هل يمكنك قضاء 378 يوماً وليلة في مكان مظلم، لا ينيره سوى مصباح ضوء شريطي، ونافذة تطل على كوكب وهمي، برفقة 3 زملاء فقط؟ ماذا عن أسبوع؟ أو حتى ليلة واحدة؟.

لقد استطاع 4 أعضاء في مهمة أولية لناسا، حول «صحة الطاقم واستكشاف الأداء»، البقاء طوال المدة المطلوبة، ليظهروا مرة أخرى الأسبوع الماضي. وأمضى الأعضاء الأربعة بالفعل أكثر من عام في حظيرة طائرات في هيوستن، لمحاكاة مهمة إلى المريخ. ولم يكن التركيز الأساسي للطاقم ينصب على كيفية صيانة المعدات والصحة البدنية، بل على كيفية العيش مع زملائهم، بمعزل عن العائلة والأصدقاء.

وتستحق البعثات الفضائية الثناء على شجاعتها، فبينما لم تتعرض حياة هذا الطاقم للخطر، إلا أنه بالتأكيد خاطر بسلامته العقلية. فمن خلال تجربة تأخير الاتصالات لمدة 22 دقيقة، على غرار ما قد يحدث على المريخ، حُرموا من الاتصال السريع مع الأزواج والأصدقاء. فكم هو مؤلم الانتظار ما يقرب من 45 دقيقة للرد على تذمرك حيال غضب زميلك في العمل.

ولكوني خبيرة في مجال الفضاء، وبعد أن شاهدت جميع المواسم الأربعة من مسلسل «للبشرية جمعاء»، الذي يبث على تليفزيون أبل، وهو عبارة عن دراما خيال علمي حول السباق إلى المريخ، كنت قلقة إزاء الثبات العقلي للطاقم. لكن بصفتي أحد سكان لندن، أرفض وصف مأوى المهمة بأنه ضيق. فهل 1700 قدم مربعة مساحة ضيقة؟ إنها رفاهية.

وعندما خرج الطاقم عقب انتهاء المهمة، كانت فرحة قائدة المهمة كيلي هاستون واضحة، ليس فقط لأنها حرة، ولكن لأنها، كما قالت، كانت «جزءاً من العمل الذي يتم إنجازه هنا على الأرض، والذي سيسمح للبشر يوماً باستكشاف المريخ والعيش على سطحه»، وعلق عضو بالفريق مازحاً، بأن الوقت بدا وكأنه «مر بسرعة».

ومما لا شك فيه، أن بعض الجوانب السلبية لهذه الرحلة، تم التخفيف من حدتها من خلال الروابط المشتركة للمهمة العلمية. لكن حتى مثل هذا الهدف السامي، لا يمكنه درء كل الشكاوى. وفي كتاب «مذكرات رائد فضاء: 211 يوماً في الفضاء»، روى رائد الفضاء الروسي فالنتين ليبيديف، العلاقات المتوترة مع زميله أناتولي بيريزوفوي على متن محطة الفضاء ساليوت 7، عام 1982، قائلاً: «كان يوم 11 يوليو صعباً، لا أعتقد أننا نفهم ما يحدث بيننا، لقد كنا نتجاوز بعضنا البعض في صمت، ونشعر بالاستياء».

وقد تكون نهاية الرحلة هي الجزء الأصعب. ووصف الباحثون الذين يعكفون على دراسة الرحلات الطويلة في الفضاء والبحر ظاهرة الربع الثالث، حيث تنخفض معنويات العمال عند اجتياز نقطة المنتصف، وهو أمر واجهته شخصياً في الأسبوع الثاني فقط من عمليات الإغلاق نتيجة جائحة «كورونا».

وتعد البعثات طويلة الأمد مثيرة للاهتمام، لأنها تظهر كيفية تعامل الناس مع العمل في ظل الظروف القاسية، وهو أمر حاسم لمنع وقوع الحوادث. كما أنها تسلط الضوء على السمات العامة للعمل، حتى المضايقات التافهة مع الزملاء.

وفي عام 2013، كتبت الصحافية العلمية كيت غرين، عن تجربتها في العيش داخل قبة بيضاء على بركان ماونا لوا في هاواي، كجزء من أول مشروع «هاي-سيز»، الذي يحاكي بعض ظروف رحلة المريخ، أن «إيقاع حذاء أحد أفراد الطاقم ذي النعل الصلب، وهو ينزل على الدرج، كان متناغماً بشكل ملحوظ، لكنه كان دائماً عالياً للغاية». كما تساءلت عن «سبب استمرار إحدى زميلاتي في تحريك ساقها المتشابكة تحت الطاولة في كل وجبة، حتى تضغط برقة على قصبة ساقي بنعالها المغطاة بالفرو». بينما اشتكى زميل مقيم من «التنحنح المستمر» لزميل آخر.

وخلال مهمة أخرى لـ «هاي-سيز»، استمرت لمدة عام في 2015، وصفت شينا جيفورد، مسؤولة علوم الصحة، كيف أصبح عالمها المحدود صارخاً في طابعه النفعي: «لا يوجد مال ولا مكان لإنفاقه، والقيمة تعتمد فقط على المنفعة».

وتكشف التجارب القاسية مع الزملاء، أن النجاح لا يعتمد فقط على الموهبة والجهد، بل أيضاً على العلاقات الجيدة في مكان العمل. وقد يحتاج استكشاف الكواكب خبرة علمية، لكن معرفة الوقت المناسب لتجاهل حكايات زميلك المملة، يجب أن يؤخذ في الحسبان.