قد يبدو للوهلة الأولى أن فيلمي «النحال» و«ثيلما» لا تجمعهما قواسم مشتركة؛ فالأول فيلم أكشن كوميدي من بطولة جيسون ستاثام حقق إيرادات عالمية بلغت 152 مليون دولار، وتتمحور قصته حول عميل سري متقاعد يقاتل مجموعة من القتلة المحترفين في مشاهد حماسية.
أما «ثيلما» فهو فيلم إثارة مشوق ومضحك، لكنه حقق إيرادات متواضعة نسبياً وصلت إلى 9 ملايين دولار، بطولة الممثلة الأمريكية المخضرمة جون سكويب، في أول بطولة لها بعمر 94 عاماً.لكن ما يجمع الفيلمين في واقع الأمر هو أنهما يرويان القصة نفسها: شخصية رئيسة تشرع في رحلة انتقام عنيفة بعد تعرض امرأة متقاعدة لسرقة أموالها على يد محتال.
وعلى الرغم من أن فيلم «ثيلما» أكثر واقعية من «النحال»، حيث تتضمن رحلة ستاثام الدموية للانتقام مجرمين دوليين ومؤامرة تتعلق برئيس الولايات المتحدة، إلا أن كلا الفيلمين تدفعهما نفس الرغبة في تحقيق العدالة: أن يلقى المحتالون عقاباً قاسياً وشديداً على جرائمهم.
وتشهد معظم الدول الثرية تراجعاً في الجرائم العنيفة، سواء في دول مثل هولندا التي خفّضت عدد السجناء لديها بشكل كبير، أو في المملكة المتحدة التي تعد حالة شاذة في زيادة عدد المسجونين لديها، ولكن على الرغم من الانخفاض العام في الجرائم العنيفة، تشهد بعض أشكال الجريمة الأخرى ارتفاعاً. ويعد الاحتيال الإلكتروني أحد هذه الأشكال.
حيث يمثل حالياً نحو 40 % من جميع الجرائم في إنجلترا وويلز، وهو الجريمة الأكثر شيوعاً في البلاد.إن التصورات تجاه الجريمة في معظم الديمقراطيات هي عكس الواقع تماماً: حيث يعتقد الناس أنها آخذة في الارتفاع بينما هي في الواقع تتراجع بوضوح، ولكن ليس من المستغرب أن تكون الجريمة التي يلاحظها معظم الناس ويتعرضون لها بشكل مباشر - وهي الاحتيال - هي موضوع الأوهام الانتقامية.
ومع ذلك، فإن الرغبة المنتشرة في الانتقام العنيف من المحتالين تتجاوز مجرد انتشار هذه الجرائم، إذ يستغل الكثير من حالات الاحتيال الجديدة دوافعنا الاجتماعية والإنسانية النبيلة، مثل الرغبة في مساعدة حفيد مصاب أو قريب محتاج.
وقد فشلت مؤخراً محاولة احتيال استهدفت عائلتي بدأت برسالة إلكترونية من أحد الأقارب بعنوان «من فضلك ساعدني»، ولم أكتشف هذه المحاولة بفضل حدسي القوي، بل لأنني لم أستطع تصور أن أياً من الأقرباء سيستخدم كلمة «من فضلك».
وبينما كانت عمليات الاحتيال الإلكترونية السابقة، مثل عملية الاحتيال النيجيرية الشهيرة التي وعد فيها المرسل بنصيب من المكاسب الضخمة غير المشروعة، أكثر عرضة لخداع اليائسين، فإنها كانت تميل إلى أن تكون موضوعاً للكوميديا بدلاً من أفلام الحركة، لأن العاطفة التي استغلتها هي الجشع، والاحتيال كان دائماً ضاراً، لكنه أصبح الآن أكثر خبثاً لأن المحتالين الإلكترونيين يستغلون نوايانا الحسنة.
تعكس الرغبة المجتمعية في رؤية هؤلاء الأشخاص يتعرضون لعقوبات قاسية - سواء بربطهم بسيارة تسقط من ارتفاع شاهق في فيلم «النحال» أو الضرب المبرح من قبل امرأة تسعينية في فيلم «ثيلما» - إدراكاً ضمنياً على الأقل بأن هذا النوع من الاحتيال يستهدف أسس المجتمع الناجح، فالعالم الذي يجب فيه التعامل مع طلبات المساعدة أنها تهديدات محتملة ليس هو العالم الذي يرغب معظمنا في العيش فيه.
ولكن الرغبة المجتمعية في فرض عقوبات صارمة تعكس أيضاً تحدياً حقيقياً للحكومات، صحيح أنه من الممكن تلبية بعض هذه الرغبة السياسية الخاصة بإصدار أحكام بالسجن لفترات طويلة على المحتالين عبر الإنترنت. ولكن هناك جانب آخر مهم لهذه الجريمة فمعظم عمليات الاحتيال تنطوي على عنصر دولي (وهذا هو الجانب الوحيد الذي يتسم فيه فيلم «النحال» بالواقعية أكثر من فيلم «ثيلما»).
وتقدر شرطة مدينة لندن أن 70 % من عمليات الاحتيال في المملكة المتحدة تنطوي على عنصر خارجي، سواء لأن المجرمين الذين يرتكبونها يعملون في بريطانيا وخارجها، أو لأن الجريمة تُرتكب بالكامل في الخارج، رغم أن أياً من هذه الجرائم، على حد علمي، لا علاقة له على الإطلاق بمؤامرة غامضة تتعلق بالرئيس الأمريكي.
يزيد هذا الأمر من صعوبة معركة مكافحة الاحتيال الإلكتروني لإرضاء معظم الناس أو تلبية الرغبة في تحقيق العدالة التي تثيرها هذه القضايا، ويبدو انتصار الانتقام في المشاهد الختامية لفيلم «ثيلما» أقل سخافة من ذلك الموجود في فيلم «النحال»، ولكنه للأسف ليس أكثر واقعية بكثير.
ويحفز الاحتيال الإلكتروني الجديد أحلام الانتقام العنيف، ويقوّض الثقة المجتمعية؛ لأنه بطبيعته الخبيثة يمكن أن يجعلنا نشعر بالغباء لمعاملتنا للآخرين بالرحمة؛ لكن صعوبة مكافحته تشكل أيضاً تهديداً للثقة العامة بقدرة الدول على حماية مواطنيها في عالم معقد.
