على مدار ما يقرب من 4 عقود، ساعد مايك ماكان، سمسار العقارات، مواطني فيلادلفيا على شراء وبيع المنازل، لكنه لم يرَ مثل التباطؤ الحالي الذي يخيّم على سوق العقارات من قبل.وقال مايك ماكان: «لقد انخفضت المبيعات على نحو هائل مقارنة بما كنا نشهده قبل عامين»، وتابع: «المذهل أن الأسعار كانت تتراجع طيلة 38 عاماً قضيتها في عملي، لكن المعروض من المساكن منخفض». وأسهب: «لقد أحجم الناس عن أي نشاط».
وفي انتخابات يشوبها القلق حيال ارتفاع تكلفة المعيشة بالولايات المتحدة، يشكّل جمود سوق الإسكان معوّقاً للديمقراطيين في محاولتهم اكتساب دعم الناخبين المترددين. وبينما يُتوقع شروع الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل من أعلى مستوياتها منذ 23 عاماً، فإن جهوده التي استغرقت عامين لخفض التضخم تسببت في أن يكون تملّك الكثيرين للمنازل أمراً بعيد المنال.وشكّلت التكاليف المرتبطة بالإسكان نحو 90% من التضخم المُسجل في يونيو، وذلك استناداً لآخر تقارير مؤشر أسعار المستهلكين.
أشار أنطوان سيرايت، الخبير الاستراتيجي الديمقراطي، إلى أن «تملّك المنازل بعد جزءاً مهماً من الحلم الأمريكي. لكن بالنسبة للكثيرين، فقد استحال الحلم الأمريكي كابوساً». وأردف: «أعتقد أن وجود خطة محددة بشأن إمكانية الوصول والقدرة على تحمل التكاليف سيكون مسألة محورية لكامالا هاريس».
وكشفت هاريس عن مُقترحات بتخفيضات ضريبية تصل إلى 25 ألف دولار لمشتري المنازل للمرة الأولى، في محاولة لإقناع المصوّتين بأنها ستعالج أزمة تكلفة المعيشة، التي تسببت في تآكل الدعم لإعادة انتخاب جو بايدن قبل انسحابه من السباق الرئاسي.
كما اقترحت هاريس إعفاءات ضريبية لبناة المنازل من أجل تشييد المساكن التي يمكن للمبتدئين في قطاع تملّك المنازل شراؤها، إلى جانب التضييق على الممارسات غير العادلة التي يتبعها الملّاك المؤسسيون والمستثمرون الذين يشترون كميات كبيرة من المساكن.
وصرحت هاريس قائلة: «هذه المشكلة ليست بجديدة عليّ. لذا، أعرف كيف أدافع عن الذين يجري استغلالهم في سوق الإسكان، وأعرف ما يعنيه تملّك المنزل». وأضافت: «سأعمل بالاشتراك مع القطاع لبناء المساكن التي نحتاج إليها، سواء للإيجار أو للشراء». وسلّطت الضوء على رغبتها في بناء 3 ملايين منزل جديد في غضون 4 أعوام.
وأشار استطلاع أجراه مركز الديمقراطية الشعبية التقدمي إلى أن 84% من الناخبين في الولايات المتأرجحة يرون أن تكلفة المعيشة قضية رئيسة. وذكر بوب ترايست، الخبير الاقتصادي لدى جامعة نورث إيسترن: «من الواضح أن أي شيء من شأنه تسريع زيادة المعروض من المساكن سيكون مفيداً»، مضيفاً: «قد يأتي ذلك على هيئة إصلاح لمسألة التراخيص ومحاولة الحصول عليها بصورة أسرع، أو إصلاح تقسيم المناطق بما يسمح بزيادة كثافة السكان في مناطق بعينها».
وكان دونالد ترامب نجح في التقدم على بايدن في استطلاعات الآراء في ما يتعلق بمسائل الاقتصاد، مستفيداً من القلق بشأن التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. وتعمل هاريس من جانبها بجد على رأب هذه الفجوة، لكن ما زال المُرشح الجمهوري يحاول إلقاء اللوم في التضخم عليها، مع وعود بأن تُفضي خططه إلى خفض التكاليف.
وتعهد المُرشح الجمهوري بالسماح بتشييد منازل جديدة على الأراضي الفيدرالية، كما أعلن تخفيضات ضريبية لمُشتري المنازل للمرة الأولى على غرار هاريس.وتتوقع الأسواق خفض الفيدرالي للفائدة اعتباراً من سبتمبر وبنحو نقطة مئوية واحدة بنهاية العام، من نطاقها الحالي الذي يتراوح بين 5.25% و5.5%. لكن الناخبين لن يشعروا بتأثيرات تقليص الفائدة إلا تدريجياً.
وفي هذا الصدد، قال رايان سويت، كبير خبراء الاقتصاد الأمريكيين لدى «أوكسفورد إكونوميكس»: «لن نشهد طفرة في مبيعات المنازل بسبب خفض واحد للفائدة من جانب الفيدرالي»، وأضاف: «أعتقد أن الخفض سيكون بمثابة تنفس للصعداء».
وفي حين بدأت معدلات الفائدة على الرهن العقاري بالتراجع، مع انخفاض الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاماً إلى 6.47%، فقد ازدادت تكلفة الاقتراض لشراء المنازل على نحو حاد في الأعوام الأخيرة. وسجلت الفائدة أعلى مستوياتها منذ 24 عاماً في أكتوبر لعام 2023 مع بلوغها نسبة 7.79%، مقابل 2.65% في بداية أكتوبر 2021.
وأوضح ديفيد سيف، كبير خبراء الاقتصاد للأسواق المتقدمة لدى «نومورا»: «إن واحداً من بين الأمور المثبّطة للسوق بأسرها أن المُشترين يواجهون معدلات فائدة مرتفعة للغاية على الرهن العقاري، لذا انخفضت القدرة على تحمّل التكاليف، بغض النظر عن سعر المنزل».
وبالنسبة لملّاك المنازل الذين يتمتعون بمعدلات فائدة منخفضة من قبل رفع الفيدرالي لتكاليف الاقتراض قبل عامين، فهم أيضاً مترددون في الانتقال إلى منازل جديدة لأنهم سيتكبدون في هذه الحالة معدلات أعلى على الرهن العقاري وخاصة أن الكثير من الرهون العقارية في الولايات المتحدة لا «تُنقَل» ليتم الاستفادة منها في منازل جديدة.
ويُعد ذلك أحد الأسباب وراء انخفاض المخزونات الوطنية للإسكان بنسبة 27% منذ أغسطس 2019، بحسب البيانات الصادرة عن شركة ريدفين للوساطة العقارية. كما يؤدي نقص المعروض من المنازل القائمة إلى ازدياد النشاط في قطاع المنازل الجديدة.
ويعكس الطلب على المنازل الجديدة «نقصاً مزمناً في الإنتاج» للمنازل ومخزوناً منخفضاً تاريخياً للمنازل القائمة، وذلك ناجم عن «تأثير التجميد جراء الفائدة المرتفعة»، بحسب دوغلاس ييرلي جونيور، الرئيس التنفيذي لدى شركة تول براذرز لبناء المنازل، خلال استعراض للنتائج المالية مؤخراً.
وتُظهر البيانات الصادرة عن مكتب تعداد الولايات المتحدة ارتفاع المنازل الجديدة المكتملة بنسبة 15.5% على أساس سنوي في يونيو، لكن الانخفاض البالغ 4% على أساس سنوي في المنازل الجديدة يشي بتعليق بعض بناة المنازل لأعمال التشييد. وقال ماثيو والش، الخبير الاقتصادي في الإسكان لدى «موديز»: «يبدو أن هناك زيادة في التراخيص الصادرة لكن لم تبدأ عمليات البناء فيها بعد». وأضاف: «سيكون ذلك متماشياً مع التوقعات بانتظار تخفيض الفائدة لبدء العمل على هذه العقارات المُرخص بها».
وبالنسبة للأمريكيين الذين لا يرغبون في شراء عقار، أو لا يقدرون عليه، فيظل الإيجار مكلّفاً، رغم أن السوق بدأت بالهدوء. وحلّق تضخم الإيجارات إلى أعلى مستوياته منذ 42 عاماً عند 8.18% في مارس 2023، لكنه سجل 5.2% في يوليو الماضي.
ويعني ازدياد الإيجارات أن الولايات المتأرجحة مثل أريزونا، يحتاج مواطنوها إلى دخل سنوي يبلغ حوالي 70,000 دولار ليكونوا قادرين على استئجار شقة سكنية تتكون من غرفتي نوم، بحسب تحالف الإسكان الوطني لمنخفضي الدخل، وهو ما يقارب ضِعف متوسط الدخل السنوي البالغ 37,209 دولارات.
