يبدو أن المسار التصاعدي للأسواق الخاصة يحمل في طياته اعتقاداً بالحتمية. وعلى الرغم من زيادة تكاليف التمويل وتوقعات النمو غير المؤكدة، بلغ إجمالي الأصول المدارة للأسواق الخاصة 13.1 تريليون دولار بحلول 30 يونيو من العام الماضي، ونمت بنسبة تقارب 20% سنوياً منذ عام 2018، وفقاً لشركة ماكينزي للاستشارات.
وبينما تراجعت عمليات جمع الأموال عن ذروتها في عام 2021، كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة «ستيت ستريت»، أن غالبية المؤسسات الاستثمارية تعتزم تعزيز استثماراتها في مختلف الأسواق الخاصة تقريباً، ويشمل ذلك البنية التحتية والديون والأسهم الخاصة والعقارات.
إلا أن الطفرة التي شهدتها الأسواق الخاصة منذ الأزمة المالية خلال عامي 2009-2007، وخاصة في قطاع الاستحواذ الضخم، كانت مدعومة بسياسات نقدية شديدة التيسير. ولم تكن أغلب المكاسب ناجمة عن تعزيز كفاءة شركات الاستثمار فحسب، بل عن بيع الأصول بمضاعفات سوقية متزايدة باستمرار ومن خلال الرافعة المالية، وهو ما يزيد من العائد على الأسهم مقارنة بالعائد على الأصول.
أما حالياً، فقد انخفضت المضاعفات، وارتفعت تكاليف التمويل، والموازنات العمومية باتت أضعف بسبب الرافعات المالية. وتتسم العوائد الموزعة على المستثمرين بالتواضع؛ لأن المديرين مترددون في بيع الأصول وتحقيق العوائد بينما تظل المضاعفات منخفضة. وفيما يتعلق بالديون الخاصة، فقد كان نموها مدفوعاً إلى حد كبير بالمراجحات التنظيمية، حيث تواجه البنوك تنظيمات أشد منذ الأزمة المالية.
وتبدو الآن أوجه القصور في حوكمة الأسهم الخاصة، والتي تم التغاضي عنها خلال فترة الائتمان الميسر، ملحة مع تساؤل المؤسسات الاستثمارية عن التقييمات التي يحددها مديرو الأسهم الخاصة على شركات الاستثمار. وأصبحت مسألة التقييم ملحة منذ عودة أسعار الفائدة إلى مستوياتها الطبيعية. ومال مديرو الأسهم الخاصة إلى خفض قيمة أصولهم بدرجة أقل بكثير من مستور الخفض في الأسواق العامة. وهذا موقف غير منطقي بالنظر إلى ارتفاع الرافعة المالية وعدم توفر السيولة في فئة الأصول. وينبغي أن تكون عمليات الشطب أعلى بكثير من تلك المتعلقة بالأسهم العامة.
ومن بين القضايا الأخرى المثيرة للقلق القرار الذي اتخذته محكمة الاستئناف بالدائرة الخامسة في الولايات المتحدة الشهر الماضي، بإلغاء القواعد الجديدة التي أقرتها هيئة الأوراق المالية والبورصات، والتي تفرض تعزيز الشفافية على الأداء والرسوم في الأسهم الخاصة. وتفتقر ممارسات الإفصاح إلى الاتساق والتوحيد، وتعتمد على الاتفاقات الفردية بين المديرين ومستثمريهم. وثمّة جدل كبير يحيط بحساب معدلات العائد الداخلي والرسوم الخفية الغامضة التي يدفعها المستثمرون غالباً دون علمهم.
كما أعربت هيئة الأوراق المالية والبورصات عن مخاوفها حيال عدم وجود إجراءات وبروتوكولات تقييم محددة بوضوح، للتخفيف من تضارب المصالح العديدة في الصناعة. ويتضمن ذلك انتشار استمرارية الصناديق، حيث يبيع المديرون شركات الاستثمار إلى صندوق جديد، ويحميهم ذلك من تقييمات السوق العامة، وتتضمن هذه الصفقات زيادة كبيرة في رسوم مجموعة الاستحواذ.
وتتسبب زيادة الاستثمار في الأصول غير النقدية في حدوث مشكلات كبيرة في موازنة محفظة صناديق التقاعد التي تقترب من نهايتها، حيث تقوم بنقل التزامات المعاشات التقاعدية، ومطابقة الأصول لشركات التأمين، من خلال عمليات الاستحواذ أو عمليات الشراء الإضافية. وتحجم شركات التأمين عن قبول الأصول غير النقدية، وحال قبولها، فإنها تفرض تخفيضات ضخمة على قيمة الأصول.
ومع ذلك، كان نمو الأسواق الخاصة مفيداً للمستثمرين، فهي توفر مزايا التنويع، مع الأخذ في الحسبان التحذير حيال بلوغ المرحلة النهائية. وثمّة فرصة هائلة في البنية التحتية الناشئة عن إزالة الكربون والرقمنة. ويوفر رأس المال المغامر مدخلاً إلى التقنيات الجديدة.
ومن غير الواضح، بالنظر إلى المبالغ الضخمة التي تتدفق إلى الأسهم الخاصة، ما هو مقدار علاوة نقص السيولة التي يتعين تحصيلها. وتبلغ احتياطيات المبالغ التي التزم بها المستثمرون لكن لم يتم نشرها بعد، 3.7 تريليونات دولار، ما يمثل العام التاسع على التوالي من النمو.
إن تقييم أداء الأسهم الخاصة مقارنة بالأسواق العامة أمر صعب. ولا تظهر العوائد الحقيقية إلا عند تحقيق الاستثمارات في نهاية المطاف. وفي غضون ذلك، يعتمد كل شيء على تقييمات المديرين. ويقول جيفري هوك من كلية جونز هوبكنز كاري لإدارة الأعمال إن مديري الأسهم الخاصة أخفوا متوسط عوائد الاستثمار بقدر كبير من السرية والمعلومات المضللة، ويعتقد أنهم حولوا مفهوماً بسيطاً -وهو اقتراض المال لزيادة عوائد الأسهم- إلى إمبراطورية تجارية كبيرة دون محاسبة تُذكر.
والشاغل الرئيسي يتعلق بالنفقات، حيث تفرض الأسهم الخاصة عادة رسوم إدارة سنوية بنسبة 2% على أساس الأموال التي يلتزم بها المستثمرون في الصندوق، إلى جانب حصة بنسبة 20% من الأرباح التي تتجاوز عتبة العوائد المتفق عليها مسبقاً، والتي تبلغ عادة 8%. وهذا يمثل عبئاً كبيراً على الأداء مقارنة بالنسبة المئوية البسيطة لتكاليف الاستثمار في الأسهم المدارة بشكل سلبي.
عموماً، فقد ولت أيام تحقيق مكاسب سهلة ناجمة عن سياسة نقدية شديدة التيسير. لذلك، تعد الأسهم الخاصة الآن منطقة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للمستثمرين.
