إذا كنت ترغب في فهم مدى تعقيد الأسواق، فكر في الاستثمار السلبي، إذ هل أدى ظهور الصناديق الاستثمارية السلبية إلى جعل الأسواق أقل كفاءة؟
وهل شجعت ظهور الفقاعات، بما في ذلك فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
حاول أن تتوصل إلى إجابات عن هذه الأسئلة في مخيلتك. وحتى إن كنت تمتلك معرفة جيدة بالأسواق، فقد تشعر سريعاً بالارتباك. وقد تشعر، مثلي، برغبة في استخدام رسم بياني أو إنشاء جدول بيانات، لكن هذا قد لا يفيدك كثيراً. وربما تكون قراءة بعض الأوراق البحثية الكثيرة حول هذا الموضوع مفيدة إلى حد ما. لكن إن كنت تأمل في إجماع مهني أو أكاديمي حول هذا الموضوع، فستصاب بخيبة أمل.
عموماً، إليك الطريقة التي أفكر بها في الأمر:
- تخيل معي، وعبر خيال يتصف بحب خبراء الاقتصاد المتهور للتجريد، أن كل مخصصات المستثمرين من الأسهم تديرها أربعة صناديق نشطة متساوية الأحجام تقريباً، ولنسمها (أ) و(ب) و(ج) و(د). وأن الصناديق تحتوي على نقد أيضاً، لتسهيل التداول وتعديل مستويات المخاطر.
- في يوم ما أعلن الصندوقان (ج) و(د) أنهما سيصبحان سلبيين وسيحتفظان بكافة الأسهم وفق أوزان السوق. إذن، فقد صارت نصف الأصول في السوق تدار بشكل سلبي. بعبارة أخرى، ما شهدته سوق الأسهم الأمريكية على مر عقود وقع في سوقنا الخيالي بين عشية وضحاها.
- ستكون هناك فترة من الفوضى، يعمل فيها الصندوقان (ج) و(د) على تعديل حيازاتهما لتتناسب مع السوق، وسيستغرق هذا الأمر بعض الوقت ذهاباً وإياباً، لكن في النهاية سيستقر السوق على توازن جديد.
- وسيؤثر الوصول إلى التوازن على أسعار الأسهم الفردية، لأن الصندوقين (ج) و(د) ربما كانا في السابق يمتلكان أوزاناً زائدة أو ناقصة في بعض الأسهم، وعليهما بيع / شراء تلك الأسهم لتصحيح هذا الأمر. وسيعتمد مدى تأثير هذا التعديل على الأسعار على مرونة طلب الصندوقين (أ) و(ب) على الأسهم المعنية.
- لن تتغير القيمة الإجمالية للسوق خلال هذه العملية. إذ لم يتغير طلب المستثمرين على الأسهم نتيجة تحول الصندوقين (ج) و(د) إلى الاستثمار السلبي. وبالنسبة لكل سهم يجب على الصناديق السلبية شراؤه للوصول إلى وزن السوق (سترتفع الأسعار)، ولكل سهم آخر ستضطر إلى بيعه (ستنخفض الأسعار).
- بمجرد الوصول إلى التوازن (مع التغاضي عن تدفقات الأموال الجديدة)، ستتحرك أسعار السوق بناء على الخلاف حول القيمة بين الصندوقين (أ) و(ب). على سبيل المثال، عندما يريد الصندوق (أ) امتلاك المزيد من سهم معين ولا يوافق الصندوق (ب) على بيعه إلا بسعر أعلى من السعر الحالي، أو عندما يريد الصندوق (أ) امتلاك كمية أقل من سهم ما ولا يوافق الصندوق (ب) على شرائه إلا بسعر أقل. ولمطابقة هذه التغييرات في الأسعار، لا يحتاج الصندوقان السلبيان إلى شراء أو بيع أي شيء. ستتولى التغيرات في الأسعار تعديل أوزان الصناديق السلبية في السوق تلقائياً.
- تتجه تدفقات الأصول الجديدة إلى الصناديق السلبية لكل الأسهم بما يتناسب وحجم السهم، لذا، زيادة الطلب تنطبق على كافة الأسهم، حتى وإن اتجهت أموال أكثر إلى الأسهم الأكبر حجماً. وتتأثر كافة أسعار الأسهم بصفة عامة جراء ارتفاع الطلب، لكن ليس هناك تأثير نسبي على الأسعار بين الأسهم.
- يوجد إذن في الوقت الحالي عدد أقل من الأطراف الذين يمكن للصندوقين النشطين التداول معها. وفي حقيقة الأمر، يتمتع صندوقا (أ) و(ب) بالتداول فيما بينهما، إلا عندما تجبر التدفقات الواردة والخارجة الصناديق السلبية على التداول.
هل يجعل هذا الأمر من السوق أقل فعالية؟ بالطبع الأمر كذلك في هذا المثال المتطرف: إذا كان صندوق (أ) سيبيع سهماً ما بسعر يتخطى ما يرغب (ب) في إنفاقه، فلن تكون بينهما أي معاملات، ولن يتجه السعر نحو المستوى الذي يظنه أي من الجانبين الأكثر صحة للسهم.
لقد أصبح السوق أكثر جموداً، وربما أكثر تقلباً في وجه التدفقات الواردة والخارجة بسبب نمو الاستثمار السلبي. لكن بالطبع هذه حالة متطرفة للغاية. ما لا نعلمه هو عدد وحجم المتعاملين السلبيين اللازمين للتسبب في تكلس سوق ما، وليست ثمة أدلة حد علمي على أننا بلغنا هذا المنعطف في الولايات المتحدة حتى الآن.
- حتى بموجب المثال المتطرف الذي طرحناه، هناك أمور أخرى قد تحدث من شأنها إعادة الأسعار إلى القيمة الأساسية. قد تتلقى شركة مقومة بأقل من قيمتها عرضاً لشراء كافة أسهمها، أو قد تشرع في إعادة شراء أسهمها، ما سيدفع الأسعار إلى الارتفاع. وربما ترتفع أرباح شركة ما أو تنخفض كثيراً إلى درجة تتسبب في تغيير (أ) أو (ب) لاتجاهاتهما.
- هل يهم إن كان مديرو الصناديق الذين يتحولون إلى استثمار سلبي أذكياء أم أغبياء؟ لنفترض أن صناديق (أ) و(ج) و(د) يديرها أشخاص أذكياء، فيما يدير أغبياء صندوق (ب). وقرر صندوقا (ج) و(د) التحول نحو الاستثمار السلبي. والآن، لا يتوفر لدى صندوق (أ) إلا الأغبياء الذين يديرون صندوق (ب) الذين يسيئون تسعير الأصول كثيراً ليتداول معهم.
والآن يجب أن يجني صندوق (أ) أموالاً أكثر، وسيحدث ذلك فقط عندما يدرك صندوق (ب) في النهاية أنه كان غبياً، ويعود إلى التداول مع صندوق (أ) مرة أخرى، ويوقف التسعير الخاطئ.
وإذا كان بروز الصناديق السلبية يتسبب في أن تكون السوق أكثر غباء بصورة جمعية، فإن النتيجة الفورية يجب أن تكون ظهور عدد قليل من الأشخاص يجعلونها أكثر ذكاء من جديد، وسيجنون الكثير من الأموال بفعلهم ذلك.
يجعلني هذا المثال أفكر في أن بروز الاستثمار السلبي لم يجعل الأسواق أقل كفاءة، ولم يشجع على تضخم فقاعة الذكاء الاصطناعي. وأقول ذلك بثقة كبيرة. لكن يجب علي أيضاً الإشارة إلى أن صعود الاستثمار السلبي ربما تكون له تداعيات مفاجئة وغير مباشرة على السلوك الجمعي للمستثمرين.
وبحسب مقال نشر حديثاً، يميل مستثمرو الصناديق النشطة إلى أسهم القيمة مقارنة بأسهم النمو، وهو أمر معقول إلى حد ما، بالنظر إلى أن الكثير من منتقيي الأسهم تلقوا تدريباً على التحليل الأساسي.
وربما يميل المديرون النشطون إلى انتقاء أسهم الشركات المُساء تسعيرها في فضاء الشركات الصغيرة، وأسهم أخرى غير مُدرجة في كبرى المؤشرات، في حين تتجه الأموال السلبية إلى الأسهم المتمتعة بالحجم الكبير والسيولة والرسوم القليلة المصاحبة للعمليات.
لذا، فحينما تنتقل الأصول بصورة جمعية من مديرين ناشطين إلى آخرين سلبيين، فقد يسفر ذلك عن صدمة طلب سلبية على أسهم القيمة وأسهم الشركات الصغيرة، فيما ستحظى كبرى الشركات الشبيهة بـ«إنفيديا» بصدمة طلب إيجابية.
وثمّة جانب آخر لم يوضع في الاعتبار، وهو تأثير الاستثمار السلبي على حوكمة الشركات، وما وصفه الراحل بول ماينرز «الشركات دون مالك»، وماهية التأثير الثانوي الذي قد تخلفه على فاعلية السوق. لكن أفضل تخميناتي هو أن التأثير الأولي ضئيل للغاية.
