أكد مجلس التقارير المالية، الهيئة الرقابية في المملكة المتحدة، أن «التقدير المهني هو سمة حاسمة في أي عملية تدقيق». لذلك، فقد حث المجلس مراجعي الحسابات في عام 2022، على زيادة حدة شكوكهم.

وتعدّ العقلية المستقلة مهمة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بتقييم ما إذا كانت الشركة «لديها ما يثير القلق». وإلى جانب الضوابط الداخلية واحتمالية الاحتيال، فإن تقرير ما إذا كانت الشركة تواجه خطر الإفلاس، يجب أن يكون أحد محاور تركيز مراجعي الحسابات. وهنا يكمن فشل الشركات في المملكة المتحدة، وفقاً لبحث جديد.

وأشار مختبر إصلاح التدقيق المحاسبي، وهو مركز أبحاث، إلى أن مراجعي الحسابات فشلوا في إطلاق التحذيرات قبل انهيار 75 % من الشركات البريطانية الكبرى، خلال الفترة بين 2010 و2022. ولفت إلى أنه رغم الأداء الضعيف لمراجعي الحسابات، فإن أجورهم مرتفعة، وفي ازدياد، كما أن القواعد التنظيمية غير فعالة.

من المفهوم أن يتردد مدققو الحسابات أحياناً في إطلاق التحذيرات بشأن المخاطر المستمرة، فتقييم التهديدات المستقبلية للأعمال التجارية أمر صعب، وهو ما أظهرته الجائحة، والحرب في السنوات الأخيرة.

والاحتيال هو أيضاً مجال آخر يمكن أن يكون فيه المدققون أكثر يقظة، لأنه يقوض أحياناً محاولات استجلاء الحقيقة. كما أن هناك تضارباً للمصالح مع الفرص المربحة التي لا تتعلق بالتدقيق، وهو مجال آخر، يمكن أن يكون مصدر إلهاء محتمل للشركات الكبرى.

ويمكن للتحذيرات أن تثني الموردين والعملاء عن شحن البضائع أو سداد الفواتير، ما يدفع الشركات إلى أزمة حادة، متمثلة في السيولة والثقة. وبإدراج بند «عدم اليقين المادي» في الحسابات المنشورة - أو الإشارة إلى التفكير في مثل هذا البند- يضع المحاسبون أنفسهم في تضارب مع إدارة عملائهم ومجلس الإدارة.

ولا عجب أن بعض النقاد يعتقدون أن مراجعي الحسابات يتعين عليهم الاقتصار على التأكيد بأن الحسابات حقيقية وصحيحة، ويتركون الأمر للجهات المعنية لاستخلاص استنتاجاتها حيال التأثير المحتمل للمخاطر المستقبلية.

ومع ذلك، وكما أبرز مختبر إصلاح التدقيق المحاسبي، فإن بند «عدم اليقين المادي»، يعد بمثابة «تحذير، وليس توقعاً». ومن غير الواضح عدد التحذيرات التي أطلقها مراجعو الحسابات خلال نفس الفترة في الشركات التي لم تتعرض للإفلاس، ولكن ذلك أفضل من إصدار رأي مفاده أن الشركة مستقرة، وهي ليست كذلك.

وخلال هذا الشهر فقط، فرض مجلس التقارير المالية غرامات على شركتي «بي دبليو سي» و«إرنست ويونغ»، بسبب إخفاقهما في عمليات تدقيق حساباتهما لشركة «لندن كابيتال آند فاينانس»، المجموعة الاستثمارية التي انهارت في خضم فضيحة عام 2019. وتضمنت انتقادات الهيئة الرقابية، الافتقار إلى التشكيك المهني والفشل في تحديد وتقييم مخاطر «التحريف الجوهري».

ولا ينبغي لأحد الاستهانة بتكلفة تحسين التدقيق، لذلك، حثت إرشادات التقدير المهني لعام 2022، الصادرة عن مجلس التقارير المالية، مراجعي الحسابات على التراجع والنظر إلى السياق الأوسع لأي عملية تدقيق، وهو ما يبدو سهلاً، لكنه يتضمن أيضاً توضيحاً لأفضل الممارسات، حيث يقوم شركاء مراجعة الحسابات باستشارة خبراء في نماذج التدفق المالي، وتمويل الديون والأخلاقيات، للتحقق من صحة تقييم المديرين لاستمرارية المؤسسات، كل ذلك في ظل مواجهة ضغوط من العملاء والجداول الزمنية الضيقة.

ويمكن أن يجدي الإصلاح التنظيمي نفعاً، كما أكدت صحيفة فاياننشال تايمز مراراً، لكن الحكومة البريطانية المنتهية ولايتها، لم تقدم خططاً لإصلاح عمليات التدقيق، والتي كان من شأنها تأسيس هيئة رقابية أقوى -هيئة التدقيق وإعداد التقارير والحوكمة، رغم توصيات العديد من المراجعات.

واشتكى رئيس مجلس التقارير المالية اليائس مؤخراً، من أن الهيئة تفتقر إلى التمويل والأسلحة اللازمة لمحاسبة شركات التدقيق المحاسبي بشكل صحيح. ومن غير المرجح أن يكون «تحسين جودة التدقيق الآن» بمثابة شعار انتخابي لأي من الأحزاب في الانتخابات المقبلة.

إلا أنه ما لم تتحرك الحكومة المقبلة لمنع المزيد من انهيار وإفلاس الشركات، فيتعين على المملكة المتحدة مواصلة الاعتماد على قصارى الجهود التي تبذلها هيئة رقابية ضعيفة، وما إذا كان مراجعو الحسابات مستعدين لإجراء مناقشات أكثر صعوبة مع المديرين.