أتاح مكتب هوغان لوفلز للمحاماة طريقة جديدة لتحسين العلاقات في مكان العمل، فإذا ما واجه الموظفون سلوكاً غير مقبول، مثل أن ينسب شخص ما الفضل إلى نفسه في العمل الذي أنجزوه، أو الاعتداءات المُصغرة مثل التحيز القائم على السن أو الجنس أو العرق، فيمكن لهم حالياً الإبلاغ عبر الإنترنت بلفت انتباه الإدارة سراً إلى المشكلة.

قالت بيني أنجل، الشريكة الإدارية في المملكة المتحدة، إن المكتب كشف عن الأداة الجديدة بعد ملاحظة «تردد الموظفين في استنكار الوقائع التي تبدو ضئيلة»، والتي قد تسهم مع ذلك في شعور شخص ما بالاستبعاد أو التهميش، واتهم ناقدون الشركة بمراقبة الموظفين، وإذكاء ثقافة الخوف.

وأنكرت روزي ترنر، الشريكة المؤسسة لمنصة «إنكوروس»، التي يستخدمها مكتب المحاماة وأرباب عمل آخرون في مجموعة من القطاعات، أن يكون هذا «إضفاء صفة تحويل المبلغين إلى سلاح»، ووصفت ترنر الأداة أنها بمثابة «إنذار» يكشف المشكلات قبل تفاقمها.

وقالت ترنر: «إذا ما تمعنت فيما حدث بكل من أوبر وبرو دوغ وتيد بيكر لوجدت أن ما كنت تراه دائماً من سلوكيات كبيرة لا ينشأ من فراغ»، وتابعت: «اتهم موظفون الشركات الثلاث علناً بتكريسها ثقافة سامة».

وتدافع ترنر عن الآلية التي تسمح للموظفين بلفت الانتباه إلى المشكلات، معتبرة إياها أكثر استباقية مقارنة باستطلاعات المشاركة السنوية، وأقل جذرية من تقديم شكاوى رسمية، معتبرة أن «الأمر لا يتعلق بمراقبة السلوكيات، وإنما بالتعرف إلى نقاط الخلاف».

يتسم الإبلاغ عبر مثل هذه المنصات بالمجهولية، ولا تسمح «إنكوروس»، شأنها شأن منصات أخرى، للموظفين بلوم أشخاص بعينهم أو تعريفهم، ما ترى ترنر أنه سيجعل الآليات «عرضة لسوء الاستخدام». وبالنسبة للاعتداءات المصغرة أو السلوكيات السيئة، التي يمكن للموظفين الإبلاغ عنها، فهي مثل افتراض مواجهة أحد الزملاء الأكبر سناً مشكلات تكنولوجية، أو التنمر أو السلوكيات، التي تقلل من شأن الزملاء.

وعقب مقتل جورج فلويد في 2020 كثف أرباب الأعمال مبادرات التنوع لتعزيز الموظفين من خلفيات لا تحظى بالتمثيل الكافي. وفي وقت لاحق أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة في يونيو الماضي قراراً ضد رفض القبول في الجامعات استناداً إلى الخلفية العرقية، وتعرضت مبادرات الشركات في هذا الصدد للهجوم من أشخاص بارزين مثل إيلون ماسك، وبيل أكمان، الملياردير المؤسس لصندوق تحوط.

وفي المملكة المتحدة سيدخل حيز التنفيذ في أكتوبر المقبل تدابير أكثر قوة لحماية الموظفين، تلزم أرباب العمل باتخاذ إجراءات ملموسة للحيلولة دون سوء السلوك. على سبيل المثال حدثت شركة ترافرس سميث للمحاماة سياستها المتعلقة بإبلاغ الموظفين عن السلوكيات في مكان العمل، بجانب إعلانها برنامجاً تدريبياً للمديرين.

من الناحية المثالية تريد المؤسسات أن يبلغ الأفراد شخصياً عن المشكلات التي يتعرضون لها، لكن ترنر تقول إن ذلك التفكير «يتجاهل ذلك ديناميكيات القوة، ولا يوفر الأمان النفسي». وبدلاً من رؤية هذه الأدوات على أنها أدوات عقابية يجب على أرباب العمل استخدامها لجمع البيانات، وفهم الاحتكاك بين الزملاء في العمل، وقد تسهم هذه الأدوات في معرفة التدريب المطلوب، أو تشجيع ذوي الآراء المختلفة، مثل الاختلافات بين الأجيال، وفهم وجهة نظر بعضهم البعض.

وترى ترنر أن المسلم به وما يظن أغلبية المديرين أنه سهل «غالباً ما لا يكون على هذا النحو في حقيقة الأمر. هناك القليل من الفوضى في المنتصف».

ويمكن للمنصات الإلكترونية، التي تجمع الشكاوى أن تحسّن الفهم، بحسب ديفيد دي سوزا، المدير المهني لدى معهد «تشارترد» للأفراد والتنمية، المؤسسة المهنية للمحترفين المعنية بإدارة الموارد البشرية. ومع ذلك أشار دي سوزا إلى أن هذه المنصات تثير خطر خلق «ثقافة الإبلاغ بدلاً من الحوار المباشر، وأن المؤسسات ستحتاج إلى الوضوح في تعريف ما يجب الإبلاغ عنه من خلال هذه القنوات، بالتزامن مع تشجيع الحوار المباشر والفعال بين الزملاء».

ويرى إيثان بوريس، أستاذ الإدارة لدى كلية ماكومز لإدارة الأعمال في جامعة تكساس بمدينة أوستن، أن قنوات الإبلاغ هذه أيضاً يمكن «أن تبعث بإشارات، مفادها أن الحديث وجهاً لوجه ليس آمناً».

وإذا ما كانت قيادة الشركات تدفع الأشخاص إلى استخدام منصات للإبلاغ عن الحقيقة بصورة مجهولة، فربما يشير ذلك إلى خطورة الحديث علنا.

وهو ما يؤيده بوريس لأنه «في حين أن الخطوط الساخنة المجهولة مهمة للموارد البشرية في معرفة وقائع التمييز والتحرش والسلوكيات غير الأخلاقية، إلا أنه إذا كانت هذه الآلية الأساسية أو الوحيدة للاستماع إلى الموظفين، فإنها بمثابة إشارة قوية على وجوب حذر الموظفين في قول الحقيقة بشأن أي مشكلة».

ثمة أمر آخر وهو أن مثل هذه الأنظمة تسلب الإدارة قدرتها على المتابعة، فعلى الرغم من أهمية المجهولية في حماية هوية الموظف، لكنها تعرقل قدرة الإدارة إلى حد كبير على معرفة ما يدور حقاً، لكن بالنسبة لبوريس فسيكون من التطرف الادعاء بأن الأنظمة التي توفر المجهولية ضارة بالموظفين، وقال «إنها تتمتع بالوجاهة، لكن يجب أن تكملها أدوات أخرى يتسنى بموجبها للموظفين إبداء ملاحظاتهم وأفكارهم. الإدارات تحتاج إلى الإشارة إلى أن آراء الموظفين ذات قيمة وتأثير في تغيير سياسة الشركة وإجراءاتها».

أكثر الجوانب أهمية في ضمان ألا يكون الإبلاغ عن الاعتداءات المُصغرة مجرد ستار هو ضرورة اتخاذ أرباب خطوات ملموسة رداً على ما يرد إليهم. وقال بوريس «في غياب هذه الخطوات سيكون للموظفين الحق في الشعور بعدم وجود صدى لأصواتهم، أو الأسوأ من ذلك، أنه ستكون هناك عواقب وخيمة لقول الحقيقة».