طهو البرجر في «ماكدونالدز» ليس عملية مليئة بالقدر الكافي من الإبداع. كبداية، الشوايات ذات الجانبين تعني عدم الحاجة إلى التقليب.

ثم يستخدم الموظفون مسدسات الرش لتوزيع الكمية المناسبة من الصلصة على خبز البرجر المحمص لمدة مناسبة من الثواني. لكن ما يبدو للكثيرين أمراً مملاً، هو مجال خصب للبحث الاقتصادي. وتستخدم دراسة جديدة «ماكدونالدز» لإلقاء الضوء على أداء الاقتصاد الأمريكي.

حيث يقوم أورلي آشينفيلتر من جامعة برينستون وستيبان جوراجدا من مركز براغ للبحث الاقتصادي والدراسات العليا، بمسح الأجور في مطاعم ماكدونالدز (أجور ماكدونالدز) كل عام منذ عام 2016.

وهذه ليست سوى شركة واحدة، إلا أنها صاحبة عمل مهم بقطاع الوجبات السريعة الذي وظف نحو 4 ملايين أمريكي عام 2023. في ذلك العام، بلغ متوسط أجر العاملين المبتدئين «أعضاء الطاقم» أكثر بقليل من 13 دولاراً في الساعة، مقارنة بنحو 34 دولاراً لجميع موظفي القطاع الخاص.

وعلى مدار العقد الماضي أو نحو ذلك، كان متوسط أجور العمال ذوي الأجور المنخفضة جيداً نسبياً، وفق ما ذكره ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأريندراجت دوب وأني ماكجريو من جامعة ماساتشوستس أمهرست.

وشدد الباحثان (آشينفيلتر وجورايدا) على دور الأشخاص في الانتقال لوظائف أفضل كآلية لزيادة الأجور. لكن ماذا حدث للأجر مقابل العمل نفسه؟ في الآونة الأخيرة، وجد إيرني تيديشي من كلية الحقوق بجامعة ييل، اتجاهاً مشابهاً من خلال بناء مؤشر للأجور المنخفضة، والذي يحاول استبعاد تأثير التغير في الصناعة أو المهن أو الجنس أو التعليم على البيانات.

رغم ذلك، سيكون من الصعب دائماً التأكد من أن البيانات تصف بالفعل الأجر مقابل العمل نفسه، وليس مجرد اختلافات في المهام أو حتى المهارات.

ويدعي آشينفيلتر وجورايدا أن توحيد وظائف المبتدئين في «ماكدونالدز» يعني أنه يمكن تقديم إجابات واضحة، خاصة عند مقارنة الأجور عبر مناطق مختلفة من البلاد. فإذا كان عمال فرع في واشنطن يكسبون رواتب أعلى من عمال فرع في الميسيسيبي، فربما يرجع ذلك إلى مكان إقامتهم، وليس لأنهم بارعون بشكل خاص في رش الصلصة.

وإضافة إلى جمع الأجور، يجمع الأكاديميون أيضاً أسعار وجبات «بيج ماك» المحلية (مؤشر بيج ماك)، كبديل صريح لقياس تكاليف المعيشة المحلية.

وقاس الباحثون متوسط عدد وجبات «بيج ماك» التي يمكن شراؤها بساعة عمل واحدة، حيث ارتفعت بنسبة نحو 1 % سنوياً في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم قفز بشكل كبير بنسبة 14 % بين عامي 2020 و2021. وهذا الارتفاع أكثر حدة مما رصده باحثون سابقون.

لكن منذ ذلك الحين، توقف هذا المعدل عن الارتفاع، بل انخفض قليلاً في عام 2023 حيث لم تواكب الأجور ارتفاع أسعار البيج ماك. ولم تكن المكاسب متساوية في جميع المناطق.

فبينما ارتفع متوسط عدد وجبات البيج ماك التي يمكن شراؤها بساعة عمل واحدة للموظفين الجدد في ولاية مين بنسبة 45 % بين عامي 2016 و2023، ارتفع هذا المعدل بشكل ضئيل بنسبة 3 % فقط في ولاية ميسيسيبي خلال الفترة نفسها. وبشكل عام، زاد تفاوت الدخل بين المناطق بشكل كبير بين عامي 2016 و2021، ولم ينخفض إلا قليلاً خلال العامين التاليين.

لماذا حدث ذلك؟ أحد التفسيرات الواضحة هو التغيرات في الحد الأدنى للأجور. فبينما ارتفع الحد الأدنى للأجور في ولاية مين من 7.5 دولارات إلى 13.8 دولاراً في الساعة بين عامي 2016 و2023، ظل الحد الأدنى للأجور في ولاية ميسيسيبي عند المستوى الفيدرالي البالغ 7.25 دولارات في الساعة.

وبشكل عام، قبل الجائحة، ارتفعت أجور العاملين في مطاعم ماكدونالدز بشكل أسرع في الولايات التي رفعت الحد الأدنى للأجور، (وهو ما توصل إليه الباحثون أوتور ودوب وماكجريو أيضاً).

لكن يرى كل من آشينفيلتر وجورايدا أن هذه ليست القصة كاملة. فقد أسهمت ديناميكية سوق العمل النشطة للعمال أيضاً، حيث انخفضت نسبة المطاعم التي تدفع الحد الأدنى للأجور الملزم محلياً إلى النصف، لتصل إلى واحد فقط من كل 6 مطاعم بين عامي 2020 و2021.

وقدر الباحثان أنه حتى في غياب الحد الأدنى للأجور، كان عدم المساواة بين الأماكن لا يزال يزداد. وتشير نتائجهم أيضاً إلى أنه قبل الجائحة، كانت الأجور المنخفضة تنمو أسرع في الأماكن التي كانت ترتفع فيها أجور ماكدونالدز على أية حال.

ولاحظ المؤلفان أن زيادة التباين في الأجور الحقيقية للفئات الأقل دخلاً قد يشير إلى أن سوق العمل أصبحت مجزأة بشكل متزايد. وبالنسبة لمعظم الناس، فإن الاستنتاج هو أن الجائحة كانت فترة استثنائية لأصحاب الأجور المنخفضة، وإن كانت غير متساوية.

وبمرور الوقت، تزايد غياب تأثير الحد الأدنى للأجور على مستوى البلاد. أما بالنسبة للاقتصاديين، فقد يكون الأمر الأكثر أهمية هو أنهم يمتلكون الآن مقياساً دقيقاً للأجور يدعم النتائج التي تم الحصول عليها باستخدام مقاييس أكثر تعقيداً. وهو أمر يستحق أن يشعروا بالسعادة من أجله.