طالب خبراء ومفكرون اقتصاديون بتأسيس مجلس تعاون استثماري عربي لمواجهة التحديات التي تواجهها الدول العربية في ظل المتغيرات التي تشهدها الساحة العالمية، إلى جانب دراسة الفرص الاستثمارية في الدول العربية، وأوصوا بضرورة البحث عن حلول للتبادل التجاري مع روسيا وأوكرانيا بخصوص السلع الأساسية، مشددين على ضرورة تبني دول مجلس التعاون حزم مساعدات للدول العربية الأكثر تضرراً من الأزمة الأوكرانية، وأكدوا في الموازاة، أن دول مجلس التعاون، الأكثر أماناً في مواجهة أزمة ارتفاع الأسعار، مشيرين إلى أن تجربة القطاع التعاوني في الإمارات نجحت بوضوح خلال جائحة «كوفيد 19»، وأفاد الخبراء بأن الحرب في أوروبا، كشفت أزمة الأمن الغذائي العربي، مطالبين بتشديد الرقابة الحكومية على الأسعار في الأسواق العربية، ودعم الاستثمار الزراعي الداخلي والخارجي، منوهين بأن التعاون والاستثمار العربي، هو الحل الأفضل على المدى الطويل للحفاظ على الأمن الغذائي، لافتين إلى أن أزمة ارتفاع الأسعار لا تعاني منها الدول العربية فحسب، بل معظم دول العالم.

جاء ذلك خلال البرنامج الحواري «مساحتكم عبر البيان» على حساب «البيان» عبر منصة «تويتر» تحت عنوان «ارتفاع الأسعار والأمن الغذائي العربي.. الآفاق والمخاطر»، شارك بالحوار من الإمارات، الخبير الاقتصادي، وضّاح الطه، عضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد الأوراق المالية والاستثمار في الإمارات (CISI)، ومن السعودية، الدكتور علي بوخمسين، المستشار الاقتصادي، الرئيس التنفيذي لمركز التنمية والتطوير للاستشارات الاقتصادية، ومن الكويت، محمد رمضان، الكاتب والخبير الاقتصادي، ومن مصر، الخبير الاقتصادي، الدكتور مصطفى بدره، نائب المؤسسة المصرية العلمية للتدريب، أستاذ التمويل والاستثمار، ومن الأردن الباحث والخبير الاقتصادي، الدكتور حسام عايش.

 

أدار اللقاء الإعلامي، مروان الحل، الذي استهدل اللقاء بالإشارة إلى التحديات التي يمر بها عالم اليوم، بداية من تداعيات جائحة «كوفيد 19»، والإغلاقات في معظم دول العالم، ثم اشتعال الحرب في أوروبا، معرّجاً على اقتراب شهر رمضان الكريم، مع تسجيل الأسواق العربية ارتفاعات كبيرة في الأسعار، موجهاً التساؤل حول الأسباب الرئيسة في ذلك، وكيفية مواجهة «جشع بعض التجّار»، وكيف أثّرت تداعيات الحرب في أوروبا على الأسعار في المنطقة العربية، متطرقاً في ذات الوقت إلى الحلول والبدائل في هذا الصدد.

 

سلة الغذاء

وقال الدكتور علي بوخمسين لدينا أزمة في سلة الغذاء بشكل عام، فضلاً عن كون أزمة الغلاء لها العديد من الأسباب، والأزمة ليست فقط في ارتفاع أسعار الحبوب، وإنما في سلة الغذاء بشكل عام، فنحن نعاني من ارتفاع في أسعار الحبوب وفي أسعار الزيوت النباتية وفي الصناعات الغذائية.

وقال: «الحقيقة أن الأزمة لم تبدأ مع الحرب في أوكرانيا، إنما قبلها، كنا نعاني من الارتفاع ولكن الزيادة في الأسعار لم تكن مقلقة للحكومات مثلما هي الآن». وأضاف أنه قبل جائحة «كورونا» كنا نعاني من ارتفاع محدود بسبب مشاكل البيئة والاحتباس الحراري والجفاف في بعض المناطق، الأمر الذي أثر على المحاصيل الزراعية في ذلك العام. ثم جاءت «كورونا» لتزيد الأزمة أزمة، مع انقطاع سلاسل الإمداد، ثم الإغلاق وتوقف عمليات التصدير، كل تلك المراحل أسهمت في ارتفاعات حادة في الأسعار. وأكمل: «مع بدء تعافي الاقتصاد العالمي وانحسار الجائحة، اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا»، مشيراً إلى أن الحرب اشتعلت في منطقة تعتبر سلة الغذاء العالمي، وسلة الخبز، حيث إن إنتاج روسيا وأوكرانيا من القمح يصل إلى 25% من الناتج العالمي.

وأكد أن اندلاع الحرب تسبب في أزمة حقيقية في تدفق المواد الغذائية للعديد من دول العالم، مشيراً إلى أن العديد من الدول العربية تستورد القمح من أوكرانيا وروسيا، متوقعاً أن تتأثر الدول العربية بالحرب إلى جانب كل دولة حسب ما لديها من احتياطي.

سلاسل الإمداد

وقال بوخمسين: «مازلنا في بداية الأزمة، والحرب في بدايتها، وكل ما نتحدث عنه هو الخوف من المستقبل في حال استمرار الحرب. وما حدث بشكل فعلي هو ارتباكات في سلاسل الإمداد من روسيا وأوكرانيا بسبب الحرب، الذي أحدث ارتفاعاً في أسعار تأمين بواخر شحن المواد الغذائية، إلى جانب انخفاض نسبة الشحن بنسبة تصل إلى 60% عمّا كانت عليه قبل الحرب، ومع استمرار الحرب ربما يقطع السلاسل الإمدادية بشكل كامل، بالإضافة إلى وقف تصدير المواد الزراعية من تلك المناطق، وهذا يعني أن العام المقبل سوف يشهد تضرراً كبيراً في حجم الإنتاج من أوكرانيا، ما يعني شحاً في المحاصيل الزراعية لمدة تصل إلى 8 أشهر العام المقبل من الدولتين».

وتابع: «روسيا منعت تصدير بعض المواد، فيما أوكرانيا عاجزة عن تصدير إنتاجها بسبب الحرب، التي سوف تعاني بفعلها الدول التي تعتمد على هاتين الدولتين، خصوصاً في القمح، وعليها أن تبحث عن مصادر بديلة وستكون التكلفة مرتفعة، واستمرار الحرب يعني ضرب الموسم الزراعي القادم والمزيد من الشح في الإمدادات.

وأكمل حديثه قائلاً: «نحن الآن في الدرجة الثالثة من 5 درجات على مؤشر الخطر، المتمثل في تعطّل سلاسل الإمداد تأثراً بالحرب الروسية الأوكرانية، ولو توقفت الحرب قريباً فهناك فرصة للتعويض، أما في حال استمرت الحرب أكثر من شهر، فهذا معناه استمرار الأزمة لمدة 9 شهور في المستقبل»، وأضاف أن الدول العربية بطبيعتها صحراوية شحيحة المياه، باستثناء بعض الدول، وذلك أسهم في جعل معظمها مستهلكة زراعياً، فالظروف المناخية الحارة وطبيعة التربة في دول الخليج مثلاً ليست مناسبة للزراعة، ويمكن مواجهة المشكلة من خلال الاستثمار الزراعي. وأفاد بأن الأزمة اليوم لا تعاني منها الدول العربية وحدها، بل دول أوروبا والولايات المتحدة كذلك بكل ما تملكه من أموال وتطور تعاني متأثرة بهذه الحرب رغم قلة اعتمادهم على القمح.

وحول اقتراحاته لمواجهة الأزمة أكد علي بوخمسين ضرورة زيادة الرقابة الحكومية على الأسعار في الأسواق، بالإضافة إلى دعم الاستثمار الزراعي الداخلي والخارجي.

 

مؤشرات دولية

وتحدث الكاتب والخبير الاقتصادي محمد رمضان عن تأثر الدول العربية بالأزمة، وقال بحسب المؤشرات الدولية تنقسم الدول العربية إلى 3 أقسام، الأول هي الأكثر أماناً والأعلى في الأمن الغذائي وهي دول مجلس التعاون في مقدمة الدول العربية من ناحية الأمن الغذائي، حتى وإن كانت دول التعاون تستورد من الخارج فلديها مصادر متنوعة ولديها الموارد المالية لإدارة الأزمة. وفي القسم الثاني بعض الدول العربية في الوسط مثل مصر والجزائر والمغرب، تختلف في القدرات المالية، وعدد السكان فيها أكبر وهذا هو السبب الرئيسي للأزمة. وهناك 3 دول في أسفل القائمة وهي سوريا واليمن والسودان وهي الأكثر تعرضاً للمخاطرة من ناحية الأمن الغذائي. وأضاف أنه يمكن لدول مجلس التعاون باستخدام مواردها المالية وتقوم بمساعدة الدول العربية الأخرى، والهدف ليس مساعدة فقط وإنما كذلك لحفظ الأمن في تلك الدول، مشيراً إلى أنه يمكن أن تحدث مشاكل أمنية كبيرة إذا استمرت الأزمة وطالت الحرب.

وتابع: «واضح للجميع وجود موجة تضخم بدأت مع الإغلاقات وجائحة «كورونا»، ومع قرب التعافي وزيادة الطلب ارتفعت نسب التضخم وقلت السلع في الأسواق، ومع الحرب في أوروبا زادت الضغوط التضخمية. وأشار إلى وجود مشكلة أخرى في ارتفاع أسعار الأسمدة الزراعية ويمكن أن تتسبب في زيادة الأزمة. وأوضح أن دول أوروبا رغم استمرار الحرب لاتزال تعتمد على الغاز والنفط الروسي، مشيراً إلى ضرورة استمرار التبادل التجاري العربي مع روسيا. وأكد محمد رمضان ضرورة البحث عن حلول للتبادل التجاري مع روسيا وأوكرانيا بخصوص السلع الأساسية، كما يجب على دول مجلس التعاون تبني حزم مساعدات للدول الأكثر تضرراً».

 

مجلس استثماري

وأكد الدكتور مصطفى بدره أن الأزمة العالمية مرت بمراحل بدأت بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وزادت الأزمة تدريجياً، ومع انتشار جائحة «كورونا» وتوقف الكثير من الدول عن الاستثمار، بالإضافة إلى توقف سلاسل الإمداد والتوريد في كثير من الدول، ومع بدء الأزمة في أوروبا بدأت أسعار النفط ترتفع، وبدأ العالم يفكر في آلية لمواجهة الأزمة.

وحول تخفيض قيمة الجنية المصري ومدى تأثير ذلك على ارتفاع الأسعار في مصر، أكد بدره أن مصر تختلف عن دول الخليج لأنها بدأت الإصلاح الاقتصادي منذ عام 2016، ثم جاءت جائحة «كورونا»، مشيراً إلى أن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري تضمن إنشاء العديد من الصوامع وفرت نحو 25% من الهدر في المحاصيل الزراعية، بالإضافة إلى دعم الاستثمارات في المساحة الزراعية بزيادة بلغت 1.5 مليون فدان يتم زراعتها بمختلف المحاصيل ومنها القمح، وبفضل التخطيط الاستراتيجي انخفاض استيراد القمح من روسيا وأوكرانيا بنسبة وصلت إلى 50% في بعض الفترات مع زيادة المساحة الزراعية، وأضاف بدرة أن السبب الأهم في تأثر مصر بارتفاع الأسعار هو الزيادة السكانية التي تصل إلى 2.5% من عدد السكان سنوياً، ولذلك زيادة المساحة الزراعية لا تظهر واضحة أمام معدل زيادة الاستهلاك سنوياً.

وحول الحلول المقترحة لمواجهة الأزمة أكد مصطفى بدرة أن التعاون العربي العربي، هو الحل الأفضل على المدى الطويل للحفاظ على الأمن الغذائي العربي، مشيراً إلى أهمية تأسيس مجلس تعاون استثماري عربي لمواجهة التحديات، ودراسة الفرص الاستثمارية في الدول العربية، مؤكداً أن التعاون والاستثمار العربي أفضل الحلول لكي نجتاز المرحلة، وأضاف أن المجلس المقترح من الممكن أن يتبع جامعة الدول العربية.

 

القطاع التعاوني

وقال وضّاح الطه: «الأمن الغذائي ببساطة هو توفير الغذاء لجميع أفراد المجتمع للوفاء باحتياجاتهم بصورة مستمرة من أجل حياة صحية»، وأضاف أنه يجب أن يكون هناك تشارك بين القطاعين الخاص والحكومي والقطاع التعاوني والأفراد لمواجهة أزمة ارتفاع الأسعار.

وحول تأثير قرب حلول شهر رمضان على ارتفاع الأسعار في الأسواق العربية، قال الطه: «نجحت تجربة القطاع التعاوني في الإمارات بوضوح في أزمة «كورونا» ولا توجد حالة الجشع في زيادة الأسعار خلال الشهر الفضيل»، مؤكداً ضرورة وجود مخزون استراتيجي من المواد الغذائية ولا يمكن أن تتحمل الحكومات وحدها مسؤولية توفيره، ولكن يجب أن يكون هناك تشارك بين القطاع الخاص والحكومي والقطاع التعاوني والأفراد لمواجهة الأزمة. وأكد أن هناك مبادرات إماراتية لشركات عملاقة تستأجر أو تشتري أراضي في أوروبا الشرقية وفي خارج الإمارات وتزرع وتستورد وتصدر لدولة الإمارات، وهي مبادرات تعتمد الاستثمار الزراعي تسهم في تخفيف الضغط على الأسعار.

وحول رؤيته لمواجهة الأزمة، أكد الطه ضرورة التعاون مع روسيا. وقال: «لا يوجد قرار من مجلس الأمن يمنع التعاون مع روسيا، مشيراً إلى أهمية عقد اتفاقيات ثنائية لاستيراد السلع الأساسية، بالإضافة إلى ضرورة دعم الاستثمار الزراعي في دول شرق أوروبا المستقرة وفي إفريقيا كذلك، ووضع استراتيجية تخزين ونقل لوجستية متكاملة بين الدول العربية».

 

وقال الدكتور حسام عايش: «جائحة «كورونا» جاءت لتضيء زوايا معتمة كثيرة في الاقتصاديات العربية»، مشيراً إلى أن الحرب في أوروبا كشفت أزمة الأمن الغذائي العربي. وأوضح أن الأسباب التي أدت إلى زيادة الأسعار في الأسواق العربية كامنة وقد تتكرر في المستقبل مع كل أزمة جديدة. «العالم العربي مستورد خالص للغذاء وما بين 40 إلى 90% من احتياجاتنا نقوم باستيرادها من الخارج، وهذا يعني أن الاقتصادات العربية بطبيعتها نماذج استهلاكية غير قادرة على توطين الإنتاج فيها».

وأشار إلى أن الحالة العربية الاقتصادية تتفاوت من دولة إلى أخرى، مؤكداً وجود عجز واضح في الميزان الزراعي التجاري العربي وبين ما تنتجه الشعوب العربية وما تستهلكه. وأضاف أنه لا توجد منظومة عربية مشتركة تعمل على تأمين الغذاء بشكل جماعي عربي.

منطقة حرة زراعية عربية

واقترح عايش وجود منطقة حرة زراعية عربية يشارك فيها جميع الدول ويمكن اختيار الدولة التي تكون مقراً لهذه المنطقة، كما يمكن تعدد المناطق الحرة في أكثر من بلد عربي. وطالب عايش بإنشاء مراكز دراسات للأمن الغذائي والمائي والزراعي وتأسيس قاعدة بيانات زراعية عربية وتوطين الصناعات الغذائية العربية، بالإضافة إلى تطوير نظم الزراعة، وإنشاء نظام للإنذار المبكر فيما يتعلق بالأمن الغذائي، وتنمية التجارة البينية العربية. وإصدار تشريعات لتنظيم المخزونات الغذائية على مستوى كل بلد وعلى المستوى العربي. وإنشاء صندوق عربي للاستثمار في الأراضي الصالحة للزراعة بدون تدخل سياسي.

 

توصيات

● إنشاء صندوق عربي مستقل للاستثمار في الأراضي الصالحة زراعياً دون تدخل سياسي

● تأسيس مجلس تعاون استثماري عربي لمواجهة التحديات

● وجود منطقة حرة زراعية عربية يشارك فيها جميع الدول

● تأسيس مراكز دراسات للأمن الغذائي والمائي والزراعي.

● تأسيس قاعدة بيانات زراعية عربية.

● توطين الصناعات الغذائية العربية.

● تطوير نظم الزراعة.

● إنشاء نظام للإنذار المبكر فيما يتعلق بالأمن الغذائي.

● تنمية التجارة البينية العربية

● إصدار تشريعات لتنظيم المخزونات الغذائية.

● عقد اتفاقيات ثنائية لاستيراد السلع الأساسية من روسيا وأوكرانيا.

● دعم الاستثمار الزراعي في دول شرق أوروبا

● زيادة الرقابة الحكومية على الأسعار في الأسواق