في ستينات القرن الماضي قام بوب باين، عالم البيئة لدى جامعة واشنطن، بإزالة نوع ما من فصائل نجوم البحر الأرجوانية من أحد أحواض المد على الساحل الأمريكي للمحيط الهادئ، لمعرفة ما قد يحدث.
اكتشف باين بعد أعوام أن كائنات بلح البحر، التي عادة ما تقتات عليها نجمة البحر الآكلة للحوم، قد اجتاحت المنطقة وزاحمت ألواناً أخرى من الحياة البحرية. وصنف باين نجمة البحر «صنفاً رئيسياً»، ليعكس بذلك تأثيرها الكبير على بيئتها المحيطة. وانتشر اللقب كما عشبة البطباطية اليابانية، وعزز ذلك الحركة الناشئة لحماية البيئة ودخل الوعي العام.
ولقد تم وصف أكثر من 200 نوع من الحيوانات منذ ذلك الحين في الأدبيات الأكاديمية باعتبارها «أساسية». ومع ذلك، فلا يوجد اتفاق واسع النطاق على التعريف. لكن، ومثلما نشرت مجلة كوانتا في الشهر الماضي، يعيد علماء البيئة حالياً تقييم هذا المفهوم. وإعادة النظر هذه أمر مهم، فمثل هذه الأنواع محورية لفكرة إعادة الطبيعة البرية، وهي شكل معاصر من أشكال الحفاظ على البيئة التي تروّج للتنوع البيولوجي من خلال تحفيز الموائل على العودة إلى وضع أكثر طبيعية. ودون فهم واضح لماهية أنواع الحيوانات والنباتات التي تهيمن على مفاصل النظام البيئي، فإن علماء البيئة يأخذون على عاتقهم مسألة إعادة الطبيعة البرية كمن يسير في الظلام.
ويُنظر بصفة عامة إلى الأصناف الرئيسية باعتبارها الحيوانات المفترسة المهيمنة على منطقة ما، مثل الذئاب أو أسماك القرش، أو باعتبارها أنواعاً «معدّلة» تغير من البيئة المحيطة بها بطرق تعزز التنوع البيئي. لدينا القنادس مثال على ذلك، إذ تشيّد سدوداً وتحفر قنوات في السهول الفيضية، فتخلق معالم مائية تحافظ على الحياة في البرك. أما ثور البيسون الأمريكي، فـ «يتمرغّ» أو يتقلّب في أنحاء السهول العشبية، فيخلق تجويفات تحتفظ بمياه الأمطار.
بإمكاننا رؤية التأثير المنشود من استعادة الأصناف الأساسية في متنزه يلوستون الوطني في الولايات المتحدة، الذي عادت إليه الذئاب في 1995. وقد ازدادت أعداد الذئاب اليوم، وكذا الأمر بالنسبة للأيل الأمريكي والقنادس. وأفضى هذا إلى «سلسلة غذائية»: إذ تُبقي الذئاب المتجولة حيوانات الإلك في حركة مستمرة، ما يعني بدوره عدم تعرض أشجار الصفصاف إلى الرعي الجائر، هو ما يضمن بالتالي وجود ما يكفي من الغذاء ومواد البناء للقنادس.
لكن إعادة الطبيعة البرية لا تقتصر على استعادة الأنواع المؤثّرة مثل الذئاب فحسب، بل تعني أيضاً فهم أي الأنواع مهمة للأنظمة البيئية، وهي أمور ليست واضحة دائماً، حتى للخبراء.
وافترضت إيشانا شوكلا، عالمة البيئة لدى جامعة كاليفورنيا دافيس، وجود قائمة جازمة تحوي كافة الأنواع الرئيسية المُسجلة، بيد أنه لم يكن هناك لمثل هذه القائمة وجود. لذلك، أجرت شوكلا بحثاً دؤوباً في طيات الأدبيات ووجدت 230 نوعاً حصلت جميعها على توصيف «أجناس رئيسية»، لكن وفق معايير مختلفة.
أخبرتني شوكلا: «الأجناس الرئيسية بصفة عامة، هي التي يكون تأثيرها على المجتمع من حولها» كبيراً «بصورة غير متناسبة ووفرتها»، مع ذلك، يبدو أن هناك غياباً للإجماع على ما يعنيه وصف «كبير» بصورة غير متناسبة.
ويطلق علماء البيئة في بعض الأحيان هذا الحكم استناداً إلى الحسابات، عن طريق قياس الكتلة الحيوانية لهذه الأجناس ثم مراقبة مدى ازديادها أو نقصانها مع تنقل الأعضاء داخل وخارج النظام البيئي. لكن ليس ثمة حدود رقمية مُعرّفة مرتبطة بـ«الأساسية»، لافتة إلى صعوبة وزن الذئاب. وبدلاً من ذلك، يلجأ الباحثون لتقديراتهم الخاصة: ويعني هذا مثلاً أنه إذا اختفى نوع ما واختل النظام البيئي على إثر ذلك، فربما يكون هناك مبرر لإطلاق لقب«الأساسية»على النوع المختفي.
ومع ذلك، فالنتيجة الأكثر أهمية هي أن الحيوانات الأساسية، وعددها 230، لا تنطوي على الذئاب وحيوانات ألفا الأخرى فحسب. وتضم الحيوانات الأساسية أنواعاً مثل الفراشة البيضاء الصغيرة التي تؤثّر على الكساء الأخضر، والأسماك التي تتغذى على اللافقاريات الدنيا، ونحل العسل الذي يقوم بدور التلقيح، فضلاً عن ثدييات صغيرة مثل كلب المروج أسود الذيل الذي يقلّب التربة. وإجمالاً، تتراوح الأنواع الأساسية بين قمة الشبكة الغذائية وقاعها.
وبحسب إشارة«كوانتا»، يفضّل بعض علماء البيئة تبني نهج أكثر شمولاً فيما يتعلق بالحفاظ على البيئة، يركز على الموائل بأكملها وليس فقط على أنواع بعينها. لكن لا ترغب شوكلا في التخلي عن مفهوم الأنواع الأساسية، منوّهة بأن التعريفات المرنة تناسب مختلف الأساليب التي تسهم بها الحيوانات والنباتات في الطبيعة. وأضافت شوكلا أن التجارب التي أُجريت مثل متنزه«يلوستون»تبدو ناجحة.
لكن ثمة نوع يلعب دوراً هائلاً في تغيير الموائل. فقبل وفاته في 2016، ألّف باين ورقة بحثية بالاشتراك مع بوريس وورم، عالم البيئة لدى جامعة دالهاوسي، وصفا فيها الإنسان باعتباره(نوعاً رئيسياً فائقاً)، إذ يقود التغير الذي يطرأ على النظام البيئي في كافة أرجاء المعمورة، سواء في المحيطات أو الغابات. وهكذا، فإننا ربما نولي اهتماماً بالذئاب وأسماك القرش، لكننا غالباً ما ننسى أننا كبشر كائنات حية في النظام البيئي العالمي أيضاً.
