المدير التنفيذي لمؤسسة بيرغوف ومؤلف كتاب «قضايا ملحة: تغير المناخ ونشوب الصراعات»
تقود التغيرات المناخية إلى ارتفاع حدة الصراعات، وهو اتجاه سيشتد مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة. لكن يبدو أنه يمكن لردود الأفعال حيال تغير المناخ، خاصة جهود تسريع تحول الطاقة، أن تقود إلى خلق صراعات بطرق مختلفة لم يتم بعد التطرق إلى سبل التعامل معها ومواجهتها.
وكان مستوى العنف خلال احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا عام 2018 منخفضاً، لكن الأحزاب المحافظة واليمينية المتطرفة التي تعارض السياسات الصديقة للبيئة تستغل السعي لتحقيق صافي الانبعاثات الصفري، والتحول الأخضر، وتغير المناخ كـ«قضايا خلافية» في الحروب الثقافية، وقد يسبب ذلك استفحال التطرف من كلا الجانبين وربما يتخذ الأمر منحى عنيفاً.
وبغض النظر عما يحدث في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، فمن شبه المؤكد أنه سيطغى عليه تبعات الكوارث في الدول التي سبق أن تأثرت بشدة بتغير المناخ والصراعات، ويهيمن الوقود الأحفوري على اقتصاداتها، ما يسهم في تفاقم الأزمة البيئية، ويغذي الفساد والعنف على الصعيد المحلي.
وستكون الدول الأكثر تضرراً من تحول الطاقة تلك التي تعتمد موازنتها على عائدات النفط لتوفير الخدمات الأساسية وفرص العمل والإعانات والأمن لشعوبها. ومن المرجح أن يؤدي انهيار هذا العقد الاجتماعي والحرمان اللاحق إلى إثارة التمرد والصراع الطائفي وتسريع التجنيد في الجماعات المسلحة المتطرفة، مثل بوكو حرام وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، إلى جانب احتمالات حملات قمع عنيفة من قبل الحكومات رداً على ذلك.
ومن المتوقع أن يؤدي الابتعاد عن الوقود الأحفوري إلى خلق صراعات بأشكال مختلفة. وثمّة أدلة متزايدة تشير إلى أن المناطق القائمة على التعدين، وتصدير المعادن الضرورية لتقنيات الطاقة المتجددة، ستواجه «لعنة الموارد».
وعلى سبيل المثال تمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي عانت من موجات العنف لعقود، 70% من احتياطيات الكوبالت العالمية وسابع أكبر احتياطي من النحاس، وكلاهما ضروري لصناعة البطاريات. وتتصارع الجماعات المسلحة من أجل السيطرة على المناجم، وتستخدم العائدات لإدامة الصراع، وغالباً ما تتم عمليات التعدين في ظل ظروف وحشية.
وبينما يعمل الطلب من التحول الأخضر على تعزيز قيمتها على المدى الطويل، سيزداد الدافع للقتال من أجل السيطرة على الموارد المتجددة محلّ النزاع. وتخشى العديد من الدول الأخرى تعرضها لنزاعات أشد مع تسارع وتيرة تحول الطاقة، فما التدابير الضرورية لدرء هذا الخطر الذي يستهان به؟
أولاً، لا بد من إجراء تقييم أكثر شمولاً ودقة لمخاطر النزاع عند الاستثمار في الطاقة المتجددة أو نظم الطاقة القابلة لإعادة الشحن، وألا تطبق «الاستدامة على إنتاج أو تخزين الكهرباء فحسب، بل ينبغي أن تشمل أيضاً حقوق المجتمعات المتضررة. ولدى كل من الشركات والحكومات أدوار تلعبها لضمان عدم مساهمة سلاسل التوريد في الانتهاكات والصراعات».
وبالنسبة للدول التي تعتمد على النفط، من الضروري تنويع اقتصاداتها وقاعدة إيراداتها. وتوظف دول الخليج صناديق ثروتها السيادية لهذا الغرض، لكن الدول الأقل حظاً بحاجة أيضاً إلى الاستثمار. ومن الممكن توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية في كل دولة تقريباً من خلال أساليب لا مركزية وصغيرة الحجم وفعالة من حيث التكلفة، ما يجعلها أقل جدوى في نظر الأطراف المتحاربة.
وفي الصومال ومالي، استثمرت بعثات السلام التابعة للأمم المتحدة في الطاقة الشمسية خارج الشبكة للحد من الاعتماد على مولدات الديزل والانبعاثات وقدرة الجماعات المسلحة على استغلال السيطرة على إمدادات الوقود. ويمكن لمثل هذه المبادرات أن تخلق فرصاً اقتصادية وتسهم في بناء السلام للمجتمعات المحلية.
ووفقاً لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن ربط التقنيات المتجددة وبناء السلام قد يكشف عن «وسيلة لم توف قدرها للحد من الصراعات ورعاية مجتمعات تنعم بالسلام».
ورغم أن النطاق الهائل للتحول الأخضر يفرض تحديات عدة على مختلف الدول، إلا أن بعضها يواجه خطراً متزايداً لنشوب الصراعات. ويتعين على الاقتصادات المتقدمة أن تظهر للناخبين فوائد العمل المناخي على نحو أكثر إقناعاً، مثل تحسين الرعاية الصحية والبنية التحتية؛ لمواجهة الطرح القائل إن تحقيق صافي انبعاثات صفرية أمر «نخبوي» و«متصنع».
ويتعين على الدول المعتمدة على النفط تسريع التنويع الاقتصادي على نحو عاجل بدعم من الجهات الخارجية. كما أن الدول التي لا تندرج تحت أي من هاتين الفئتين ولكنها تمر بنزاعات أهلية، تحتاج إلى المساعدة لتحقيق أقصى استفادة من إمكانات الطاقة المتجددة لتعزيز بناء السلام.
ويتحتم تجنب التصدي لتغير المناخ بطرق تفاقم من خطر نشوب الصراعات العنيفة من دون قصد لأن هذا ما نتجه نحوه ما لم يسترشد كل جانب من جوانب التحول بمسارات أكثر مراعاة لظروف النزاع.
