في رمزية واضحة للغاية، قد يظل رائدا فضاء أمريكيان، توجها إلى محطة الفضاء الدولية في يونيو على متن مركبة بوينغ ستارلاينر، عالقين في الفضاء لأشهر عدة، بسبب تسرب في نظام الدفع بمركبة العودة. وهو ما دفع «ناسا» إلى أن تدرس إمكانية استخدام مركبة سبيس إكس دراغون لإعادتهما في فبراير.
يبرز هذا الحادث المؤسف بوضوح كيف تفوقت شركة الفضاء الخاصة المبتكرة، التي يقودها المثير للجدل إيلون ماسك، على متعهد حكومي متعثر يبلغ من العمر 108 أعوام، وذلك رغم التاريخ الحافل لشركة بوينج في برنامج الفضاء الأمريكي.
ومن غير المرجح أن يتجاهل البنتاجون هذا الدرس أثناء التخطيط للموازنة المستقبلية التي تتجاوز 800 مليار دولار. وعلى غرار وكالة ناسا، يتزايد اعتماد وزارة الدفاع الأمريكية على جيل جديد من الشركات الناشئة في وادي السيليكون لتعزيز قدراتها وتفوقها، وهو ما يخل بنظام متعهدي الصناعات الدفاعية التقليديين، مثل بوينج ورايثيون ولوكهيد مارتن وجنرال ديناميكس، المعروفة بـ «الشركات الرئيسية».
وخلال هذا الشهر، جمعت شركة أندوريل إندستريز، وهي واحدة من أبرز الشركات الخلاقة، 1.5 مليار دولار من مستثمري رأس المال المغامر، ما رفع قيمة الشركة إلى 14 مليار دولار. وحالياً، تستعد أندرويل لتطوير مصنع «أرسنال-1»، وهو مصنع حديث مصمم لتعزيز إنتاج آلاف الطائرات المقاتلة ذاتية القيادة كجزء من برنامج ريبليكيتور التابع للبنتاجون، والذي يهدف إلى نشر الآلاف من الأنظمة المقالة ذاتية القيادة في غضون 18 إلى 24 شهراً.
وتأسست شركة أندوريل في عام 2017 على يد بالمر لاكي، الذي حقق ثروة ضخمة من بيع شركته الناشئة في مجال الواقع الافتراضي «أوكيولس» إلى فيسبوك، وهو عازم الآن على صياغة تصورات جديدة لقطاع الدفاع. وكشف لاكي لصحيفة فايننشال تايمز هذا العام أن طموح أندوريل الجريء يتمثل في «إنقاذ الحضارة الغربية»، فضلاً عن توفير مليارات الدولارات لدافعي الضرائب سنوياً، قائلاً «إن هدفنا هو منافسة كبار المتعهدين الرئيسيين والعمل جاهدين لبلوغ وضع متساو».
وكان اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في عام 2022 وتصاعد التوترات مع الصين قد أديا إلى إعادة النظر في الجاهزية العسكرية للولايات المتحدة. واستحوذ استخدام الطائرات من دون طيار منخفضة التكلفة والفعالة من قبل القوات الأوكرانية والروسية، بالإضافة إلى نقاط الضعف في المعدات التقليدية، على انتباه القادة العسكريين، وطرح تساؤلاً مفاده هل استخدام حاملة طائرات إضافية أم توظيف 18 ألف طائرة من دون طيار سيكون أكثر فاعلية للدفاع عن تايوان؟
ويزعم منتقدو البنتاجون أن التفوق التكنولوجي الأمريكي قد تأثر سلباً، بسبب فشله في استغلال إمكانيات البرمجيات الحديثة والحوسبة السحابية واستكشاف الفضاء التجاري والذكاء الاصطناعي في الوقت المناسب. ووفقاً لكريستيان بروس، رئيس الأركان السابق في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، والذي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي للاستراتيجية لدى أندوريل، فإن «هذا موقف يجسد تعرض الولايات المتحدة لكمين من المستقبل».
من ناحية أخرى، أظهرت شركات رأس المال المغامر، التي تجنبت لفترة طويلة قطاع التقنيات الدفاعية، اهتماماً كبيراً بالقطاع، ومن المؤكد أن كون البنتاجون أول عميل ضخم للقطاع يعزز جاذبيته. وتشير تقارير «بيتش بوك»، إلى أن شركات رأس المال المغامر استثمرت أكثر من 120 مليار دولار عالمياً في قطاع الدفاع على مدار السنوات الثلاث الماضية، على الرغم من تباطؤ الاستثمارات هذا العام.
وتبرز التقنيات الدفاعية في أوروبا أيضاً لكن على نطاق أضيق. وفي يوليو، جمعت شركة هيلسنج الألمانية الناشئة المتخصصة في برامج الدفاع القائمة على الذكاء الاصطناعي، 450 مليون يورو، وحققت تقييماً يقترب من 5 مليارات يورو. كما أطلق حلف شمال الأطلسي صندوقاً للابتكار بقيمة مليار يورو يركز على أوروبا لدعم الشركات الناشئة في قطاع الدفاع.
كما أطلق برنامج تسريع الابتكار الدفاعي «ديانا». وقد أعطى صندوق الاستثمار الأوروبي، ذراع التمويل الخاصة بالاتحاد الأوروبي، الأولوية للاستثمارات الدفاعية، إلا أن العقبة الكبرى أمام الشركات الناشئة الأوروبية تتمثل في تجزئة المشتريات الدفاعية الوطنية.
ويقول أحد صناع السياسات الأوروبيين، الداعم لتطوير نظام دفاع جوي أوروبي على غرار «القبة الحديدية»، إن «أوروبا قوية فيما يتعلق بالعرض لكنها ضعيفة من ناحية الطلب.. وحال تقديم حافز بخصوص الطلب، من الممكن أن يغدو نقطة تحول».
ويستعرض راج شاه وكريستوفر كيرشوف، في كتابهما «الوحدة إكس»، المعارك الثقافية التي خاضاها مع البنتاجون لتغيير «أكبر منظمة وربما الأكثر بيروقراطية» في العالم، حيث تضم 3 ملايين موظف. وفي عام 2015، أسس آشتون كارتر، وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، وحدة الابتكار الدفاعية التجريبية (DIUx) لتقديم الابتكارات التجارية للجيش وكلف المؤلفين بقيادة المشروع.
وخلال مقابلة مصورة، قال شاه، وهو طيار سابق لطائرة إف 16 والشريك الإداري الحالي لشركة شيلد كابيتال لرأس المال المغامر، إنه كان من الصعب جذب مستثمري رأس المال المغامر الجادين إلى قطاع الدفاع في عام 2016، مضيفاً «الآن، الأمر مختلف تماماً، فثمة تغيير واضح في وادي السيليكون، حيث هالتنا مشاهد الحرب الروسية الأوكرانية».
لكن شاه يقر أن الاعتماد على الشركات الناشئة يؤدي إلى «تبعيات جديدة». كما يسلط الضوء على مخاطر نشوء فقاعات وانهيارات في دورات استثمار رأس المال المغامر، ويعني ذلك أن الحكومة قد تفقد بعض السيطرة على «موارد البحث والتطوير» في المستقبل.
ويعد لاكي وماسك من المؤيدين علناً لدونالد ترامب، وهو ما قد يخلق بعض الحساسيات السياسية مع أي إدارة ديمقراطية في المستقبل. وبالنظر إلى مصالح ماسك التجارية الضخمة في الصين من خلال شركة تسلا، كيف ستكون استجابة خدمة الاتصالات القائمة على الأقمار الصناعية «ستارلينك» التابعة لماسك لأي هجوم محتمل على تايوان؟
وفيما تتمثل الأولوية الاستراتيجية للحزب الشيوعي الصيني في إنشاء قوات مسلحة من الدرجة الأولى في العالم عبر «الدمج العسكري المدني»، فإن النهج الأمريكي المتعلق بالدمج العسكري المدني مختلف تماماً في الفكرة والتنفيذ، لكنه يوفر فرصة قوية لإعادة تأكيد الهيمنة العسكرية، وإن كان النظام التقني العسكري الأكثر ديناميكية الناشئ يحمل في طياته مخاطر ومواطن ضعف جديدة أيضاً.
