لطالما اعتبرت سويسرا ملاذاً آمناً للمصرفيين العالميين والأثرياء، بفضل ما اشتهر عنها من استقرار مالي. لكن الشكوك بدأت تطرق الأبواب بقوة، حيث لا تزال السلطات المالية السويسرية تتصدى لتداعيات انهيار بنك كريديه سويس في مارس 2023.

وكان فشل ثاني أكبر بنك في البلاد بمثابة مصدر إحراج بالنسبة لـ«الثالوث» القوي في البلاد - وزارة المالية والبنك المركزي وهيئة الرقابة المالية. وتم التوصل إلى صفقة متأخرة لصالح بنك يو بي إس، أكبر بنك في البلاد، للاستحواذ على منافسه المتعثر. وقد أثارت خطة الإنقاذ المخاوف حيال قوة التنظيم المالي السويسري، وألحقت الخسائر بحاملي السندات الدوليين، وأثارت عدداً من الدعاوى القضائية.

لذلك، من الضروري أن يعمل «الثالوث» جاهداً لتصحيح الأوضاع من خلال تعزيز النظام المالي الذي تبين أنه أقل استقراراً مما كان مفترضاً. وفي الواقع، لم يكن هذا حدثاً عرضياً. ففي عام 2008، عندما اندلعت أزمة الرهن العقاري الثانوي، كان «يو بي إس» أحد أكثر البنوك الأجنبية انكشافاً على سوق العقارات والمشتقات المالية الأمريكية. وأدّى اندماج أكبر بنكين في سويسرا إلى إنشاء مؤسسة ضخمة تتمتع بميزانية عمومية تعادل تقريباً ضعف حجم الناتج الاقتصادي للبلاد. لكن إذا تعثر بنك يو بي إس، فلن يكون بإمكان دافعي الضرائب دعمه، ولن يكون هناك فارس أبيض آخر من الداخل قادر على الاستحواذ عليه.

وفي أبريل، كشفت وزيرة المالية كارين كيلر-سوتر عن قائمة من 22 مقترحاً لتحسين اللوائح التنظيمية في البلاد للبنوك التي هي أكبر من أن تترك للانهيار. وتضمنت القائمة العديد من التوصيات المنطقية، مثل تعزيز المساءلة الشخصية لكبار المصرفيين، ومنح المزيد من الصلاحية لهيئة الرقابة المالية، فضلاً عن مطالبة البنوك بزيادة متطلبات رأس المال للفروع الأجنبية.

ولم يكن فشل «كريديه سويس» قاصراً على مشاكل رأس المال أو السيولة فحسب، بل كان ناجماً أيضاً عن مزيج من الفضائح ومعها الأزمة المصرفية الإقليمية في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد سلط الضوء على الحاجة لوجود احتياطيات أكبر للمساعدة في التحصن من مجموعة أوسع من الأحداث نادرة الحدوث لكنها شديدة الخطورة، خاصة تلك التي يمكن أن تنجم عن العمليات التجارية الدولية.

ويتفق «يو بي إس» مع غالبية التوصيات، باستثناء ما يتعلق برأس المال. ولم تقدم وزارة المالية تفاصيل كثيرة حيال كيفية حساب المتطلبات الجديدة، لكن المحللين يقدرون أنها قد تتطلب رأس مال إضافياً لـ«يو بي إس» يتراوح بين 15 مليار دولار و25 مليار دولار - وهو مبلغ كبير. وأعلن «يو بي إس» عن رأس مال للأسهم العادية من المستوى الأول بقيمة 79 مليار دولار في نهاية عام 2023. ويعتقد الرئيس التنفيذي سيرجيو إرموتي أن البنك أصبح كبش فداء ظلماً بعد تدخله لإنقاذ بنك كريديه سويس.

ومن المهم ضمان معايرة متطلبات رأس المال. ويجب أن تكون متناسبة مع المخاطر الإضافية التي تسببها البنوك الكبرى. ويحتاج «يو بي إس» للحفاظ على قدرته التنافسية، خاصةً أنه بعدما أصبح لاعباً أكثر أهمية في الاقتصاد السويسري الآن. وسيكون تعزيز الشفافية من الجهات التنظيمية موضع ترحيب.

ورغم ذلك، يجب على «يو بي إس» إدراك أن حجمه يتطلب خضوعه لقدر أكبر من التدقيق. كما أن تعقيد العمليات العالمية للبنك المدمج يجعل الإشراف أكثر صعوبة. ويتعين عليه تقديم استراتيجية سليمة لتصفية البنك حال وقوع أزمة. وتؤدي زيادة احتياطيات رأس المال دوراً في هذا الأمر. علاوة على ذلك، استفاد البنك من الصفقة التي سمحت له بالاستحواذ على أكبر منافس له. واشترى البنك «كريديه سويس» مقابل 3.4 مليارات دولار فقط، أي ما يعادل 6% من القيمة الدفترية للأصول الملموسة. ومنذ ذلك الحين، ارتفع سعر السهم بنسبة 50%.

ومع استعداد البرلمان السويسري للتصويت على اللوائح الجديدة العام المقبل، فإن الخلاف الواضح بين «الثالوث» وبنك يو بي إس يعد جزئياً استعراضاً للقوة. فالسلطات السويسرية تود أن تُثبت للجماهير الغاضبة أنها تتخذ إجراءات لتعزيز النظام المصرفي، بينما يسعى بنك يو بي إس إلى أن يثبت لمساهميه أنه يساوم بقوة. ومن مصلحة جميع الأطراف المعنية إيجاد أرضية مشتركة لإقناع المستثمرين بأن النظام المالي المصرفي ستشتد صلابته.