نتائج الانتخابات الفرنسية تنشر حالة من القلق بين المستثمرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

خفضت وكالة إس آند بي غلوبال للتصنيف الائتماني، خلال شهر مايو الماضي، تصنيف السندات الحكومية الفرنسية، ما حمل في واقع الأمر رسالة لساسة البلاد تقول: «أحسنوا التصرف».

وقالت الوكالة في مذكرة صاحبت قرارها بخفض التصنيف الائتماني للبلاد بدرجة واحدة إلى «-AA»: «إن الانقسام السياسي يقود إلى حالة من عدم اليقين بخصوص قدرة الحكومة على مواصلة تنفيذ سياسات تعزز إمكانات النمو الاقتصادي ومعالجة الاختلالات في الموازنة». وظل التصنيف إيجابياً رغم خفضه، لكنه في نهاية الأمر خفض للتصنيف.

واتخذت الوكالة قرارها يوم 31 مايو، أي قبل إجراء الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي أسفرت عن سلسلة من التصويتات الشعبوية التي انتهت إلى برلمان معلق. وقد أبلى اليمين المتطرف حسناً، لكنه لم يكن جيداً بما يكفي لتحقيق الفوز؛ بعد تزايد الدعم الموجه لمزيج من الوسط والشيوعيين والخضر، الذين عملوا معاً واحتشدوا وراء هدف رئيسي هو الحيلولة دون فوز حزب التجمع الوطني برئاسة مارين لوبان برئاسة الوزراء. وما سيأتي تباعاً سيكون عبارة عن فترة مطولة من المشاحنات والادعاءات المثيرة للقلق من ساسة منافسين يزعمون أنهم يتحدثون بالصوت الحقيقي لفرنسا.

وعلى الجانب الإيجابي، وفي إفادة له، قال بنجامين ميلمان، كبير مسؤولي الاستثمار العالميين بشركة «إدموند دي روتشيلد أسيت مانجمنت» في باريس، إن عدم تجانس الأصوات يعني «أنه لن يكون هناك تكرار لواقعة ليز تراس» المتمثلة في حدوث تقلبات بأسواق السندات ناجمة عن تغير هائل في السياسة المالية. ومع ذلك، ذكر ملمان: «لا أرى حلاً للمشكلات متوسطة وطويلة الأجل التي تواجه فرنسا». وتابع أن البلاد يجب أن تتأهب إلى تخفيض للتصنيف الائتماني من جانب واحدة أو اثنتين من الوكالات، ومزيد من الانتخابات البرلمانية في غضون عام أو نحو ذلك.

ورغم تغير وجه الأمور كلياً في فرنسا. فإنه من الناحية الاقتصادية، لم تطرأ تغيرات كثيرة على الأمور التي يوليها المستثمرون اهتماماً. ولهذا السبب لم نرَ حتى الآن إلا تراجعات عابرة لليورو والأسهم الفرنسية والسندات الحكومية للبلاد. لكن يجدر بنا أن نتذكر أننا ما زلنا في الأيام الأولى، وأن الكثير يمكن أن يسير على ما يرام أو أن تسوء الأمور من هذا المنطلق.

وفي حين أن الجمود والمشاحنات والتظاهر عوامل سلبية للديمقراطية، لكنها قد تمثل ما يرغب المستثمرون في استمراره. فقد ساور المستثمرين قلق كبير حيال احتمالية تشكيل حكومة من اليمين المتطرف. وعلى الرغم من تعهد حزب التجمع الوطني بأن يكون ودوداً مع الأسواق، لكن احتمالية قضاء الحزب أعواماً في خلافات مع الاتحاد الأوروبي بشأن الموازنات شكلت خطر أن تصبح فرنسا إيطاليا جديدة التي كانت دائماً عرضة لتقلبات سوق السندات من الناحية التاريخية. وفي أسوأ الظروف، من المحتمل أن يعيد الحزب تزكية نيران ولعه بالخروج من الاتحاد الأوروبي «فريكزيت».

وساور المستثمرين قلق أيضاً من احتمالية فوز اليسار الراديكالي، وهو القلق الذي ما زالوا يشعرون به في حقيقية الأمر. وحسبما أشار مارك هايفيلي، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «يو بي إس غلوبال ويلث مانجمنت»، فإن أحد الخيارات المتوفرة أمام الرئيس إيمانويل ماكرون يتمثل في تعيينه رئيس وزراء من الحزب الأكثر حصولاً على المقاعد، أي الجبهة الشعبية الجديدة اليسارية المتشددة.

وفي مذكرة نشرت الإثنين، كتب هايفيلي وفريقه: «من وجهة نظرنا، من المرجح أن تحاول حكومة الجبهة الشعبية الجديدة إلغاء الإصلاحات الأخيرة للمعاشات والبطالة، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وعدم المشاركة في تحسين المالية العامة». وأوضحوا: «نعتقد أن برنامج الجبهة الشعبية الجديدة، إن نفذ كما هو مقترح، فقد يؤدي إلى ازدياد تدهور عجز الموازنة المرتفع بالفعل». ولا يعد هذا مآلاً طيباً لتكاليف اقتراض الحكومة الفرنسية، ما لا يبشر بخير للشركات الفرنسية. ولهذا السبب، يرى الكثيرون أن الانتهاء إلى برلمان معلق غير فعال هو أفضل النتائج بين مجموعة من الخيارات البغيضة.

ولن تحيق هذه التطورات بفرنسا فحسب، بل بعموم أوروبا لبعض الوقت مستقبلاً. وبحسب فريدريك ليرو، عضو لجنة الاستثمار الاستراتيجي لدى شركة كارمينياك الفرنسية: «من الممكن أن ينخفض تخصيص الأصول إلى الأسهم الفرنسية على نحو دائم».

علاوة على ذلك، يعد هذا كله سبباً فوضوياً إضافياً يدفع المستثمرين خارج أوروبا إلى تجنب القارة. ولفت نيكولاس فالر، الرئيس التنفيذي المشارك لإدارة الأصول لدى شركة يو بي بي السويسرية لإدارة الثروات إلى أن: «المشكلة تكمن في التصورات المتعلقة بأوروبا من خارج القارة».

وقال: «يتوفر لدينا كل عام سبب جيد لعدم الاستثمار في أوروبا». فعلى سبيل المثال، دائماً ما يتجلى أمر ما ليثبط اهتمام العملاء في آسيا. فلماذا عناء بذل الجهد في فهم التعقيدات في أوروبا، بينما تمضي الولايات المتحدة بسرعة وتحقق عوائد قوية في السوق؟

وفي كل الأحوال، تبقى هذه النتيجة مفاجئة. فقد سلطت استطلاعات الرأي الضوء على تحقيق اليمين المتطرف للأغلبية التي لم تتحقق في نهاية الأمر. يعد هذا تذكيراً مفيداً بعدم الإفراط في الاعتماد على استطلاعات الرأي قبيل إجراء الانتخابات الأمريكية التي تلوح في الأفق بوقت لاحق من العام. لكن ومثلما نشر محللو «رابوبنك» في مذكرة: «إنه أمر مفاجئ في الأسلوب أكثر من المضمون، بيد أن النتيجة هي ذاتها، وهي أننا ننظر إلى فترة من الجمود السياسي». ولا جديد تحت الشمس بكل تأكيد.

كلمات دالة:
  • FT
Email