بريق الذكاء الاصطناعي يزيد الأسواق إغراء لكن الأجواء هشة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقدم أداء سوق الأسهم في النصف الأول من عام 2024 قصة مبهرة بشكل لا لبس فيه. فقد ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 القياسي الأمريكي بنحو 15 %. وارتفع نظيره الذي يركز على التكنولوجيا، مؤشر ناسداك أيضاً إلى مستويات أعلى من ذلك. وشهدت أغلب الدول الأوروبية أداء جيداً، حتى في المملكة المتحدة (لكن ليس في فرنسا)، كما توقف نزيف الأسهم الصينية أخيراً.

وتحتفل البنوك المركزية بتحقيق نصر حذر بعض الشيء في رحلتها لهزيمة التضخم دون الإضرار بالاقتصاد العالمي، وذلك وفقاً للتقرير الاقتصادي السنوي الصادر عن بنك التسويات الدولية، الذي يشيد بصناع السياسات لنجاحهم في «أداء عملهم» و«تحقيق هبوط اقتصادي ناعم».

لنقدم إذن التهاني للجميع، لكن مع التأكيد على أن معنويات الأسواق لا تزال هشة، حيث يكافح المستثمرون لتبديد ذلك الشعور بأن المكاسب سطحية وليست سوى بريق زائف. فقد تباطأ ارتفاع الأسهم الأمريكية، التي بدت وكأنها لم تصدر أية حركة تكاد تذكر خلال الأسبوعين الماضيين. والأهم من ذلك، أن شركة نفيديا، التي لا تعد أفضل الأسهم الأمريكية أداء هذا العام لكنها الأكثر أهمية من حيث اتجاه السوق، قد تلقت ضربة قوية. ومنذ بلوغ ذروتها في 20 يونيو، تراجعت بنسبة 13 %.

وقال كبير خبراء الاقتصاد لدى مجموعة أبولو للأسهم الخاصة، تورستن سلوك، يبدو أن المؤشر «أكثر عرضة للخطر». وأشار إلى أن أكبر 10 شركات في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تشكل 35 % من القيمة الإجمالية للمؤشر، لكنها تسهم بنسبة 23 % فقط من الأرباح. وكتب: «هذا التباين أوسع من أي وقت مضى، ما يشير إلى أن السوق سيسجل ارتفاعاً قياسياً في الأرباح المستقبلية لأكبر 10 شركات في المؤشر. وبمعنى آخر، مشكلة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 حالياً لا تكمن في شدة التركيز فحسب، بل أيضاً في الارتفاع القياسي بشأن الأرباح المستقبلية لمجموعة صغيرة من الشركات».

وفي بعض الأحيان، تكون النتائج جيدة. وقد دفعت أرقام التسليمات القوية لشركة تيسلا السوق بأكمله إلى أعلى مستوى قياسي جديد خلال الأسبوع ـ رقم 32 لهذا العام. لكن التركيز على الطبيعة شديدة التفاوت للسوق آخذ في التزايد.

ومن الملاحظ أن 17 % فقط من الأسهم في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تفوقت على أداء المؤشر نفسه خلال العام الماضي. وبالنسبة لمؤشر ناسداك، انخفض هذا الرقم إلى 11 % فقط. ويشير المحللان ليز آن سوندرز وكيفن غوردن لدى شركة الوساطة «تشارلز شواب» إلى أن تفوق الأداء الهائل لحفنة من الأسهم في أعلى طيف القيمة السوقية يخفي ضعف أداء معظم الأسهم الأخرى في المؤشر.. وثمة قدر هائل من التصحيحات التي تجري تحت السطح.

هذا هو بريق الذكاء الاصطناعي الذي نتحدث عنه ونلفت إليه الأنظار. فكل ما لا علاقة له بالذكاء الاصطناعي صعد بشكل صاروخي، بما في ذلك شركة إنفيديا لتصميم الرقائق بأرباحها التي زادت بنسبة 155 % حتى الآن في عام 2024، وكان أداء شركة «سوبر مايكرو كمبيوتر» أكثر نجاحاً، حيث حققت مكاسب تزيد على   200 %. كما أن مجموعة من أسهم الطاقة والصناعة المهمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي تشهد نمواً قوياً، مثل «فيسترا» و«كونستيليشن إنرجي». وثمة احتمال آخر مثير للقلق أشار إليه بحث جديد أعده جان فيليب بوشو من صندوق التحوط «كابيتال فاند مانجمنت»، من ضمن آخرين. والبحث الذي يحمل عنواناً استفزازياً إلى حد ما وهو «صناديق الاحتيال»، يتحدى أي شخص يتمسك بالفكرة الغريبة القائلة إن الأساسيات، مثل الأرباح وغيرها، هي ما يهم حقاً في سلوك سوق الأسهم.

وبدلاً من ذلك، تشير الورقة ببساطة إلى أن قيمة الصناديق ترتفع لأن المستثمرين لا يستطيعون مقاومة شراء الأشياء التي ترتفع قيمتها، وعندما يفعلون ذلك، تزيد بالتالي قيمة الأصول الأساسية للصناديق، مما يدفع قيمة الصناديق للارتفاع أكثر وهو ما يجذب المزيد من المشترين. بهذه الطريقة، تغذي الزيادة زيادة أخرى في «سلسلة حلقات تغذية ذاتية التضخم» وتتمحور حول سرديات مغرية. وتجادل الورقة البحثية بأن «السلوكيات الاستثمارية غير العقلانية لمستثمري الصناديق تؤدي إلى عمليات إعادة تخصيص لرأس المال فيما بينهم، على غرار عملية الاحتيال، والتي تنهار عندما ينعكس التأثير السعري على الأوراق المالية الأساسية».

ويركز البحث على الصناديق المتداولة في البورصة لأن جودة البيانات المتعلقة بعمليات الشراء والبيع لهذه الأدوات قوية، لكن المبدأ ينطبق على الأسهم على نطاق واسع أيضاً. ويشير الزخم في الأسهم الأمريكية وهيمنة فكرة واحدة إلى أن البيئة السوقية الحالية تبدو مشابهة بشكل كبير. وقال فيليب بوشو إن «ارتفاع السوق الأمريكية يرجع إلى قيام المستثمرين بالشراء داخل السوق نفسها».

ولا شك أن هذا المسار البحثي ليس جديداً، وأضاف «نحن نواصل التقليد العريق الذي أرساه العديد من العمالقة قبلنا». ومع ذلك، هذا لا يجعل من السهل معرفة ما الذي قد ينهي هذا الاتجاه ويعيد الأسواق إلى وضعها الطبيعي أو متى. لكن إذا لم تعد الأسهم الأمريكية إلى مسارها الصعودي السلس قريباً، فمن السهل تخيل تزايد الشكوك حول التركيز الشديد في السوق، والتذكير بالطبيعة غير المستدامة للصيحات والاتجاهات، مما يؤدي إلى إزالة بعض البريق من الأسهم في النصف الثاني من العام.

كلمات دالة:
  • FT
Email