خلال العام الجاري، اتبعت الأسواق النمط نفسه الذي ساد طوال أغلب عام 2023، فبغض النظر عن الأخبار، فإن الأسهم والائتمان يرتفعان باستمرار.
لكن هناك أسباباً متزايدة تدعو إلى الشك فيما إذا كان هذا النمط سيصمد.
والمشكلة ليست في الاقتصاد، فقد أصبحت المخاوف من الركود في طي النسيان. وانخفاض التضخم يعني أن الأجور الحقيقية آخذة في الارتفاع مرة أخرى. وأرباح الشركات قوية، مع القليل من علامات الضغط على هوامش الربح القياسية. كذلك، فإنه رغم ارتفاع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ 20 عاماً، إلا أن معدلات البطالة سجلت زيادة طفيفة من أدنى مستوياتها القياسية.
ولا تزال المخاوف الائتمانية قائمة، لكن حتى احتمال حدوث خسائر في بعض شرائح ديون العقارات التجارية المصنفة سابقاً عند مستوى (AAA) لا يظهر دلائل على أنها ستكون خسائر منهجية. إضافة إلى ذلك، فإنه إذا تدهورت التوقعات، فإن البنوك المركزية ستتجه ببساطة إلى مزيد من التيسير النقدي.
ولا يبدو في الوقت الحالي أن المخاوف السياسية قوية بما يكفي لوقف هذا الارتفاع. ورغم تزايد الأدلة على الجاذبية الانتخابية للأحزاب والسياسات المتطرفة، تجد الأسواق صعوبة في تقدير انعدام المسؤولية المالية حتى تجابه الواقع.
وقد فشلت المحاولات القصيرة لإعادة علاوة المخاطر السياسية في فرنسا. علاوة إلى ذلك، يبدو أن زيادة التوقعات بعودة انتخاب ترامب لولاية ثانية لا تزال مصحوبة بارتفاع الأسهم والأداء القوي للبنوك على خلفية توقعات إلغاء القيود التنظيمية بدلاً من نوبات الغضب بشأن انخفاض عائدات السندات.
بدلاً من ذلك، تنبع الشكوك من التدفقات التي غذت الارتفاع، ومن ديناميكيات توفير النقد التي ترتكز إليها. وتبلغ التدفقات السنوية إلى الصناديق الاستثمارية المشتركة والصناديق المتداولة في البورصة 600 مليار دولار، متجاوزة أي سنة سابقة باستثناء عام 2021. وكما هي الحال مع العديد من مديري المحافظ الاستثمارية، فإنهم سيقرون أنه عندما لا يركزون على التسويق، فإن التدفقات المستمرة، وليس انخفاض تكلفة فئات الأصول، هي التي تجعلهم يواظبون على عمليات الشراء.
وتاريخياً، تبدو التدفقات الواردة ظاهرة غريبة. وعادة ما تؤدي مستويات أسعار الفائدة العالية إلى التحول بعيداً عن الأصول الأكثر خطورة والاتجاه إلى أسواق المال وسندات الخزانة. لكن لم يحدث أي تحول من هذا النوع، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن البنوك المركزية كانت تشدد سياساتها بيد، وتخفف العبء باليد الأخرى.
وكان من شأن استمرار التشديد الكمي، عكس برامج التيسير الكمي الضخمة التي استخدمتها البنوك المركزي لدعم الاقتصادات منذ الأزمة المالية، أن يقلل مستوى الاحتياطيات التي تحتفظ بها البنوك التجارية لدى البنوك المركزية، إلا أن هناك عوامل أخرى تعزز الاحتياطيات أيضاً.
وعندما تعمل الحكومات على خفض ودائعها لدى البنوك المركزية وضخها في الاقتصاد الحقيقي، فإنها تعزز الودائع والاحتياطيات لدى البنوك التجارية. ويحدث الشيء نفسه عندما تقوم صناديق سوق المال بتحويل النقد من برنامج الريبو العكسي التابع للاحتياطي الفيدرالي، وهي آلية لتخزين النقد في البنوك المركزية، وتستثمره في الأسواق، مثل شراء سندات الخزانة.
وفي جميع تلك الحالات، تشكل الاحتياطيات مقياساً مناسباً لتأثير «رصيد المحافظ الاستثمارية»: مقدار الأموال التي في يد القطاع الخاص مقارنة بالأصول المتاحة لاستيعابها.
وعلى مدى الأشهر الستة التي أعقبت آخر انخفاض للأسواق في أكتوبر الماضي، ارتفعت الاحتياطيات العالمية بمقدار 600 مليار دولار، رغم استمرار التشديد الكمي. ونتيجة لذلك، لم يكن ارتفاع المخاطر من قبيل الصدفة؛ فقد بدا الأمر وكأن البنوك المركزية كانت منخرطة في عمليات التيسير الكمي.
وإلى جانب الحماس حيال الأساسيات أو التقييمات أو احتمالات خفض أسعار الفائدة، كانت هذه السيولة الإضافية هي المصدر الرئيسي لتدفقات صناديق الاستثمار المشتركة. وكما هي الحال خلال التيسير الكمي، حفز ارتفاع مستوى السيولة المستثمرين على تحمل المخاطر بحثاً عن العائدات، ما يغذي الزخم ويشجع على عدم التقيد على نطاق واسع بالتقييمات المرتفعة.
وفي الغالب، أدى ولاء البنوك المركزية للنظريات والتركيز على تأثير مستوى الاحتياطيات على أسعار الفائدة إلى غض النظر عن تأثير هذه التقلبات على السيولة على الأسواق. وعندما استنفدت الاحتياطيات، في البداية عام 2022، ثم في أبريل من هذا العام، ثم لفترة وجيزة مرة أخرى في أواخر يونيو، تراجعت تدفقات الصناديق والأسواق على حد سواء.
وربما تفوقت فئة محدودة من الأسهم الأمريكية، لكن ذلك يعكس التركيز المتزايد على عدد أقل من الأسهم مع تضاؤل السيولة، كما تراجع الأداء والتدفقات في الائتمان والأسواق الناشئة والبيتكوين منذ أبريل، بما يتماشى مع الاحتياطيات.
إن التفكير في هذه التدفقات المالية، وليس فقط تغيرات أسعار الفائدة، يلقي الضوء على أداء مختلف تماماً للسوق العام الجاري.
فقد ظلت تدفقات صناديق الاستثمار المشتركة في الأسابيع القليلة الماضية قوية للغاية رغم نقص الدعم من الاحتياطيات. ومع عدم احتمال عودة تدفق السيولة من البنوك المركزية في الأشهر المقبلة، فإن أي ارتفاع آخر من هذه النقطة يبدو معرضاً لخطر الجفاف. ومن غير المرجح أن يكون تخفيف أسعار الفائدة بديلاً عندما يحدث ذلك.
الكاتب مؤسس وخبير استراتيجي في الأسواق العالمية لدى شركة ساتوري إنسايتس
