ظلت السيارات الكهربائية الصينية، وإلى حد كبير ولفترة طويلة، مرادفاً للمركبات الصغيرة الرخيصة. إلا أن مصنعي المركبات الكهربائية الصينيين بدأوا في إعادة تغيير استراتيجيتهم.

لذلك، يعد توقيت فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية جديدة بنسبة 100% على المركبات الكهربائية الصينية المُستوردة مؤسفاً لهؤلاء المصنعين، إذ تمثّل ضربة قوية لهم مع اتجاههم إلى العالمية بسيارات فاخرة.

بطبيعة الحال، لن تتأثر كل الشركات بالتساوي بهذه التعريفات. ففي نطاق المركبات الرخيصة، فإن سيارة «بي واي دي سيجل» (الهاتشباك) على سبيل المثال، التي يبلغ سعرها نحو 9,600 دولار في الصين، ستظل ذات سعر تنافسي في غالبية الأسواق بالخارج، حتى بعد فرض تعريفات جمركية عليها بقيمة 100%.

لكن لن ينطبق الأمر ذاته على نماذج أخرى مثل «زيكر 009»، المركبة الكهربائية متعددة الأغراض التي يبدأ سعرها من 69,700 دولار. وقد يقرر بعض المصنعين أن التوسع في الولايات المتحدة لا يستحق التكاليف الإضافية، فيما قد يحاول آخرون الالتفاف على الأمر بتأسيس منشآت صناعية في دول مثل المكسيك.

لكن هناك شيئاً واحداً مؤكداً، وهو أن الفوز على أوروبا أصبح أكثر أهمية لمستقبل مجموعات السيارات الكهربائية الصينية. وبالنسبة لهؤلاء المصنعين، فإن السير في طريق السيارات الفاخرة لم يعد مسألة اختيار بقدر ما هو ضرورة لتفادي الوقوع في حرب أسعار مع «بي واي دي»، أكبر مصنعي المركبات الكهربائية الصينية، التي تقود النمو العالمي في قطاع السيارات منخفضة السعر.

وهذه الاستراتيجية، التي تعني التنافس مع قوة العلامة التجارية لصانعي السيارات الفاخرة الأوروبيين، كانت تبدو بعيدة المنال بالأمس القريب. لكن التغير غير المُتوقع لاتجاهات المستهلكين أدى لمبيعات أقوى من المتوقع للسيارات الكهربائية الصينية الفاخرة العام الماضي.

وقد تطور تعريف ميزات الرفاهية في السيارة الكهربائية بالصين بسرعة. وكانت العلامة التجارية والتصميمات الداخلية وقوة التسارع من عوامل الجذب التقليدية للمستهلكين. أما الآن، فأصبحت هناك ميزات أخرى أكثر طلباً، مثل البرمجيات الحصرية، والبطاريات المتقدمة، وتقنيات المركبات الذكية.

ولنأخذ على سبيل المثال «زيكر»، وهي علامة تجارية لسيارات كهربائية فاخرة، تابعة لشركة «جيلي» الصينية، التي تملك أيضاً مجموعة علامات تجارية عالمية مثل «فولفو» و«لوتس»، إذ توفر سيارة السيدان الكهربائية الشهيرة «زيكر 001» ميزات فاخرة تقليدية، مثل التسارع من الصفر إلى 100 كيلومتر في الساعة خلال 3.8 ثوان، إلى جانب ميزات مثل المقاعد التي توفر تدليكاً للظهر.

لكن أكبر عوامل الجذب لكثير من المشترين كان التكنولوجيا الأحدث المستخدمة في مقصورة القيادة الذكية، والرادارات المتقدمة، ونظم مساعدة السائق، والبطارية التي يتم شحنها في نصف ساعة. وقد ساهمت العلاقة الوثيقة بين «زيكر» وأكبر مصنعي البطاريات الصينيين، شركة «كاتل»، وتلقيها تمويلاً مبكراً منها، في منحها ميزة كبيرة على منافسيها.

ويعد الوصول المبكر لأحدث تقنيات البطاريات أمراً أساسياً للبقاء في الصدارة، حيث يبحث صانعو السيارات الكهربائية بلا توقف عن بطاريات أرخص وأخف وزناً مع تمكين السائقين من القيادة لمسافات أطول.

وقد اتسم الطلب على سيارات «زيكر» الكهربائية الرياضية عالية الأداء بالقوة، ليتضاعف إجمالي المبيعات في الربع الأول من العام. وتكمن المشكلة في أنه بينما ارتفعت مبيعات «زيكر» بنحو الثلثين في العام الماضي، فإنها حققت غالبية المبيعات في سوقها المحلية.

ورغم أن الصين أكبر سوق للسيارات في العالم، إلا أنه تبقى هناك حدود لمدى السرعة التي يمكن أن تنمو بها شركات صناعة السيارات الكهربائية الفاخرة في السوق المحلي.

وتشير البيانات الحكومية إلى أن نصيب الفرد من الدخل القابل للتصرف على المستوى الوطني في العام الماضي بلغ 39,218 يواناً صينياً، ما يعادل 5,415 دولاراً، حيث بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 12,720 دولاراً. وتبقى «تسلا»، التي قررت خفض الأسعار في البلاد، خياراً شائعاً بين المستخدمين المحليين.

ولتحقيق نمو جديد، وتعويض تكاليف التطوير الباهظة، ليس أمام مصنعي السيارات الكهربائية الصينية خيار سوى التوسع في الخارج. لكن الولايات المتحدة، أكبر سوق للسيارات بعد الصين، تبدو صعبة بدرجة كبيرة.

الأمل إذاً معقود بدرجة كبيرة على السوق التالي على قائمة الأكبر وهو سوق سيارات أوروبا، وذلك بفضل أهداف الحكومات واللوائح التي تفرضها. ففي ألمانيا، تهدف الحكومة إلى وجود ما لا يقل عن 15 مليون سيارة كهربائية، بما في ذلك السيارات الهجينة القابلة للشحن، على الطرق بحلول عام 2030. كما أن قرار الاتحاد الأوروبي بحظر بيع سيارات محركات الاحتراق الجديدة اعتباراً من عام 2035 ينبغي أن يؤدي إلى ارتفاع الطلب على السيارات الكهربائية.

لكن في ألمانيا، انخفضت مبيعات المركبات الكهربائية بنسبة 16% العام الماضي، وفق البيانات الصادرة عن صناعة السيارات في البلاد، ويرتبط ذلك جزئياً بارتفاع الأسعار.

وبينما تراجعت أسعار بطاريات المركبات الكهربائية بأكثر من النصف في الصين خلال ثمانية أعوام حتى عام 2023، ارتفع متوسط الأسعار في أوروبا بمقدار 18,000 يورو. وسيتطلب تحقيق الأهداف الحكومية في موعدها مجموعة أكثر اتساعاً من الخيارات ميسورة التكلفة، ما سيخلق فجوة يمكن لمصنعي المركبات الكهربائية الصينيين سدها.

وهذا لن يكون ذلك سهلاً. وقد يُفضي التحقيق الحالي الذي تجريه المفوضية الأوروبية في حصول مصنعي المركبات الكهربائية الصينيين على إعانات، إلى فرض تعريفات باهظة على الواردات الصينية في المستقبل القريب. ولا يدع هذا سوى فرصة ضئيلة أمام مصنعي المركبات الكهربائية الصينيين للخروج باستراتيجية واضحة للتوسع في أوروبا.