة للاقتصاد الإسلامي من أرضية صلدة في إنجازها لمسارات الخطة التي تتضمن محاور ستة.
ومن بينها تأسيس مركز لتسوية النزاعات والتحكيم في العقود الإسلامية، وهو ما يدلل بوضوح على أن دبي تسير على الطريق الصحيح لكسب ثقة واحترام المجتمع الدولي في ما يتعلق بمحايدتها تجاه المسائل التحكيمية الدولية. كما أن موقع الإمارة الاستراتيجي ما بين أوروبا وآسيا، وتوسع نطاق أعمال الإمارة القانونية، إضافة إلى شبكة الطرق والاتصالات المتطورة للغاية تجعل من الإمارة نقطة جذب للأعمال التجارية الإقليمية والدولية لحل منازعاتهم التجارية بما في ذلك منازعات التمويل الإسلامي.
ومع بروزها كمركز دولي للخبرة التجارية وتقنية المعلومات والتمويل، استطاعت دبي أن تجمع لفيفاً من الخبراء والمهنيين المتخصصين في مختلف المجالات، ومن ثم توفر الخدمات الاستشارية اللازمة في مختلف نواحي تسوية النزاعات. وبالإضافة إلى مكاتب المحاماة المحلية ذات الخبرة والتأهيل لتقديم النصح والمشورة حول القوانين المحلية السارية في إمارة دبي، تمتاز الإمارة أيضاً بوجود شبكة من مكاتب الاستشارات القانونية العالمية المستعدة لتقديم خدماتها الاستشارية للأطراف حول كافة المسائل ومن كافة الاختصاصات.
وتأتي أهمية شغل دبي مكانة المركز الرائد لتسوية منازعات التمويل الإسلامي على خلفية بروز الحاجة لإيجاد آلية لفض النزاعات على أساس الشريعة الإسلامية، ومن ثم، فإن مسعى إمارة دبي في هذا المجال من شأنه أن يسد فراغاً عانت منه صناعة التمويل الإسلامي نتيجة لغياب وجود منصة تحكيم في منازعات التمويل الإسلامي، باستثناء المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم الذي يتخذ من دبي مقرا لأنشطته وعملياته.
ازدهار مراكز التحكيم
وأدرك المشرع في دولة الإمارات أهمية موضوع التحكيم بشكل ينم على احترامه لإرادة الأطراف في اللجوء إلى التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات عوضا عن القضاء، وبفضل هذا الإدراك ازدهرت مراكز التحكيم ونتج عنها إنشاء مراكز جديدة مختصة بموضوع التحكيم كالمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم الذي أنشيء في إمارة دبي لمعالجة عدة مواضيع منها ما يتعلق بالصناعة المالية الإسلامية، فيما يهدف إلى إنجاح فكرة التحكيم المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها من ناحية وحل الخلافات الناجمة عن ممارسة الصناعة المالية الإسلامية المنتشرة في الآونة الأخيرة من ناحية أخرى.
وتنطلق إمارة دبي نحو تعزيز وضعيتها كمركز رائد لتسوية المنازعات المالية الإسلامية من حقيقة امتلاكها مقومات البنية التحتية الداعمة لها كمنصة تحكيم لمنازعات التمويل الإسلامي، ويبرز منها، اختيارها جانب المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم (IICRA) كمقر للعمليات والنشاط.
ويعد المركز بمثابة مؤسسة دولية مستقلة غير ربحية. وتم تأسيسه بتضافر جهود كل من البنك الإسلامي للتنمية والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ودولة الإمارات بصفتها دولة المقر. وتأسس المركز في شهر أبريل 2005 حين انعقاد الاجتماع التأسيسي بإمارة دبي. وحضر هذا الاجتماع أكثر من 70 مؤسسة مالية (محلية، وإقليمية، ودولية، وجهات حكومية وخاصة) وزاول المركز نشاطه الفعلي في يناير 2007.
ويضم المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم (IICRA) في عضويته مؤسسات مالية من كل أنحاء العالم. ويغطى المركز الصناعة المالية الإسلامية أينما وجدت وتكون قراراته قابلة للتنفيذ على المستوى الدولي. ويتخصص المركز في فض المنازعات التي تنشأ فيما بين المؤسسات الماليـة الإسلامية وبينها وبين عملائها وبين الجهات والمؤسسات الأخرى التي تختار التحكيم كصيغة لفض النزاع. له العديد من المزايا من أهمها تعميق مفاهيم التحكيم المهنية في ذلك القطاع، وحشد كل الطاقات المادية وغيرها لفائدة القطاع، خدمة للصناعة المالية الإسلامية وإحياء لفقه المعاملات.
ويوفر التحكيم بالمركز العديد من الضمانات للخصوم وذلك لما لديه من أجهزة فنية وطاقات بشرية قادرة على متابعة ملف التحكيم في كل أطواره إذ إن سرعة الفصل تقتضي تعين الجلسات في أقرب وقت وتأمين الإعلانات، واستدعاء المحكمين، والتأكد من الالتزام واحترام الإجراءات القانونية المتفق عليها وصدور الحكم خلال المهلة المقررة وتوثيقه.
والعمل على شفافية تعيين المحكمين حيث إن المركز إذا ما كلف بذلك يختار المحكمين بناء على كفاءتهم مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النزاع المعروض، والحيادية المطلقة، حيث يوقع المحكمون اتفاقية مع المركز لضمان الحيادية والسرية كما يلتزم بذلك جميع موظفي المركز، ومساعدة أطراف النزاع قبل عرض النزاع على المركز وذلك بوضع الشروط النموذجية لبند التحكيم على ذمة الأطراف قصد إدراجها ضمن عقودهم لتفادي وجود شروط تحكيم مبهمة عادة ما تكون عرضة للبطلان.
ويتم تفادي عوارض التعطيل أو المسائل الجانبية التي تطرأ في عملية التحكيم في بدايته. وبذلك يكون المركز في وضع أكثر ضمانا لتشكيل هيئة التحكيم ويكفل استمرارية التحكيم. وحفظ الملفات التي تم على أساسها فض النزاع بأرشيف المركز لعدة سنوات وذلك بهدف تمكين أطراف النزاع من استرجاع مؤيداتهم أو مراجعة الأحكام التي صدرت بشأنها، أو الحصول على نسخ من تقارير الخبراء.
مركز التحكيم المشترك
وفي السياق ذاته، يعتبر مركز التحكيم المشترك في مركز دبي المالي العالمي اليوم جزءاً من الجهود التي تبذلها إمارة دبي لترسيخ موقعها كمركز إقليمي للتحكيم الدولي. فهو مركز تحكيم مشترك بين محكمة لندن للتحكيم الدولي ومركز دبي المالي العالمي، وتأسست محكمة لندن بداية عام 1889 كغرفة لندن التجارية للتحكيم.
ومن ثم أصبحت محكمة لندن للتحكيم الدولي في العام 1981 لتعكس بذلك الطابع الدولي لعملها. ومن ثم ، أحدث تأسيس مركز التحكيم المشترك تغييراً هائلاً فيما يتعلق بالفعالية والتكلفة الإجمالية لقضايا التحكيم بالنظر إلى ما يمتلكه من طاقم له خبرة طويلة وتديره بكفاءة مؤسسية عالية مع توفير مجموعة من القواعد الإجرائية الحديثة.
واستنبطت قواعد التحكيم والمصالحة للمركز من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، مع تعديلات ثانوية تضمن ملاءمتها لمتطلبات مركز التحكيم. تتميز هذه القواعد بأنها تتوافق مع أنظمة القانون المدني والانغلوسكسوني مما يزود مجتمع الأعمال الدولي والمحامين والمحكمين الدوليين بمجموعة شاملة وعصرية من القواعد والإجراءات.
ويمتلك المركز حق الدخول واستخدام قاعدة البيانات المتميزة لمحكمة لندن للتحكيم الدولي التي تتضمن محكمين من مجموعة واسعة من المتخصصين المؤهلين والخبراء (قانونيين وغير قانونيين)، مما يسمح للمركز بتعيين لجان تحكيم مطابقة لأرقى المواصفات.
ومثل إنشاء مركز التحكيم المشترك لمركز دبي المالي العالمي ومحكمة لندن للتحكيم الدولي إنجازاً لمركز دبي المالي العالمي في سبيل تبوؤ مكانة رئيسية متفردة في توفير خدمات فعالة واستثنائية للتحكيم كوسيلة بديلة لفض النزاعات في مجتمع الأعمال والتجارة ضمن مركز دبي المالي العالمي، ودبي، والمنطقة والعالم.
مركز دبي للتحكيم الدولي
وتضم دبي كذلك واحدا من أهم مراكز التحكيم التقدمية في المنطقة، وهو مركز دبي للتحكيم الدولي الذي أنشئ في العام 2003، وفي عام 1994 تأسس «مركز التوفيق والتحكيم التجاري» الذي تطور ليصبح الآن «مركز دبي للتحكيم الدولي» وهو هيئة مستقلة دائمة غير ربحية تهدف إلى توفير خدمات التحكيم التجاري وتسوية النزاعات التجارية عن طريق التحكيم. كما يهدف المركز أيضاً إلى تأهيل فريق من المحكمين الأكفاء الملمين بأصول وإجراءات التحكيم الدولية. وبوصفه مركزاً مهنياً متخصصاً يسعى المركز إلى توفير آليات مرنة ومحايدة لحل وتسوية النزاعات.
وتشمل الخدمات التي يقدمها المركز الإشراف على إجراءات التحكيم في النزاعات التجارية، وتعيين المحكمين واختيار مكان التحكيم وتحديد أتعاب المحكمين والموفقين. ويقوم مركز دبي للتحكيم الدولي باختيار أفضل وأكفأ المحكمين.
كما يوفر المركز أيضاً المعلومات والبيانات اللازمة حول المحكمين والموفقين من مختلف الجنسيات وخلفياتهم القانونية. ويحتفظ مركز دبي للتحكيم الدولي أيضاً بدليل للخبراء المعروفين بمعرفتهم الواسعة وتجاربهم العملية الثرية في مجالات تخصصهم، وتم تجهيز المركز بأحدث المعدات والتسهيلات لضمان استضافة مختلف أنواع التحكيم. وتشمل هذه التجهيزات والتسهيلات غرف استماع فخمة تجاورها صالات استراحة وغرف اجتماعات وشبكة من الشاشات والخدمات الإلكترونية بما في ذلك خدمات الإنترنت والبريد الإلكتروني إضافة إلى تسهيلات المؤتمرات المباشرة عن بعد بواسطة الفيديو وخدمات الترجمة الفورية.
وتطور مركز دبي للتحكيم التجاري الدولي ليصبح واحداً من أهم مراكز التحكيم. ويرجع ذلك لعدة عوامل منها:
-1 وجود قانون يحفظ كينونة المركز ويضمن استقلاليته وحياده.
-2 وجود خبرات عربية وأجنبية متميزة ضمن مجلس أمناء المركز الأمر الذي عزز الثقة بمصداقية المركز كما ساهم في الترويج له في مدن العالم المختلفة من خلال أعضاء مجلس الأمناء.
-3 إصدار المركز لنظام تحكيم يعد الأكثر تطوراً معتمداً في ذلك على خلاصة ما وصلت إليه أنظمة التحكيم في العالم.
وفضلا عما سبق، تتواجد مراكز للتحكيم في أكثر من إمارة من إمارات الدولة منها، مركز أبوظبي للتوفيق والتحكيم التجاري، ويعتبر من أوائل مراكز التحكيم التي أنشئت بالمنطقة، حيث تأسس في العام 1992 ليكون أول مركز متخصص في حل النزاعات التجارية الوطنية والدولية في منطقة الخليج العربي ويختص بتقديم خدمات تسوية الخلافات على مستوى الدولة .
و على الصعيد الدولي من خلال التوفيق والتحكيم. وتعزيز وتطوير التعاون بين المركز ومراكز التحكيم الأخرى. فضلا عن تعزيز الوعي بأساليب التحكيم وتسوية المنازعات عن طريق المؤتمرات، ورش العمل، الدورات التدريبية، النشرات المتخصصة والمطبوعات والمواد وغيرها من الوسائل..
كما تأسس مركز الشارقة للتحكيم التجاري الدولي بموجب المرسوم الأميري رقم (6) لسنة 2009 الصادر عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ويختص المركز بتقديم خدمات حل النزاعات التجارية لأعضاء غرفة تجارة الشارقة والغير من الأفراد والمؤسسات والشركات التجارية والاستثمارية عن طريق توفير آلية التوفيق والتحكيم، من خلال تقديم خدمات متميزة تساعد على تسهيل إجراءات التقاضي، والنظر في المنازعات لكافة القطاعات التجارية، بموجب النظام الأساسي للمركز والقائمة على أساس اتفاق أطراف النزاع، وقواعد العدالة والأعراف التجارية.
ويهدف المركز إلى تقديم خدمات حل وتسوية المنازعات التجارية لأصحاب الأعمال من الأفراد والمؤسسات والشركات بسهولة ويسر وبأقل تكلفة، ونشر ثقافة التحكيم بين القانونيين والمهنيين ورجال الأعمال على المستوى المحلي والإقليمي والدولي من خلال عقد الندوات والدورات التدريبية وورش العمل وعقد المؤتمرات الدولية الخاصة بالنزاعات التجارية، وتأسيس نخبة من الأعضاء المهتمين بالتحكيم في مختلف الأوساط المهنية والتجارية والصناعية.
والتي تسعى إلى تطوير علاقتها المهنية وتطوير خبراتها في مجال حل المنازعات التجارية عن طريق التحكيم ، عقد شركات مع الهيئات والمؤسسات المحلية والدولية المهتمة بالتحكيم وذلك بهدف الاطلاع على آخر المستجدات في مجال التحكيم التجاري الدولي.
وإلى جانب ما سبق، هناك كذلك مركز رأس الخيمة للتوفيق والتحكيم، ويؤمن المركز للأطراف قوائم للموفقين والمحكمين والخبراء المترجمين من كافة التخصصات والجنسيات المختلفة وذوي خبرة متميزة؛ ممَا يُوَفر فرصة للاختيار من قبل الراغبين في التوفيق والتحكيم، ويوفر المركز قاعات مجهزة بأحدث التقنيات الحديثة، ومزودة بكافة الخدمات المناسبة لإدارة جلسات التوفيق والتحكيم.
تحديات
تتعدد آليات فض النزاعات في المعاملات المالية ، منها ما يتم عبر القضاء، ومنها ما يتم خارج إطار القضاء، ويعد التحكيم من الصيغ التي تتم خارج القضاء شأنها شأن الصلح والتوفيق، وتتمثل أهم المظاهر القانونية المعاصرة في الانفتاح على التحكيم واتساع آفاقه، فقد عم الاعتراف بالتحكيم في كافة المجتمعات على اختلاف نظمها القانونية وأوضاعها الاقتصادية، واتسع نطاق ومجال التحكيم ليشمل مجالات كانت بالأمس لا تدخل تحت طائلة التحكيم.
ورصد الدكتور عبد الستار الخويلدي الأمين العام للمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم- دبي هذه التحديات على النحو التالي:
أولاً: تعمل جميع المؤسسات المالية الإسلامية في محيط تسيطر فيه القوانين الوضعية، وهي عادة قوانين مصاغة في شكل مواد مبوبة ومترتبة في مجلات وهو ما يعرف بالتقنين (التدوين). وإلى جانب التقنين هناك فقه قضاء ثري وجريء بفضل تراكم الخبرات. وبالتالي هناك تنافس بين نظامين مختلفين.
ثانياً: الاستبعاد المطلــق باختيار القانون الوضعي بديلاً عن أحكام الشريعة: أصبح النص على تحكيم مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية دون سواها من القوانين أمرا نظريا في العقود الدولية. وهذه حقيقة. فقد حل محل الشرط الموحد (وهو الكفيل بتطبيق أحكام الشريعة مطلقا) الشرط المزدوج وهو الشرط الذي يجمع بين الاحتكام للقانون الوضعي والشريعة الإسلامية. ومن أمثلة هذه الصيغ:
«النص على أن المعاملة للقانون البريطاني بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية»، أو «تخضع المعاملة للقانون البريطاني إلا إذا خالف أحكام الشريعة الإسلامية، عندها ترجح أحكام الشريعة الإسلامية»، وتعتبر هذه الصيغة هي الأكثر انتشارا في عقود المؤسسات المالية الإسلامية والأكثر صعوبة عند التطبيق.
وبالتالي، فإن سوابق تطبيق هذه الصيغ على الأقل كما جرت أمام المحاكم البريطانية، لم تكن منصفة للشريعة الإسلامية، حيث استبعدتها المحاكم البريطانية، وعليه أخذ استبعاد أحكام الشريعة الإسلامية عدة أوجه منها الاستناد على سبب عدم التقنين، وكذلك التفسير السلبي للشرط المزدوج الذي تم بيانه أعلاه، وهو أمر يمكن رصده من واقع لأحكام الصادرة عن المحاكم البريطانية.
ثالثاً: الاستبعاد بالتطبيق غير الموفق من قبل القضاء: أن عدم إدراك حقيقة المعاملة من قبل القضاء لا ينم بالضرورة عن عدم معرفة المنتجات معرفة جيدة، وإنما قد يعود ذلك إلى احتمال قراءة المعاملة من وجهتي نظر أو أكثر، أو أن صياغة المنتج وكيفية تقديمه للمحكمة لم يتم بالوضوح الرافع للالتباس وأن طلبات ودفوع أطراف النزاع هي التي وجهت القاضي إلى اعتماد تكييف معين للمعاملة.
ومن ثم، يجب عدم حصر المسؤولية عن التباس الأمر عند القاضي (وما يترتب عنه من آثار قانونية وشرعية) في جهة واحدة بل توسيع دائرة المسؤولية إلى جهات أخرى غير قضائية ومنها المؤسسات المالية الإسلامية نفسها التي قد تقوم بممارسات خاطئة في إجراءات تنفيذ المعاملة من شأنها أن تشوش على المنتج، أو أن محامي المؤسسة المالية الإسلامية قد حصر طلبات مؤسسته في اتجاه معين أملى على القاضي البحث فيها.
وبناء على ما سبق، رأى الدكتور عبد الستار الخويلدي أن القانون الواجب التطبيق في المعاملات المالية الإسلامية عموماً والدولية منها خصوصاً يحتاج إلى موقف واضح وأن الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية تفطنت إلى الموضوع. وسوف تصدر هيئة المحاسبة والمراجعة معيارا في هذا الموضوع.
الاحتكام لمبادئ الشريعة
واقترح الدكتور عبدالستار الخويلدي في هذا المجال أن يكون الأصل في الاحتكام لمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وعدم تفويض القانون الوضعي ليحكم المعاملات المالية الإسلامية لما قد يصدر عن هذا القانون من إعادة تكييف للمعاملات يغير طبيعتها. ومن أمثلة ذلك تنظير الصكوك على السندات التقليدية، والاهتمام بصياغة عقود المعاملات المالية الإسلامية لحمايتها من سوء التفسير ولتفادي النزاع.
وذلك مهما كان القانون الواجب التطبيق وجهة فض النزاع، والحرص على التأهيل الشامل مع اعتماد التخصص. ومن أمثلة ذلك تأهيل خبراء لاقتراح الحلول وفض النزاعات ولا يتم ذلك إلا بالجمع بين التأهيل القانوني والتأهيل الشرعي، وقد شرع المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم وبالتنسيق مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية في دورات تدريبية تهدف إلى تقديم تأهيل متكامل بغرض إعداد محكمين يجمعون بين الجوانب الشرعية والقانونية والإجرائية بحيث يمكّن التأهيل أصحاب الشهادات من معالجة المسائل القانونية والشرعية بيسر ووضوح.
مزايا نوعية للتحكيم الإسلامي
تحقق المؤسسات المالية التي تحتكم لنظم ولوائح المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم مزايا نوعية تتمثل في التالي:
أولاً: مطابقة قرارات هيئة التحكيم لأحكام الشريعة الإسلامية وذلك بصدور أحكام مطابقة للشريعة الإسلامية من متخصصين في المعاملات المالية الإسلامية بشقيها الفني والشرعي. فبعد أكثر من ثلاثين سنة من ممارسة الصناعة المالية الإسلامية عموما والعمل المصرفي الإسلامي المنظم خصوصاً، وبعد صدور مئات الفتاوى في مجالات شتى من فقه المعاملات، توفرت في نفس الوقت طاقات متمرسة في استيعاب خصوصيات القضايا المصرفية المعاصرة واقتراح الحلول الشرعية المناسبة لها.
ثانياً: قطع الطريق على المماطلين: الأصل ان تكون المؤسسات المالية الإسلامية أحرص من غيرها من المؤسسات المالية على اختيار التحكيم كصيغة لفض النزاعات لأن الضرر عليها أكبر من المؤسسات التقليدية. فالمؤسسات المالية الإسلامية التي يحرم عليها تقاضي غرامات التأخير تعويضاً عن فرص الاستثمار التي ضاعت بسبب التأخير تحتاج إلى صدور حكم في وقت وجيز لاسترجاع حقوقها. وهذه الوظيفة يؤديها مركز التحكيم، أما المؤسسات المالية التقليدية التي تتقاضى غرامات تأخير فسرعة البت في القضايا ليست لها أهمية بنفس الدرجة، لأن في غرامات التأخير بالنسبة للمؤسسات المالية التقليدية تعويضاً ولو جزئياً.
ثالثاً: معالجة المسائل المستجدة في مجال المعاملات المالية: أثبتت بعض المحاكم التي نظرت في قضايا تخص المعاملات المالية الإسلامية عدم قدرتها على فهم طبيعة وأبعاد المعاملات المالية الإسلامية. ونعني هنا المحاكم البريطانية التي تعرض عليها سنوياً نسبة كبيرة من القضايا بحكم النص في عقود تمويل بعض المؤسسات المالية الإسلامية.
رابعاً: يخدم إنشاء مركز تحكيم لتسوية المنازعات المالية الإسلامية غاية أرقى وأسمى، وهي تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية.
تأهيل المهن القانونية
اعتبر الدكتور عبد الستار الخويلدي الأمين العام للمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم أن تأهيل القضاة لوحدهم لا يكفي، بل يجب العمل على تأهيل أصحاب المهن القانونية، من قضاة ومحامين، ومستشارين وخبراء، مشيراً إلى أن الواقع العملي قد أثبت أنه للمهن المساندة للقضاء من محامين وخبراء دوراً أساسياً في نتيجة الحكم.
وتابع موضحاً: يحدد المحامي طلبات موكله وهو الذي يبادر بتكييف النزاع بناء على بحوث (وإن كان هذا التكييف لا يلزم القاضي)، ومثل هذا المجهود العلمي قد يؤثر في قرار القاضي. ومن ثم فإنه سوف يدلي بتقرير مختل من الناحية الشرعية ولو توفرت فيه كل العناصر الفنية والموضوعية والإجرائية.
محاكم مركز دبي تختص بالتمويل الإسلامي
اعتبر مايكل هوانج رئيس محاكم مركز دبي المالي العالمي القضايا الناشئة عن التعاملات المالية الإسلامية بأنها تدخل ضمن اختصاص المحاكم طالما أن طرفي النزاع أو إحداهما مسجلان بالمنطقة الحرة التابعة لمركز دبي المالي و/ أو ترتبط المعاملة محل النزاع بهذه المنطقة الجغرافية، مؤكداً أن المحاكم قادرة على النظر في هذه القضايا، وهي مستعدة للفصل في كافة المنازعات الخاصة بالأمور المالية الإسلامية سواء كان القانون الحاكم لهذه المنازعة وطنياً أو مدنياً أو مستقى من أحكام الشريعة الإسلامية أو أي نظام قانوني آخر.
وميّز مايكل وانج في حديثه الخاص لـ «البيان الاقتصادي» بين التكييف القانوني للمعاملات المالية الإسلامية من جانب، والاختصاص القضائي بالنظر فيها وتسويتها من جانب آخر، ففيما تقع الأولى ضمن دائرة اختصاص الممارسين القانونين، تقع الثانية ضمن دائرة اختصاص القضاة.
وأوضح في هذا المجال أن محاكم مركز دبي المالي غير معنية بتطوير الصيغ القانونية للمنتجات المالية الإسلامية، فهو أمر وثيق الصلة بعمل الممارسين القانونيين الذين يوظفون مهاراتهم ومعارفهم في ابتكار مثل هذه الصيغ، وإنما هي معنية بالنظر في مثل هذه المنازعات والبت فيها طالما أنها تخضع لاختصاصها، وذلك بغض النظر عن الإطار القانوني الحاكم لها.
ولفت مايكل وانج إلى أن المحاكم تمتلك مؤهلات تكفل لها تحقيق العدالة لدي قيامها بالنظر في قضايا التعاملات المالية الإسلامية، فمن جانب، تعمل المحاكم وفقاً للقانون العام الذي يتيح إمكانية تطبيق أي نظام قانوني يكون محل اتفاق بين أطراف المعاملة، ومن جانب آخر، تضم هيئة قضاه محاكم مركز دبي المالي العالمي قاضياً متخصصاً في التعاملات المالية الإسلامية، ومن جانب ثالث، لدى المحاكم إمكانية الاستعانة بخبراء من الخارج يناط بهم مسؤولية تقديم التفسيرات للتكييف القانوني للمعاملة لإزالة أوجه الغموض أو اللبس التي قد تشوبها. وخلص مايكل وانج إلى القول إن محاكم مركز دبي المالي العالمي تعد ساحة ملائمة للفصل في القضايا المرتبطة بالتعاملات المالية الإسلامية.
منصة تحكيم واحدة لقضايا التمويل الإسلامي
أثنى خبراء على توجه دبي نحو تأسيس مركز لتسوية النزاعات والتحكيم في العقود الإسلامية كمنصة تحكيم واحدة في القضايا المتعلقة بالتمويل الإسلامي، وأوضحوا أنه لا يمكن قياس إنشاء مراكز تحكيم متعددة ينافس بعضها بعضا بما يحدث من منافسة في المجال العقاري. إذ المحصلة التراكمية للمنافسة في المجال العقاري هي نمو هذا القطاع. إذ إن كل مشروع عقاري يضيف إلى منافسه.
أما المنافسة في إنشاء مراكز التحكيم فمحصلتها التراكمية سلبية لعدم بروز مركز واحد قوي. فمن شأن وجود مراكز تحكيم متعددة أن يؤدي إلى عدم توافر كم كاف من القضايا والخبرة لأي من تلك المراكز منفردة، حيث برزت باريس كأحد أهم عواصم التحكيم في العالم اليوم رغم أنه لا يوجد لديها سوى غرفة التجارة الدولية التي أصبح لديها كم هائل من المنازعات والخبرة أهلها لتتبوأ مثل هذا الموقع الرائد في عالم التحكيم.
وإذا كان من الوجيه أن إجازة عقود المؤسسات المالية الإسلامية من قبل هيئات الرقابة الشرعية تشكل ضمانة لصحتها من الناحية الشرعية، فهذا لا يمنع كذلك من نشوب الخلاف في قراءة وتفسير ما أجيز في شكل فتوى وما نفذ في الواقع، وبالتالي، لا تحول الإجازة الشرعية المسبقة للعقود دون إمكانية رصد المحكمة أو هيئة التحكيم لخلل في تطبيق العقود المجازة أو في بعض شروطها.
والجدير بالذكر أن مركز أبوظبي للتوفيق والتحكيم التجاري قد انتهى من اعداد مشروع قانون موحد للتحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي تم تسليمه الى الأمانة العامة لدول المجلس، حيث من المتوقع اقراره خلال الفترة المقبلة.
وينظم مشروع القانون الجديد عملية التحكيم بما يرفع القلق والخوف الذي قد يساور أي مستثمر أجنبي يرغب في الاستثمار في دول المجلس، حيث يمكنه القانون من الحصول على حقه في وقت أسرع نسبياً من القانون الحالي، فضلاً عن امكانية اختياره لأعضاء التحكيم وفقاً لبنود العقود المبرة مع الطرف الآخر، في حال حدوث نزاع.
ويتميز القانون الجديد بإمكانية اختيار محكمين دوليين متخصصين، وأيضاً تنفيذ أحكام القانون الدولي الذي يرتضيه الطرفان أثناء توقيع عقود الاستثمار، بما يضمن كامل الحرية للمستثمر الأجنبي، متوقعاً في حال اعتماد مشروع القانون والبدء في تنفيذه استجلاب استثمارات أجنبية كبيرة لدول مجلس التعاون الخليجي. الاعتراف بعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني
طالب الدكتور معبد علي الجارحي عضو هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لسوق دبي المالي بالاعتراف بعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني، وأوضح هذه النقطة بقوله: باستثناء قلة من البلدان (البحرين، وإيران، وماليزيا، والسودان، ومؤخرا كازاخستان) ليس هناك ذكر لعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني. كما أن القضاء لا يطبق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
فغالباً ما تلجأ المحاكم إلى تفسير العقد على نمط ما هو شائع في السوق، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إسقاط عقد التمويل الربوي على كافة عقود التمويل الإسلامية. والغريب أن هذا ما يحدث في غالبية الدول الإسلامية، على خلاف ما استقر عليه القضاء البريطاني من معاملة عقود التمويل الإسلامية كعقود مستقاة من الشريعة وليس من القانون الوضعي.
كما طالب الدكتور معبد علي الجارحي بوضع قانون خاص بالبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، وشرح هذه النقطة بقوله: من المستغرب أن كثيراً من البلاد التي لديها بنوك ومؤسسات مالية إسلامية تتركها تعمل دون قانون يحدد خصائصها، وحوكمتها، ومعالم ضوابط الرقابة عليها، وهذا يؤدي إلى عدد من المحاذير، أهمها:
1 - أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تنشأ بترخيص خاص، قد تختلف شروطه وتفاصيله من حالة إلى أخرى وليس وفقا لقواعد عامة شاملة تخضع لها كافة البنوك.
-2 أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تتم مراقبتها والإشراف عليها وفقاً لنفس القواعد التي تطبق على البنوك التقليدية، باستثناء ما تقرره السلطات الرقابية من وقت لآخر، دون قاعدة قابلة للتعميم وتكرار التطبيق.
3 - أن المنتجات المالية الإسلامية يتم فحصها وتدقيقها من جانب أجهزة الرقابة والإشراف بناء على مرجعية ربوية، لا تقبل اختلافات جوهرية بين المنتجات المالية الإسلامية والمنتجات التقليدية.
4 - أن السلطات الرقابية يمكن أن تستحل لنفسها إصدار أوامر وتوجيهات عامة إلى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لا تتفق مع شروط ترخيصها بصفتها بنوكا تعمل بالتوافق مع الشريعة. وتكمن إحدى مقومات قوة إمارة دبي في شغل مكانة المركز الرائد لتسوية منازعات التمويل الإسلامي في ازدهار سوق الاستشارات القانونية .
وهو ما يسلط عبدالعزيز الياقوت، الشريك والمدير الإقليمي لـ«دي ال أيه بايبر» الشرق الأوسط الضوء عليه بقوله : إن سوق الإمارات تنافسي للغاية، مع وجود عدد كبير من الشركات. وتقدم كل شركة وجهة نظر مختلفة قليلا، فعلى سبيل المثال، تقدم «دي ال أيه بايبر» رؤية فريدة مقارنة مع الشركات الدولية الأخرى كونها شركة المحاماة العالمية الوحيدة التي لديها قيادة إقليمية عربية.
وهو ما يميز الشركة عن غيرها من اللاعبين الدوليين. وينقسم السوق إلى ثلاث فئات (أ) مكاتب المحاماة المحلية التي تركز بشكل تام على المسائل المحلية، وينشط معظمها في تمثيل العملاء أمام المحاكم المحلية، (ب) مكاتب المحاماة المحلية التي تركز أساسا على قضايا القانون المحلي.

